Abdulaziz.a.j
12-01-2008, 01:15 AM
دروسٌ وعبرٌ منَ الهجرةِ النَّبويَّةِ
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
)) حقوق الطبع متاحة لجميع الهيئات العلمية والخيرية))
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، القائل في محكم كتابه : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) [النساء/97-100] }
والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، القائل :" لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ."[1] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftn1)
والقائل أيضاً : " لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"[2] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftn2)
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
من الأمور المسلَّم بها أن بقاء الدعوة في أرض قاحلة لا يخدمها، بل يعوق مسارها ويشلُّ حركاتها، وجرت سنة الله في خلقه أن يقبل بعض الناس على دعوات رسله، فتنشرح صدورهم لهدايته، وأن يُعرض بعض الناس فينشأ الصراع بين الحق والباطل.
تخضع القضية بعد ذلك لشيء من الموازنة. فإن كانت الفئة المؤمنة من أتباع الحق، من القلة بحيث لا تملك إلا أن تظل مستضعفة في الأرض، فستتلقى من الفئة الكافرة ضربات لا هوادة فيها، ولن يكن للفئة المؤمنة خيار إلا أن تصبر وتتحمل كل صنوف الأذى من أجل دعوتها إلى أن يأتي أمر الله، أو تهاجر لتتمكن من الانطلاق في أرض أخرى.
ولقد قص القرآن علينا أن من الأنبياء من هاجر، منهم: سيدنا إبراهيم، ولوط، وموسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} (99) سورة الصافات. وقال: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:26]. وقال: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه:77].
وقال عن هجرة رسول الله r وأصحابه: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40].
وقال أيضا : {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد:13].
فالهجرة إهدار للمصالح، وتضحية بالأموال، ونجاة بالنفس، مع شعور المهاجر بأنه مستباح منهوب، وقد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان.
روى الإمام البخاري عن خَبَّابً قالَ : أَتَيْتُ النَّبِىَّ - r - وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً ، وَهْوَ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْتُ أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ وَهْوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ « لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ ، فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ »[3] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftn3) .
لكن مع شدة الألم وكثرة الطغيان وانتشار البطش بالمؤمنين والمؤمنات أذن رسول الله r لمن يريد الهجرة بدينه أن يتجه إلى أرض يخلى بينه وبين أداء دينه، فبدأ المسلمون يهاجرون، وهم يعرفون كل ذلك
فإدراك الماضي إدراكاً واعياً ضروري لمعرفة الطريق القويم- معرفة العدو من الصديق- معرفة كيفية التعامل مع كل حديث وجديد ، فالتزاوج بين الماضي والحاضر واستيعاب دروس الماضي والاستفادة منها وتحديد مكانة الماضي في الحاضر ضروري حتى يتم الانطلاق نحو المستقبل، وبغير ذلك تعجز الأمة عن دخول الواقع بأبعاده.
فالهجرة من وسائل التغيير وأهمها هجرة المسلم بقلبه من محبة غير الله إلى محبته ، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه، إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له.. إلى دعائه، وسؤاله والخضوع له والذل له والاستكانة له. وهذا معنى قوله تعالى:{ فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ }[الذاريات:50].
أما هجرة النبي r وهجرة صحابته رضوان الله عليهم، فقد كانت على أساس ثابت، قائم على محبة الله تعالى ورضوانه، فأثبتوا للدنيا أجمع أنهم لدينهم ولعقيدتهم، وأنهم ليسوا للتراب، ولا للأهواء ولا للعصبيات، وأن بناءهم لا يقوم على الحجر والطين، ولا يلقي ثقله على أموال اقترفوها ولا تجارة يخشون كسادها، ولا مساكن يرضونها، بل هي العقيدة الصافية الصادقة: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله). فأدرك الغويّ أبو جهل ومن وراءه إدراك الموقن بنفسه المعارض بلسانه، أنهم لم ينازعوهم في أرض ولا في مال ولا في عقار ولا في قمار، ولا في زعامة فاشلة تهدم ولا تبني، ولا في قبَلِيَّة عمياء جهلاء، بل نازعوهم في تلك العقيدة التي حملوها، وحملوا على عاتقهم نشرها والدعوة إليها رغم أنف أبي جهل ومن معه.
فهاجروا وتركوا الأرض والديار والأهل؛ ولكن الإيمان أصيل يملأ القلوب، وآي التنزيل تنير لهم دُهْمَة (ظبمة) الليالي، وراية التوحيد تفتح أمامهم طرقاً كانت ضيقة، وتزيح أمامهم عراقيل الجبال الشوامخ، فإذا أفقُ طيبةَ الطيبة يتلألأُ من بعيد وهو قريب، طابت بخير قادم عليها، فهام أوسها وخزرجها على روابيها بصدور رحبة، تحيي الأمين وصحبه فرحة بخير قادم عليها، والمحبة أوثق العرى مع من ربطتهم به (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).[4] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftn4)
إنَّ هذا الحدث الذي غير مجرى التأريخ، الحدث الذي يحمل في طياته معاني الشجاعة والتضحية والإباء، والصبر والنصر والفداء، والتوكل والقوة والإخاء، والاعتزاز بالله وحده مهما بلغ كيد الأعداء، إنه حدث الهجرة النبوية الذي جعله الله سبحانه طريقا للنصر والعزة، ورفع راية الإسلام، وتشييد دولته، وإقامة صرح حضارته، فما كان لنور الإسلام أن يشع في جميع أرجاء المعمورة لو بقي حبيسا في مهده، ولله الحكمة البالغة في شرعه وكونه وخلقه.
إن في هذا الحدث العظيم من الآيات البينات والآثار النيرات والدروس والعبر البالغات ما لو استلهمته أمة الإسلام اليوم وعملت على ضوئه وهي تعيش على مفترق الطرق لتحقق لها عزها وقوتها ومكانتها وهيبتها، ولعلمت علم اليقين أنه لا حل لمشكلاتها ولا صلاح لأحوالها إلا بالتمسك بإسلامها والتزامها بعقيدتها وإيمانها، فوَالذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا ما قامت الدنيا إلا بقيام الدين، ولا نال المسلمون العزة والكرامة والنصر والتمكين إلا لما خضعوا لرب العالمين، وهيهات أن يحل أمن ورخاء وسلام إلا باتباع نهج الأنبياء والمرسلين. إذا تحقق ذلك أيها المسلمون، وتذكرت الأمة هذه الحقائق الناصعة وعملت على تحقيقها في واقع حياتها كانت هي السلاح الفاعل الذي تقاتل به والدرع الحصين الذي تتقي به في وجه الهجمات الكاسحة والصراع العالمي العنيف، فالقوة لله جميعا، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.[5] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftn5)
وفي هذا الكتاب دروس وعبر كثيرة التقطتها من هنا وهناك ، من أجل النظر فيها ، والانتفاع بمضمونها ، فما أحوجنا لها في هذه الأيام العصيبة التي تمر بالأمة الإسلامية في كل مكان ، فعَنْ ثَوْبَانَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ ، كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا. فَقَالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ. فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا الْوَهَنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا ، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ. سنن أبى داود(4299) وهو صحيح
وقد بينت مصادرها في بدايتها أو نهايتها ، وهي كثيرة بحمد الله تعالى .
وقد تركتها في الغالب –كما هي- وقمت بفهرستها على الورد ، ووضعها في الشاملة 3 ، ليعم النفع بها .
هذا وقد كنت كتبت كتابا كبيرا حول أحكام الهجرة وهو (المفصل في أحكام الهجرة) وهو في مكتبة صيد الفوائد، وفي مشكاة ، تحدثت فيه بالتفصيل عن الأحكام الشرعية المتعلقة بالهجرة .
أسأل الله تعالى أن ينفع به جامعه وقارئه وناشره والدال عليه في الدارين .
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنَّة
علي بن نايف الشحود
في 27 شعبان 1429 هـ الموافق ل 29/8/2008 م
_________________
أسباب الهجرة النبوية الشريفة
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأحبة في الله : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
لا شك أن حدثا مثل الهجرة النبوية حين تكون تاريخا للأمة لا شك أنها حدث عظيم في تاريخها ونقطة تحول في حياتها .. فالهجرة فرقت بين الحق والباطل ، وميزت بين الخير والشر ..
حولت ضعف المسلمين إلى قوة ، وذلهم إلى عزة ، وعجزهم إلى قدرة .
وكما يقولون : إن لكل شيء سببا ، فللهجرة النبوية أيضا أسباب ، وهما سببان :
1) شدة الأذى والاضطهاد الذي كان يتعرض له النبي r هو وأصحابه من كفار قريش .
2) قبول أهل المدينة الإسلام ودخولهم فيه .
السبب الأول : شدة الإيذاء والاضطهاد من كفار قريش لرسول الله r ..
حقيقة : لقد أوذي النبي r إيذاء شديدا لم يتعرض له نبي من الأنبياء السابقين ..
من أنواع الإيذاء : كان المشركون يسخرون منه ويحتقرونه ، ويستهزؤون به ويكذبونه ، فكانوا ينادونه بالمجنون كما قال الله تعالى عنهم : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون.
كانوا يقولون عنه انه ساحر كذاب ، كما قال تعالى : وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب .
كانوا يستقبلونه بنظرات استحقار ، كما قال سبحانه : {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} (51) سورة القلم .
كانوا يشوهون تعاليمه الشريفة ويثيرون حولها الشبهات ، وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا .
وقالوا عن القران الكريم : إن هذا إلا إفك افتراه … وكانوا يقولون أيضا : إنما يعلمه بشر .
وقالوا عن الرسول r : مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق .
من أنواع الإيذاء ابيضا : إنهم عرضوا على النبي r ان يتنازل عن بعض تعاليمه ويتركون هم بعض ما عليه مثل المفاوضات فنزل قوله تعالى : ودوا لو تدهن فيدهنون .
وأيضا عرضوا على النبي r أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدون الله تعالى سنة فنول قوله سبحانه : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون .
من أنواع الإيذاء أن أبا لهب وهو عم النبي r أمر ولديه عتبة وعتيبة أن يطلقا ابنتي النبي r رقية وأم كلثوم لما جاء بالدعوة وكان قد كتب كتابهما فقط .
وأيضا : لما توفي عبد الله وهو الابن الثاني للنبي r استبشر أبو لهب وقال لقومه : ابشروا فان محمدا قد صار ابترا يعني ليس له ولد يحمل ذكره من بعده . فنزل قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر .
وكانت زوجة أبي لهب وهي أخت أبي سفيان كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي r وعلى بابه ، ولذلك وصفها القران الكريم بأنها حمالة الحطب .
من أنواع الإيذاء أيضا : إنهم وضعوا رحم الشاة وهو يصلي كما وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره الشريف وهو ساجد r حتى جاءت فاطمة فطرحته عن ظهره .
وكان أمية بن خلف إذا رأى الرسول r همزه ولمزه ، ونزل فيه قوله تعالى : ويل لكل همزة لمزة .
وكذلك الأخنس بن شريق كان ممن ينال من النبي r ، فوصفه الله تعالى في القران بتسع صفات : ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم .
أما أبو جهل رأس الكفر والشرك فقد كان ينهى النبي r عن الصلاة فنزل فيه قوله تعالى : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى …
وفي يوم أراد أن يطأ رسول الله r بقدمه ويعفر وجهه في التراب لكن الله تعالى حال بينه وبين ما يريد .
ومرة أخرى حمل أبو جهل لعنه الله حجرا كبيرا ليضرب به النبي r وهو ساجد لكن الله تعالى منعه من ذلك .
من أنواع الإيذاء انه في يوم اجتمع عليه عشرة رجال وأحاطوا به فهذا يجذبه والأخر يدفعه والثالث يضربه حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه فدفعهم عن رسول الله r
كما أنهم غيروا اسمه الشريف r من محمد إلى مذمم .
من أشد أنواع الإيذاء التي تعرض لها النبي r : الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات حتى أكلوا أوراق الشجر فصارت مخرجاتهم وفضلاتهم مثل الدواب حتى أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وجد في ليلة جلدة شاة فأخذها فوضعها على النار حتى تفحمت ثم أكلها وظل عليها ثلاث ليال لا يأكل شيئا .
من أنواع الإيذاء أنهم حاولوا قتل النبي r عدة مرات ، ففي يوم الخميس 26 صفر سنة 14 من البعثة اجتمع سبعة من كبار كفار قريش في دار الندوة وجاءهم الشيطان في صورة شيخ يريد نصحهم ودار نقاش طويل فقال احدهم : نحرجه من بيننا وننفيه من بلادنا .
فقال الشيطان : لا والله ما هذا لكم برأي الم تروا حسن حديثه وحلاوة كلامه والله لو فعلتم ذلك فسينزل على حي من العرب فيتبعوه فيسير بهم إليكم فيقاتلوكم .
فقال أبو البختري : احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه الباب حتى يموت . فقال الشيطان : لا والله ، لئن حبستموه ليخرجن من وراء الباب .
فقال أبو جهل : أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابا جلدا قويا فنعطي كل فتى منهم سيفا صارما فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على حربكم فيرضوا منا بالدية . هذا عن السبب الأول ويعتبر هو السبب الرئيسي من أسباب الهجرة .
السبب الثاني : قبول أهل المدينة الإسلام ودخولهم فيه :
كان من عادة النبي r وحكمته أن يعرض الإسلام على القبائل بالليل ، وفي موسم الحج سنة 11 من البعثة خرج النبي r مع أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب إلى منى فسمع أصوات رجال يتكلمون وكانوا ستة نفر من شباب المدينة وكانت تسمى يثرب .
فعرض النبي r الإسلام عليهم فاسلموا ، وحملوا الإسلام إلى أهل المدينة حتى لم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه ذكر لرسول الله r .
في موسم الحج سنة 12 جاء 12 رجلا وبايعوا النبي r بيعة العقبة الأولى . وأرسل النبي r مصعب بن عمير معهم غالى المدينة .
في موسم الحج سنة 13 من البعثة جاء 73 رجلا وامرأتان وبايعوا النبي r بيعة العقبة الثانية . وبذلك أصبح للإسلام قواعد وأرضية صلبة يستند عليها في المدينة .
ونواصل الحديث في اللقاء القادم إن شاء الله عن أهم الدروس المستفادة من قصة الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام .. والله ولي التوفيق .
ــــــــــــ
أهمية المخابرات . . في صفوف العدو
إن بث العيون والمخابرات في صفوف أعداء المسلمين ، وخصوم الحركة الإسلامية : أمر تحتمه الظروف وطبيعة العلاقة الأبدية بين أنصار الحق من جهة وأنصار الباطل من جهة أخرى ، فضلا عن أنها معاملة بالمثل : حيث إن هؤلاء الأعداء الخصوم ، لا يسكتون عن محاولات بث عيونهم بين المسلمين ، واختراق صفوفهم ؛ لضربهم . . كسرا لشوكتهم ، ومنعا أو إعاقة لهم عن بلوغ أهدافهم ، وتحقيق غاياتهم
فلا أقل من أن يكون المسلمون بعامة ، وأبناء الحركة بخاصة : على مستوى حماية هذه الدعوة ، وشرف تبليغها ، ورفع رايتها ، وإعلاء شأن أتباعها ، بكل الوسائل المشروعة الممكنة .
ومن هذه الوسائل : بث عيونهم ومخابراتهم في صفوف أعدائهم ، وخصومهم .
حيث إنه : لابد من التعرف مباشرة على كل أسرار العدو ومخططاته وتوقعاته ، بحيث تصل إلى القيادة أولا بأول ، فتكون المتابعة ، قائمة على خبرة بالواقع ، لا على الظن التخمين ، الذي قد يخطئ ويصيب . " 59 "
وهذا ما فعله النبي r في هجرته من مكة إلى المدينة .
ففي البخاري : " . . . ثم لحق الرسول r ، وأبو بكر ، بغار في جبل ثور ، فمكثا فيه ثلاث ليال ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ، وهو : غلام ، شاب ، ثقف ، لقن ، فيدلج من عندهما بسحر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمرا يكتادان به ، إلا وعاه ، حتى يأتيهما بخبر ذلك ، حين يختلط الظلام . . " الحديث " 53 "
وما كان أغنى من رسول الله r عن هذا الأمر ، وهو الذي يوحي إليه ، ويكشف له ربه سبحانه عن خططهم ومخططاتهم . . ! !
ولكنه : التدريب لهذه الجماعة المؤمنة الوليدة ، التي تحيط بها سهام الأعداء من كل جانب . . ! !
ولكنه : التعليم لهذه الأمة المؤمنة ، التي سوف يتربص بها الأعداء ، وتحيط بها سهامهم ، في كل عصر ، وفي كل مصر .
ولكنه : التنبيه لأبناء الحركة الإسلامية على هذا الأمر الذي ينبغي عليها أن تعيه جيدا ، وأن لا تهمله أو تقصر فيه أبدا ، إن كانت جادة ، في أداء الأمانة ، ورفع الراية .
ولكنه : التكليف لقادة الحركة الإسلامية بدراسة هذا الأمر ، وإعطائه بالغ اهتمامها ؛ إذ كلما كانت القيادة أعلم بواقع العدو ، وأدرى بأسراره ، ولها في صفوفه من ينقل إليها كل تخطيطاته : كلما كان ذلك أنجح لها في تنفيذ خططها ومخططاتها وأنجع لها في توقى سهامه وإبطال ضرباته .
وهذا أمر : يجب عدم إغفاله أو التهاون فيه ، في السراء والضراء ، في الصفاء والكدر ، في عظيم الأمور وصغيرها ، فقد تنقلب السراء _ غدا أو فجأة _ إلى ضدها ، وقد يتحول الصفاء _ غدا أو فجأة _ إلى عكسه ، وقد يكون صغير الأمور مقدمة إلى عظائمها ، والقائد _ بل المؤمن _ العاقل من لا يستهين بأي شئ لصالح دعوته .
وينبغي لمن يكلف بمثل هذه الأمور : أن يمتلك من الصفات ما يعينه على النجاح في مهمته ، وأن يؤديها تعبدا لله تعالى ، ومرضاة له سبحانه ، لا انتظارا لمغنم ، ولا طمعا في مكسب ، ولا ثأرا لشيء أصابه ،
وفي حديث البخاري : ما يوضح بعض هذه الصفات المطلوبة لهذه المهمة ، ثم يضاف إليها ما قد تدعو إليه الضرورة وتقتضيه الظروف الخاصة ، بشرط : أن لا يرتكب المكلف بهذه المهمة مخالفة شرعية ، كأن يطلع على عورات ، أو يقترف محرمات ، أو يهمل في أداء الواجبات .
ومن المهم جدا : أن لا يؤدي أحد هذه المهمة دون اختيار له وتكليف من القيادة ، وإلا صار الأمر فضولا وفوضى ، وقد يحدث لأبناء الدعوة ما لا تحمد عقباه .
ولا مانع _ بل إنه لمن اللازم _ أن تكون هناك ، لدى المسلمين ، وأبناء الحركة على وجه الخصوص ، دراسات جادة في هذا الموضوع وأمثاله ، توضح : أهميته ، وأساليب ممارسته . و . . الخ على أن تعد هذه الدراسات من قبل متخصصين فيها ، عالمين بها ، وليس هذا بالمستحيل ، حيث إن هذه الدراسات تقوم بها كل الدول ، ولها مدارس كثيرة .
كما أنه لا مانع _ بل إنه من اللازم _ أن تكون هناك دورات دراسية وتدريبية لمن يختارون للقيام بهذه المهام ، وتتوافر فيهم مؤهلات النجاح فيها .
كما أنه لا مانع _ بل إنه من اللازم _ أن يقيم هؤلاء الأفراد ، وقد يوظفون ، أو . . أو . . الخ لدى هؤلاء الأعداء أو الخصوم ، لتقريبهم من مصادر المعلومات ، وأماكن صنع القرارات ، والتيسير عليهم في أداء مهمتهم .
كل ذلك : بشرط أن لا ينحرف المسلمون عامة وأبناء الحركة خاصة ، فيما تستتبعه هذه الأعمال من مخالفات شرعية ، أو ممارسات لا أخلاقية ، أو أية أمور غير ذلك ، مما هو معروف أو غير معروف ، فيما يسمى بعالم " الجاسوسية "
هذا . .
وإن هذا الدرس لا تقتصر فائدته على الأمة أو الجماعات فقط ، بل إنه لمن الممكن أن يستفيد به الفرد _ على شرط المحافظة على ضوابطه الشرعية _ مع أية خصوم له ؛ رغبة فقط في الوقاية من شرهم ، والنجاة من أضرارهم ، وليس توصلا لإيذائهم ، أو النيل منهم .
أهمية دور المرأة المسلمة
المرأة : نصف المجتمع ( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ) "90 " ، ويقول سبحانه كذلك ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ) "91 "
وهي هدية الله تعالى _ قدمها على غيرها _ لمن يشاء ( لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ) "92 "
وهي : باب من أبواب الجنة إذا أحسن إليها ، وبولغ في إكرامها ، " من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو ابنتان أو أختان فأحسن صحبتهن ، واتقى الله فيهن : فله الجنة " "93 "
بل إن الجنة نفسها : تحت قدميها ، يقول r " الجنة تحت أقدام الأمهات " "94 "
وهي : صانعة الأجيال ، ومربية الأبطال ،
الأم مدرسة إذا أعددتها . . . أعددت شعبا طيب الأعراق
ولذلك . . ! !
ففي طهارتها : طهارة المجتمع ونظافته .
وفي الإحسان إليها : سعادة المجتمع وبهجته .
وفي تعليمها : وعي المجتمع ورقيه .
وفي حسن تربيتها : نجاح المجتمع وفلاحه .
ومن هنا . . يجب الاهتمام بها ، وعدم الإهمال لها ، أو التقليل من شأنها ، أو الإغفال لدورها ، أو الإهدار لجهودها .
وإذا كان ذلك بصفة عامة : فهو بالنسبة لها في مجال الدعوة إلى الله تعالى ، ونشر هذا الدين ، ونصرته ، بصفة خاصة ؛ أكد وأولى وأوجب .
نستفيد ذلك من الهجرة على النحو التالي :
أ _ فهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على كتمان السر ، والفوز بتزكية أبي بكر لها أمام رسول الله r في معرفة أمر خطير ، حجب عن كثير من الرجال ، حينما طلب النبي r من أبي بكر إخراجهما .
ب _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على التمويه عن جدها ، حينما وضعت حجارة في حائط بالبيت وغطتها ، وأوهمته أنها أموالا تركها لهم أبوهم ، أبو بكر ، قبل هجرته ، وذلك حتى يطمئن جدها عليهم في حال غياب أبي بكر عنهم ، وهي تقول _ في نفسها _ والله ما ترك لنا شيئا ، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك . "95 "
ج _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على الصمود في مواجهة بطش " فرعون " عصرهم ، أبي جهل حينما جاء ليعرف منها مكان المهاجرين ، فأنكرت معرفتها ، وتأبت على جبروته ، ولم تخش ظلمه وطغيانه ؛ مما أغضبه ، ودفعه لأن يلطمها على وجهها الشريف ، وخلف من بعده خلف اتبعوه ، واقتدوا به في تعذيب النساء المسلمات الصالحات القانتات الصامدات .
د _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على التضحية وتحمل المشاق ، حينما ذهبت للنبي r وأبيها بالغار مع بعد الطريق ، ومشقة المشوار ، وخطورة الحركة إلى هذا المكان ، حاملة لهما سفرتهما ، خلال رحلتهما ، دون خوف ، من اكتشاف لأمرها ، أو اعتقال تتعرض له ، أو تعذيب ينالها ، وهي تدرك جيدا أن بعض ذلك _ بل كله _ محتمل جدا .
ه _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على حسن التصرف ، وسرعة البديهة ، حينما لم تجد ما تعلق به السفرة في الراحلة ، إذ شقت نطاقها ، وربطت السفرة بنصف ، وانتطقت بالأخر ، ولذا سميت بذات النطاقين .
و _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على الحركة والسفر الشاق المضني من المدينة إلى مكة لملاقاة الرسول r ، في بيعة العقبة .
كما حدثت من السيدتين العظيمتين " أم عمارة " ، " أم منيع "
ز _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على الحركة السرية ، والتخفي التام ، والتسلل كالقطا من رحال القوم في جنح الليل مع رجال من قومها للقاء الحبيب r ، ومبايعته في بيعة العقبة ، بمنى .
ومما ينبغي ملاحظته جيدا : أن السيدة أسماء بنت أبي بكر ، لم تكن هي المرأة الوحيدة في المسلمات _ آنئذ _ هي المهيأة لذلك ، أو المستعدة ، أو المضحية ، لهذا العمل ، بل كان هناك الكثير والكثير ، ولكن لظروف السرية التي أحاطت بالهجرة ، لم يكتب هذا الشرف _ بل لم يجلب هذا الشرف _ لواحدة من بنات حواء إلا لهذه السيدة العظيمة ، التي رفعت قدر المرأة ومكانتها عاليا .
وهي نفس الملحوظة بالنسبة لهاتين السيدتين ، أم عمارة ، وأم منيع .
ولذلك ، ومن هذا الدرس : علينا أن نعيد النظر في علاقة المرأة بالدعوة الإسلامية ، وموقفها منها ، ودورها فيها ، بشرط : وضوح الفرق بين واجباتها وواجبات الرجال ، وبين ما يناط بها وما يناط بالرجال ، وما يطلب منها وما يطلب من الرجال ، وما تختص هي به ، وما لا يقوم به إلا الرجال ، على ضوء ما يمليه التشريع الإسلامي في هذا الخصوص ، وما يتطلبه واقع الدعوة الإسلامية _ تحت هذا الإطار ، وهذا الحصار _ في هذا العصر .
بدلا من هذا الإغفال ، وهذا الإهمال ، الذي يؤدي بدوره إلى ضياع فرص للدعوة كثيرة ، وإلى تفويت منافع على المجتمع المسلم _ رجالا ونساء _ كبيرة .
فليست المرأة كالرجل _ كما يقول منافقوها _ سواء بسواء ، حتى تقوم بكل شئ ، وتمارس كل شئ ، وبالتالي تفشل في كل شئ ، أو على الأقل في أهم شئ ، وهو دورها الذي خلقت له .
وليست المرأة كما مهملا ، حتى تبعد عن كل شئ ، ولا تمارس _ فيما يخص الدعوة _ أي شئ ، وبالتالي نفشل نحن في الإفادة من أعز شئ ، وهو نصف المجتمع .
وعلى الحركة الإسلامية أن تسارع في فتح ملف " المرأة المسلمة " ودراسته جيدا ، في ضوء ما يكشفه الدين ، وتقدمه النماذج الإسلامية الرائدة ، وليس في غبش ما قيده الواقع مما أطلقه الدين ، أو أطلقه الواقع مما قيده الدين .
وذلك . . حتى تستفيد المرأة المسلمة ، _ ونستفيد من المرأة المسلمة _ في ظلال ديننا السمح الحنيف .
وإلا فستظل الجمعيات العالمية ، المشبوهة وغير المشبوهة تلعب بعواطف المرأة ، وتدغدغ أحاسيسها بدعوات : ظاهرها الرحمة ، وباطنها من قبله الدمار والعذاب .
*********
أهمية مبادئ الإدارة في الدعوة
بقلم: نبيل بن جعفر الفيصل
إن الدعوة إلى الله (سبحانه وتعالى) هي الأساس الذي قامت عليه هذه الأمة ونهضت به، وإذا نظرنا في تاريخ الدعوة منذ بعثته وجدنا أنها كانت تسير ضمن عملية إدارية محكمة، بلغت في تخطيطها وتنظيمها وتربيتها للسلوك الإنساني ذروتها.
وكما أن حركة الدعوة الإسلامية مطالبة بدراسة التجارب التي مرت بها عبر القرون للاستفادة منها بحكمة ـ بعد تقييمها وعرضها على الكتاب والسنة وإجماع السلف ـ فكذلك هي مطالبة أيضاً بالاستفادة بكل مايعينها لتحقيق هدفها.
ونستعرض هنا بإيجاز العملية الإدارية من منظورها النظري، وكيفية ملاءمة هذه العملية بوصفها أداة تعين في النهوض بالدعوة. ومع العلم ، فإن نجاح تطبيق وظائف الإدارة المختلفة في مجالات الدعوة مرهون بتصور واستيعاب القارئ لتطبيق هذه الوظائف في حياته الدعوية: فمثلاً عندما نتحدث عن إدارة الوقت من الناحية النظرية ، فإنا نقوم خلالها بتحديد الأعمال المطلوبة وترتيبها في قائمة حسب الأولوية والأهمية ، وتحديد وقت لكل مهمة ومراجعة وتحديث القائمة باستمرار ، ثم تقييم ماتم إنجازه حسب الوقت المخصص لكل مهمة ودقة الإنجاز وعمل التعديل اللازم.. إلى غير ذلك من التوجيهات الخاصة بإدارة وتنظيم الوقت.
وإذا تصورنا هذه التوجيهات من الناحية العملية ، نجد أننا فعلاً نقوم بمثل هذا التخطيط للوقت بصورة غير مباشرة ، فتجد أنك تلقائياً وقبل شروعك في إنجاز مهمة ما تفكر ذهنياً وبسرعة متى يجب عليك الانطلاق ، وكيف؟ ومع من؟ وأي طريق ستسلك؟ ، وأثناء الطريق ستفكر ماذا ستفعل عند وصولك وإلى أين ستذهب بعد ذلك.. إلخ.
هذا ما نقصده بالتصور التطبيقي للعملية الإدارية: أي أن ننقلها من الوضع النظري إلى الواقع العملي.
ماهي العملية الإدارية؟
إن الإدارة بحد ذاتها هي: عملية دمج وتنسيق الموارد المادية (كالمعدات والأدوات) ، والبشرية (الأفراد) في منشأة من خلال التخطيط لها وتنظيمها وتوجيهها ومراقبة إنتاجها؛ لتحقق بالتالي أهداف المنشأة.
كل جهاز دعوي على اختلاف مستوياته لابد له من الاستفادة من علم التخطيط والتنظيم والتوجيه والمراقبة ، أو ما يسمى بالوظائف ، وبالتالي شرح هذه الوظائف وكيفية الاستفادة منه ، خاصة إذا استحضر الإداري المسلم في قلبه وكيانه أنه في إدارته مدفوع بذاتية ربانية ونبوية المنهج ، تقوده للتفكير السليم القويم كسمة يتميز بها عن غيره.
أولاً: التخطيط:
هو »ضرورة لكل المنشآت ؛ لأنها تعمل في ظروف متغيرة ، ومن ثم فإن محاولة التخفيف من مفاجآت هذه الظروف هو الدافع وراء عملية التخطيط ، كما أنه عملية مستمرة تدعو لاختيار بديل من عدة بدائل لتطبيقه في المستقبل« (1) ونحدد من خلاله مانريد أن نعمله ، وما الذي يجب عمله ، وأين؟ وكيف؟ ومتى؟ وعن طريق مَنْ؟
والتخطيط للدعوة يبدأ من المنطلق الاستراتيجي (الإحكامي) البعيد المدى عن طريق القياديين ومفكري الأمة: مثل ماحصل في خطة صلح الحديبية ذات النظرة البعيدة الذي يعده بعض المؤرخين بداية الفتح الإسلامي الفعلي ، »ثم على الخطة أن تتسم بالواقعية والمرونة والشمولية وكذلك تناسق الخطط فيما بينها لضمان استمراريتها«(2).
ثانياً: التنظيم:
يأتي دور التنظيم لضمان تنفيذ الخطط بالشكل المطلوب ، أو بمعنى آخر تنظيم التنفيذ دون الارتباك في توزيع العمل ، والتنظيم مهم لتحديد مهام وواجبات كل الأفراد ـ أعضاء المنشأة ـ وكذلك تحديد وبيان علاقة كل فرد وأين موقعه من الجماعة ، وتوزيع السلطات والصلاحيات لمستويات الأفراد المختلفة ؛ كل ذلك من أجل إيجاد تنسيق بشري يساهم فيه كل فرد لإنجاح مسيرة العمل الإسلامي ، ولنا من الهجرة النبوية إلى المدينة درس يمثل غاية التنظيم والتنسيق لإحكام خطة الهجرة ، وتوزيع العمل والمسؤوليات على الأفراد حسب تخصصهم دون فوضى ، وعمل الاحتياطات اللازمة لكل حادث قد يصادف تلك الرحلة. وبالإخلاص وتظافر الجهود تتحقق الأهداف المنشودة بإذن الله.
ومن السابق يمكن تعريف التنظيم بأنه: عملية بناء العلاقات بين أجزاء العمل ، ومواقع العمل ، والأفراد من خلال سلطة فعالة بهدف تحقيق الالتحام والترابط وأداء العمل بطريقة جماعية منظمة وفعالة (3).
ثالثاً: التوجيه والقيادة:
إن للتوجيه الإداري ارتباطاً وثيقاً بمهارات القياديين؛ لذا هو: »فن وقدرة المدير على السير الصحيح بمن تحت إمرته وهدايتهم وتوجيهم مع إشاعة روح الود والحب والرضا والتفاني والانتماء في العمل حتى يتحقق الهدف المطلوب« (4).
ولنجاح عملية التوجيه ينبغي مراعاة الاتصال الفعال الذي يربط قنوات النظام الداخلي والخارجي مع وضوح أهداف النظام الكلية والأهداف المطلوب تحقيقها من كل فرد يعمل لهذا النظام على اختلاف مستواه.
أضف إلى ذلك رفع الروح المعنوية للأفراد العاملين في مجال الدعوة من تقديم التشجيع والثناء والمزيد من الحرية والتصرف ، ناهيك عن الدافع الديني الذاتي لدى كل من يفهم معنى الدعوة وحجم الاستثمار فيها ، ولايفوتنا الإشارة للتوجيه الرباني لكل من القائد وأتباعه ((مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح: 29].
رابعاً: الرقابة:
والرقابة بمفهومها العام تعني التأكد من أن المبادئ الآنفة الذكر ـ التخطيط ، التنظيم، التوجيه ـ تسير في الاتجاه الصحيح نحو الأهداف المرسومة ، ويكون ذلك بقياس الأداء ومقارنة النتائج بالأهداف ضمن معايير موضوعة سلفاً لتصحيح وتعديل أي انحراف في الأداء ضماناً لفاعلية وكفاءة التنفيذ.
ولعل أبرز ما يتسم به الإداري المسلم الرقابة الذاتية على نفسه ، فهي تشمل كافة شئون الحياة الفردية والجماعية ، حيث يعلم أنه خلق لعبادة الله وحده ، وبالتالي فإن جميع أفعاله ـ إدارية أو دعوية ـ مقياس لمدى طاعته لأوامر الله ، ثم محاسبة نفسه قبل أن يحاسبه خالقه ، يقول تعالى: ((إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) [النساء: 1].
والمسلم كذلك مطالب برقابة أخيه المسلم بالتناصح والتوجيه يقول (تعالى) ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ)) [التوبة: 71].
وإن كان ترتيب الرقابة في النظرية الإدارية في النهاية ، إلا أني أعتقد أن عنصر الرقابة هو العنصر الأول والملازم للعملية من بداية التخطيط وأثناء التنظيم والتوجيه وانتهاء بالتأكد من تحقيق الهدف المطلوب.. وبذلك يعي الإداري المسلم مدى نجاح دعوته المستمدة من الكتاب والسنة بتوفيق الله كسمة يجب أن يتميز فيها عن غيره.
-------------
الهوامش:
(1) الإدارة دراسة تحليلة للوظائف والقرارات الإدارية د. مدني عبد القادر علاقي، مطبوعات تهامة ، جدة ، الطبعة الرابعة ، 1410هـ ص 85.
(2) الخطة والتخطيط ، لماذا وكيف، نبيل بن جعفر الفيصل، مطابع التسهيلات، الخبر، 1413هـ ص 17: 20.
(3) مرجع سابق ، رقم (1) ص 156.
(4) الإدارة في الإسلام،الفكر والتطبيق، د.عبدالرحمن إبراهيم الضحيان، دار الشروق، جدة، الطبعة الأولى، 1407هـ ص 166.
مجلة البيان / عدد96
************
إذن رسول الله r لأصحابه بالهجرة إلى المدينة
قال ابن سعد فى طبقاته يروى عن عائشة رضى الله عنها : لما صدر السبعون من عند رسول الله r طابت نفسه ’ فقد جعل الله له منعة وقوماً وأهل حرب وعدة ونجدة ’ وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج ’ فضيقوا على أصحابه وتعبثوا بهم ’ ونالوا ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى ’ فشكا ذلك أصحاب رسول الله r واستأذنوه فى الهجرة ’ فقال : ( قد أخبرت بدار هجرتكم وهى يثرب ’ فمن أراد الخروج فليخرج إليها ) فجعل القوم يتجهزون ويتوافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك ’ فكان أول من قدم المدينة من أصحابه r أبو سلمة بن عبد الأسد ثم قدم بعده عامر ابن ربيعة ومعه امرأته بنت أبى حشمة ’ فهى أول ظعينة قدمت المدينة ثم قدم أصحاب رسول الله r أرسالاً فنزلوا على الأنصار فى دورهم ’ فآووهم ونصروهم وآسوهم .
ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول الله r إلا متخفياً غير عمر ابن الخطاب رضى الله عنه ’ فقد روى علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه أنه لمّا همّ بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه ’ وانتضى فى يده أسهماً ’ واختصر عنزته ( عصاه ) ومضى قبل الكعبة ’ والملأ من قر يش بفنائها فطاف فى البيت سبعاً متمكناً مطمئناً ’ ثم أتى المقام فصلى ’ ثم وقف فقال :( شاهت الوجوه ’ لا يرغم الله إلا هذه المعاطس ’ من أراد أن يثكل أمه ’ أو ييتم ولده ’ أو ترمل زوجته فليلقنى وراء هذا الوادى)
قال علىّ فما أتبعه إلا قوم مستضعفون علّمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه .
وهكذا تتابع المسلمون في الهجرة إلى المدينة حتى لم يبق بمكة منهم إلا رسول الله r وأبو بكر وعلىّ ’ أو معذب محبوس ’ أو مريض ’ أو ضعيف عن الخروج .
العبر و العظات :
كانت فتنة المسلمين من أصحاب النبى r فى مكة ’ فتنة الإيذاء و التعذيب وما يرونه من المشركين من ألوان الهزأ و السخرية ’ فلما أذن لهم الرسول r بالهجرة ’ أصبحت فتنتهم فى ترك وطنهم وأموالهم ودورهم وأمتعتهم ’ ولقد كانوا أوفياء لدينهم مخلصين لربهم ’ أمام الفتنة الأولى و الثانية ’ قابلوا المحن والشدائد بصبر ثابت وعزم عنيد .
حتى إذا أشار عليهم رسول الله بالهجرة إلى المدينة ’ توجهوا إليها وقد تركوا من ورائهم الوطن وما لهم فيه من مال ومتاع ونشب ’ ذلك أنهم خرجوا مستخفين متسللين ’ ولا يتم ذلك إلا إذا تخلصوا من الأمتعة و الأثقال ’ فتركوا كل ذلك فى مكة ليسلم لهم الدين ’ واستعاضوا عنها بالأخوة الذين ينتظرونهم فى المدينة ليؤووهم وينصرونهم .
وهذا هو المثل الصحيح للمسلم الذى أخلص الدين لله : لا يبالى بالوطن ولا بالمال و النشب فى سبيل أن يسلم له دينه . هذا عن أصحاب رسول الله فى مكة .
أما أهل المدينة الذين آووهم فى بيوتهم وواسوهم ونصروهم ’ فقد قدموا المثل الصادق للأخوة الإسلامية و المحبة فى الله تعالى .
وأنت خبير أن الله عز وجل قد جعل أخوة الدين أقوى من أخوة النسب وحدها ’ ولذلك كان الميراث فى صدر الإسلام على أساس وشيجة الدين ’ وأخوته والهجرة فى سبيله ’ ولم يستقر حكم الميراث على أساس علاقة القرابة إلا بعد تكامل الإسلام فى المدينة وصارت للمسلمين دار إسلام قوية منيعة .
يقول الله عز وجل : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (72) سورة الأنفال. ثم إنه يستنبط من مشروعية هذه الهجرة حكمان شرعيان :
1- وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ’ وروى ابن العربى ( أن هذه الهجرة كانت فرضاً فى أيام النبى r ’ وهى باقية مفروضة إلى يوم القيامة . والتى انقطعت بالفتح ’ إنما هي القصد إلى النبى r ’ فإن بقى فى دار الحرب عصى ) ومثل دار الحرب فى ذلك كل مكان لا يتسنى للمسلم فيه إقامة الشعائر الإسلامية من صلاة وصيام وجماعة وأذان ’ وغير ذلك من أحكامه الظاهرة .
وما يستدل على ذلك قوله تعالى :( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا ؟ فيم كنتم ؟ قالوا : كنا مستضعفين فى الأرض ’ قالوا الم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ’ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ’ إلا المستضعفين من الرجال و النساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) .
2- وجوب نصرة المسلمين لبعضهم مهما اختلفت ديارهم وبلادهم ما دام ذلك ممكناً ’ فقد اتفق العلماء و الأئمة على أن المسلمين إذا قدروا على استنقاذ المستضعفين أو المأسورين أو المظلومين من إخوانهم المسلمين ’ فى أي جهة من جهات الأرض ’ ثم لم يفعلوا ذلك فقد باءوا بإثم كبير .
يقول أبو بكر العربى : إذا كان فى المسلمين أسراء أو مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة و النصرة لهم واجبة بالبدن ’ بأن لا تبقى منا عين تطرف ’ حتى نخرج الى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ’ أو نبذل جميع أموالنا فى استخراجهم ’ حتى لا يبق لا لأحد درهم من ذلك .
وكما تجب موالاة المسلمين ونصرتهم لبعضهم ’ فإنه يجب أن تكون هذه الموالاة فيما بينهم ’ ولا يجوز أن يشيع شىء من الولاية و التناصر أو التآخى بين المسلمين وغيرهم ’ وهذا ما يصرح به كلام الله عز وجل ’ إذ يقول :( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض و فساد كبير).
يقول ابن العربى قطع الله الولاية بين الكفار و المؤمنين ’ فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض ’ وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض ’ يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم .
ولا ريب أن تطبيق مثل هذه التعاليم الإلهية ’ هى أساس نصرة المسلمين فى كل عصر وزمن ’ كما أن إهمالهم لها وانصرافهم إلى ما يخالفها هو أساس ما نراه اليوم من ضعفهم وتفككهم وتألب أعدائهم عليهم من وكل جهة وصوب .
هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم
جاء فى صحاح السنة وما رواه علماء السيرة أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه لما وجد المسلمين قد تتابعوا مهاجرين الى المدينة ’ جاء يستأذن رسول الله r هو الآخر فى الهجرة ’ فقال له رسول الله r :( على رسلك ’ فإني أرجو أن يؤذن لى ) فقال أبو بكر :( وهل ترجو ذلك بأبى أنت وأمى ؟ ) قال :(نعم ) فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله r ليصحبه ’ وعلف راحلتين كانتا عنده ’ وأخذ يتعهدهما بالرعاية أربعة أشهر .
وفى هذه الأثناء رأت قريش أن رسول الله r صارت له شيعة وأصحاب غيرهم بغير بلدهم ’ فحذروا خروج رسول الله r إليهم وخافوا أن يكون قد أجمع لحربهم .
فاجتمعوا له فى دار الندوة ( وهى دار قصى ابن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمراً إلا فيها ) يتشاورون فيما يصنعون بأمر رسول الله r ’ فاجتمع رأيهم أخيراً على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شاباً جلداً ’ ثم يعطى كل منهم سيفاً صارما ’ ثم يعمدوا اليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ’ كى لا تقدر بنو عبد مناف على حربهم جميعاً ’ وضربوا لذلك ميعاد يوم معلوم فأتى جبريل عليه السلام رسول الله r يأمره بالهجرة ’ وينهاه أن ينام فى مضجعه تلك الليلة .
قالت عائشة رضى الله عنها فيما يروى البخارى : فبينما نحن يوماً جلوس فى بيت أبى بكر فى حر الظهيرة ’ قال قائل لأبى بكر :( هذا رسول الله r متقنعاً ’ فى ساعة لم يكن يأتينا فيها ) فقال أبو بكر :( فداً أبى وأمى ’ والله ما جاء فى هذه الساعة إلا لأمر ) قالت : فجاء رسول الله r ’ فاستأذن ’ فأذن له ’ فدخل ’ فقال النبي r لأبى بكر : ( أخرج من عندك ) فقال أبة بكر :( إنما هم أهلك بأبى أنت يا رسول الله ) ’ قال رسول الله r :( فإنى قد أذن لى فى الخروج ) فقال أبو بكر : ( الصحبة يارسول الله ) ’ قال رسول الله r :( نعم ) فقال أبو بكر :( فخذ بأبى أنت يا رسول الله إحدى راحلتى ) ’ قال رسول الله r : ( بالثمن ) .
قالت عائشة : فجهزناهما أحث جهاز ’ وصنعنا لهما سفرة فى جراب ’ فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب ’ فبذلك سميت ذات النطاق .
وانطلق رسول الله r إلى علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه فأمره أن يتخلف بعده بمكة ريثما يؤدى عن رسول الله r الودائع التى كانت عنده للناس ’ إذ لم يكن أحد من أهل مكة له شىء يخشى عليه إلا استودعه عند رسول الله r لما يعلمون من صدقه وأمانته . وأمر أبو بكر غبنه عبد الله أن يتسمّع لهما ما يقوله الناس عنهما فى بياض النهار ’ ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون معه من أخبار . وأمر عامر ابن فهيرة ( مولاه) أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى إلى الغار ( غار ثور ) ليطعما من ألبانها ’وأمر أسماء بنته أن تأتيهما من الطعام بما يصلحهما فى كل مساء .
وروى ابن إسحاق والإمام أحمد ’ كلاهما عن يحى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير ’ عن أسماء بنت أبى بكر قالت : لما خرج رسول الله r وخرج معه أبو بكر ’ إحتمل أبو بكر ماله كله معه : خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم ’ قالت وانطلق بها معه ’ قالت : فدخل علينا جدى أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال : والله إنى لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ’ قالت : قلت :كلا يا أبت ’ إنه قد ترك لنا خيراً كيثراً ’ قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها فى كوة فى البيت الذى كان أبى يضع ماله فيها ’ ثم وضعت عليها ثوباً ’ ثم أخذت بيده ’ فقلت يا أبت ضع يدك على هذا المال ’ فقالت: فوضع يده عليه ’ قال : لابأس ’ إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن ’ وفى هذا بلاغ لكم . ولا والله ما ترك لنا شيئاً ولكنى أردت أن أسكت الشيخ بذلك .
ولما كانت عتمة تلك الليلة التى هاجر فيها النبى r أجتمع المشركون على باب رسول اله r يتربصون به ليقتلوه ’ ولكنه عليه الصلاة و السلام خرج من بينهم وقد ألقى الله عليهم سنة من النوم بعد أن ترك عليّاً رضى الله عنه فى مكانه نائماً على فراشه ’ وطمأنه بأنه لن يصل إليه أى مكروه
وانطلق رسول الله r وصاحبه أبو بكر إلى غار ثور ليقيما فيه ’ وكان ذلك على الراجح فى اليوم الثانى من ربيع الأول الموافق 20 أيلول سنة ( 622 م ) بعد أم مضى ثلاثة عشر سنة من البعثة ’ فدخل أبو بكر قبل رسول الله r فلمس الغار ’ لينظر أفيه سبع أو حيّة ’ يقى رسول الله صلى اله عليه وسلم بنفسه ’ فأقاما فيه ثلاثة أيام ’ وكان يبيت عندهما عبد الله ابن أبى بكر يخبرهما بأخبار مكة ’ ثم يدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها ’ وكان عامر ابن فهيرة يروح عليهما بقطيعه من الغنم ’ فإذا خرج من عندهما عبد الله تبع عامر أثره بالغنم كى لا يظهر لقدميه أثر .
أما المشركون فقد انطلقوا - بعد أن علموا بخروج رسول الله r - ينتشرون فى طريق المدينة يفتشون عنه فى كل المظان ’ حتى وصلوا إلى غار ثور ’ وسمع رسول الله r وصاحبه أقدام المشركين تخفق من حولهم فأخذ الروع أبا بكر وهمس يحدث النبى r : لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا ’ فأجابه عليه الصلاة و السلام :( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) ...
فأعمى الله أبصار المشركين حتى لم يحن لأحد منهم التفاتة الى ذلك الغار ولم يخطر ببال واحد منهم أن يتساءل عما يكون بداخله .
ولما انقطع الطلب عنهما خرج رسول الله r وأبا بكر ’ بعد أن جاءهما عبد الله ابن أرقط وهو من المشركين ’ كانا قد استأجراه ليدلهما على الطرق الخفية الى المدينة بعد أن اطمأنا إليه ’ وواعداه مع الراحلتين عند الغار ) فسارا متبعين طريق الساحل بإرشاد من عبد الله بن أرقط ’ وكان قد جعل مشركوا مكة لكل من أتى برسول الله r وأبى بكر رضى الله عنه ديّة كل منهما . وذات يوم ’ بينما كان جماعة من بنى مدلج فى مجلس لهم ’ وبينهم سراقة ابن جعشم ’ إذ اقبل إليهم رجل منهم فقال : إنى قد رأيت آنفاً أسودة بالساحل ’ أراها محمداً و أصحابه ’ فعرف سراقة أنهم هم ’ ولكنه أراد أن يثنى عزم غيره عن الطلب ’ فقال له : إنك قد رأيت فلاناً و فلانا ’ انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم . ثم لبث فى المجلس ساعة ’ وقام فركب فرسه ثم سار حتى دنا من رسول الله فعثرت به فرسه فخرّ عنها ’ ثم ركبها ثانية وسار حتى صار يسمع قراْءة النبى صلى اله عليه وسلم وهو لا يلتفت ’ وأبو بكر يكثر الالتفات ’ فساخت قائمتا فرس سراقة فى الأرض حتى بلغتا الركبتين ’ فخر عنها ثم زجرها حتى نهضت ’ فلم تكد تخرج قدميها حتى سطع لأثرهما غبار ارتفع فى السماء مثل الدخان ’ فعلم سراقة أنه ممنوع من رسول الله r ’ وداخله رعب عظيم ’ فناداهما بالأمان .فوقف رسول الله r ومن معه حتى وصل إليهم ’ فاعتذر إليه وساله أن يستغفر له ’ ثم عرض عليهما الزاد و المتاع ’ فقالا : لا حاجة لنا ’ ولكن عمّ عنا الخبر ’ فقال كفيتم .
ثم عاد سراقة أدراجه إلى مكة وهو يصرف أنظار الناس عن الرسول ومن معه بما يراه من القول
وهكذا انطلق إليهما فى الصباح جاهداً فى قتلهما ’ وعاد فى المساء يحرسهما ويصرف الناس عنهما .
قدوم قباء
ووصل رسول الله r قباء ’ فاستقبله من فيها بضعة أيام نازلاً على كلثوم ابن هدم ’ حيث أدركه فيها على رضى الله عنه بعد أن أدى عنه الودائع إلى أصحابها ’ وأسس النبى r هناك مسجد قباء ’ وهو المسجد الذى وصفه الله بقوله {000 لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (108) سورة التوبة .
ثم واصل سيره إلى المدينة فدخلها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول على ما ذكره المؤر خون فالتف حوله الأنصار ’ كل يمسك زمام راحلته يرجوه النزول عنده فكان r يقول لهم : دعوها فإنها مأمورة فلم تزل راحلته تسير فى فجاج المدينة وسككها حتى وصلت الى مربد لغلامين يتيمين من بنى النجار أمام دار أبى أيوب الأنصارى ’ فقال النبى r :( ههنا المنزل إن شاء الله ) وجاء أبو أيوب فاحتمل الرحل إلى بيته ’ وخرجت ولائد من بنى النجار - فيما يرويه ابن هشام - فرحات بمقدم رسول الله r ’ وجواره لهن ’ وهنّ ينشدنّ
نحن جوار بنى النجار يا حبذا محمد من جار
فقال عليه السلام لهنّ : ( أتحببننى ؟ ) فقلن : نعم فقال : الله يعلم أن قلبى يحبكنّ )
صورة عن مقام النبى r فى دار أبى أيوب :
روى أبو بكر ابن أبى شيبة وابن إسحاق و الإمام أحمد ابن حنبل من طرق متعددة بألفاظ متقاربة أن أبا أيوب رضى الله عنه قال وهو يحدث عن أيام رسول الله r عنده : لما نزل رسول الله r فى بيتى فى أسفل البيت وأنا وأم أيوب فى العلو ’ فقلت له : يانبى الله بأبى أنت و أمى إنى لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى ’ فاظهر أنت فكن فى الأعلى ’ وننزل نحن نكون فى السفل ’ فقال : يا أبا أيوب ’ إنه لأرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون فى أسفل البيت .
قال : فكان رسول الله r فى سفله وكنا فوقه فى المسكن ’ ولقد انكسرت جرّة لنا فيها ماء يوما ’ فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ’ ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء ’ تخوفاً أن يقطر على رسول الله r منه شىء فيؤذيه ’ فنزلت إليه وأنا مشفق ’ فلم أزل أستعطفه حتى أنتقل إلى العلو . قال : وكنا نضع له العشاء ’ ثم نبعث به إليه ’ فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغى بذلك البركة ’ حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له بصلاً وثوماً ’ فرده رسول الله r ولم أر ليده فيه أثر ’ فجئته فزعاً فقلت يا رسول الله بأبى أنت و أمى ’ رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك ’ وكنت حينما ترد علينا فضل طعامك أتيمم أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغى بذلك البركة ’ فقال : إنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة ’ وأنا رجل أناجى ’ فأما أنتم فكلوه ’ قال : فأكلناه ’ ثم لم نضع فى طعامه شيئاً من الثوم أو البصل بعد .
العبر و العظات :
تحدثنا فى فصل سابق ’ عن معنى الهجرة فى الإسلام ’ عند تعليقنا على هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة ’ وقلنا إذ ذاك ما خلاصته : إن الله عز وجل جعل قداسة الدين و العقيدة فوق كل شىء ’ فلا قيمة للأرض و الوطن و المال و الجاه إذا كانت العقيدة وشعائر الدين مهددة بالحرب و الزوال ’ ولذا فرض الله على عباده أن يضحوا بكل ذلك - إذا اقتضى الأمر - فى سبيل العقيدة و الإسلام .
وقلنا أيضا أن سنة الله تعالى فى الكون اقتضت أن تكون القوى المعنوية التى تتمثل فى العقيدة السليمة و الدين الحق هى المحافظة للمكاسب و القوى المادية ’ فمهما كانت الأمة غنية فى خلقها السليم متمسكة بدينها الصحيح فإن سلطانها المادى المتمثل فى الوطن والمال و العزة يغدو أكثر تماسكاً وأرسخ بقاءاً وأمنع جانباً . ومهما كانت فقيرة فى أخلاقها مضطربة تائهة فى عقيدتها فإن سلطانها المادى المتمثل فيما ذكرناه يغدو أقرب إلى الاضمحلال و الزوال ’ وقلنا إن التاريخ أعظم شاهد على ذلك .
ولذلك شرع الله عز وجل مبدأ التضحية بالمال و الأرض فى سبيل العقيدة و الدين عندما يقتضى الأمر ’ فبذلك يضمن المسلمون لأنفسهم المال و الطن و الحياة ’ وإن بدا لأول وهلة أنهم تعروا عن كل ذلك وفقدوه
وحسبنا دليلاً على هذه الحقيقة هجرة رسول الله r من مكة إلى المدينة ’ لقد كانت بحسب الظاهر تركاً للوطن وتضييعاً له ’ ولكنه كان فى واقع الأمر حفاظاً عليه وضمانة له ’ ورب مظهر من مظاهر الحفاظ على الشىء يبدو فى صورة الترك و الإعراض عنه فقد عاد بعد بضع سنين من هجرته هذه - بفضل الدين الذى أقام صرحه ودولته - إلى وطنه الذى أخرج منه ’ عزيز الجانب ’ منيع القوة ’ دون أن يستطيع أحد من أولئك الذين تربصوا به ولاحقوه بقصد القتل أن يدنوا إليه بأى سوء ...
ولنعد الآن الى التأمل فيما سردناه من قصة هجرته r لنستنبط منها الدلالات والأحكام الهامة لكل مسلم :
1- من أبرز ما يظهر لنا من قصة هجرة الرسول r ’ استبقاؤه لأبى بكر رضى الله عنه دون غيره من الصحابة كى يكون رفيقه فى هذه الرحلة .
وقد استنبط العلماء من ذلك مدى محبة الرسول r لأبى بكر وأنه أقرب الصحابة إليه وأولاهم بالخلافة من بعده ’ ولقد عززت هذه الدلالات أموراً كيثرة أخرى مثل استخلافه له فى الصلاة بالناس عند مرضه وإصراره على أن لا يصلى عنه غيره ’ ومثل قوله فى الحديث الصحيح :( لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا )
ولقد كان أبو بكر رضى الله عنه - كما رأينا - على مستوى هذه المزية التى أكرمه اله بها ’ فقد كان مثال الصاحب الصادق بل و المضحى بروحه وبكل ما يملك من أجل رسول الله r ’ ولقد رأينا كيف أبى إلا أن يسبق رسول الله فى دخول الغار كى يجعل من نفسه فداءاً له عليه الصلاة و السلام فيما إذا كان فيه سبع أو حية أو أى مكروه ينال الإنسان منه الأذى ’ ورأينا كيف جند أمواله وأولاده ومولاه وراعى أغنامه فى سبيل خدمة رسول الله r فى هذه الرحلة الشاقة الطويلة . ولعمرى إن هذا ما ينبغى أن يكون عليه شأن كل مسلم آمن بالله ورسوله ’ ولذا يقول رسول الله صلى اله عليه وسلم :( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده و الناس أجمعين )
2- قد يخطر فى بال المسلم أن يقارن بين هجرة عمر ابن الخطاب رضى الله عنه وهجرة النبى r ويتساءل : لماذا هاجر عمر علانية متحدياً المشركين دون أى خوف ووجل ’ على حين هاجر رسول الله مستخفياً محتاطاً لنفسه ؟ أيكون عمر ابن الخطاب أشد جرأة من النبى r ؟
و الجواب أن عمر ابن الخطاب أو أى مسلم آخر غير رسول الله r يعتبر تصرفه تصرفاً شخصياً لا حجة تشريعية فيه ’ فله أن يتخير من الطرق و الوسائل و الأساليب ما يحلو له وما يتفق مع قوة جرأته وإيمانه بالله تعالى ’ أما رسول الله r فهو مشرّع ’ أى أن جميع تصرفاته المتعلقة بالدين تعتبر تشريعاً لنا ’ ولذلك كانت سنته هى المصدر الثانى من مصادر التشريع الإسلامى مجموع أقواله و أفعاله وصفاته وتقريره ’ فلو أنه فعل كما فعل عمر ’ لحسب الناس أن هذا هو الواجب ! ... وأنه لايجوز أخذ الحيطة و الحذر ’والتخفى عند الخوف ’ مع أن الله عز وجل أقام شريعته فى هذه الدنيا على مقتضى الأسباب و المسببات ’وإن كان الواقع الذى لا شك فيه أن ذلك بتسبيب الله تعالى و إرادته ’ لأجل ذلك غستعمل رسول الله r كل الأسباب المادية التى يهتدى إليها العقل البشرى فى مثل هذا العمل ’ حتى لم يترك وسيلة من هذه الوسائل إلا اعتد بها واستعملها ’ فترك على ابن أبى طالب ينام فى فراشه ويتغطى ببرده ’ واستعان بأحد المشركين - بعد أن أمنه- ليدله على الطرق الفرعية التى قد لا تخطر فى بال الأعداء ’ وأقام فى الغار ثلاثة أيام متخفياً ’ إلى آخر ما عبأه من الاحتياطات المادية التى قد يفكر بها العقل ’ ليوضح بذلك أن الإيمان بالله عز وجل لا ينافى استعمال الأسباب المادية التى أرادت حكمة الله تعالى أن تكون أسباباً .
وليس قيامه بذلك بسبب خوف فى نفسه ’ أو شك فى إمكان وقوعه فى قبضة المشركين قبل وصوله المدينة ’ والدليل على ذلك أنه عليه الصلاة و السلام بعد أن استنفد الأسباب المادية كلها ’ وتحلق المشركون حول الغار الذى يختبىء فيه رسول الله r وصاحبه - بحيث لو نظر احدهم عند قدمه لأبصر الرسول r - استبد الخوف بابى بكر رضى الله عنه على حين كان يطمئنه عليه الصلاة و السلام قائلاً : يا أبا بكر : ما ظنك بإثنين الله ثالثهما ) ولقد كان من مقتضى اعتماده على كل تلك الاحتياطات أن يشعر بشىء من الخوف و الجزع فى تلك الحال .
لقد كان كل ما فعله من تلك الاحتياطات إذاً وظيفة تشريعية قام بها ’ فلما انتهى من أدائها ’ عاد قلبه مرتبطاً بالله تعالى معتمداً على حمايته وتوفيقه ’ ليعلم المسلمون أن الاعتماد فى كل أمر لا ينبغى أن يكون إلا على الله عز وجل ’ ولكن لا ينافى ذلك احترام الأسباب التى جعلها الله فى هذا الكون أسباباً . ومن أبرز الأدلة على هذا الذى نقوله أيضاً ’ حالته r عندما لحق به سراقة يريد قتله وأصبح على مقربة منه ’ لقد كان من مقتضى تلك الاحتياطات الهائلة التى قام بها أن يشعر بشىء من الخوف من هذا الذى يجد فى اللحاق به بل كان مستغرقاً فى قراءته ومناجاته ربه لأنه يعلم أن الله الذى أمره بالهجرة سيمنعه من الناس ويعصمه من شرهم كما بين فى كتابه المبين .
3- وفى تخلف علىّ رضى الله عنه عن النبى r فى أداء الودائع التى كانت عنده الى أصحابها دلالة باهرة على التناقض العجيب الذى كان المشركون واقعين فيه ’ ففى الوقت الذى كانوا يكذبونه ويرونه ساحراً أو مخادعاً لم يكونوا يجدون من حولهم من هو خير منه أمانة وصدقاً ’ فكانوا لا يضعون حوائجهم وأموالهم التى يخافون عليها إلا عنده ...! وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم فى صدقه ’ وإنما هو بسبب تكبرهم واستعلائهم على الحق الذى جاء به وخوفاً على زعامتهم وطغيانهم .
4- ثم إننا نلمح فى النشاط الذى كان يبذله عبد الله ابن أبى بكر رضى الله عنه ’ ذاهباً آيباً بين الغار ومكة ’ يتحسس الأخبار و ينقلها الى رسول الله r وأبيه ’ وفيما عمدت إليه أخته أسماء رضى الله عنها من الجد فى تهيىء الزاد و الراحلة واشتراكها فى إعداد العدة لتلك الرحلة - نلمح فى ذلك صورة مما يجب أن يكون عليه الشباب المسلم ذكوراً وإناثاً فى سبيل الله عز وجل ومن أجل تحقيق مبادىء الإسلام وإقامة المجتمع المسلم ’ فلا يكفى أن يكون الإنسان منطوياً على نفسه مقتصراً على عباداته ’ بل عليه ان يستنفد طاقاته وأوجه نشاطه كلها سعياً فى سبيل الإسلام ’ وتلك هى مزية الشباب فى حياة الإسلام و المسلمين فى كل زمن وعصر .
وإذا تأملت فيمن كان حول رسول الله r إبان دعوته وجهاده ’ وجدت أن أغلبيتهم العظمى كانوا شباباً لم يتجاوزوا المرحلة الأولى فى عمر شبابهم ’ ولم يألوا جهداً فى تجنيد طاقاتهم وقوتهم من أجل نصرة الإسلام وإقامة مجتمعه .
5- أمّا ما حدث لسراقة وفرسه وهو يلحق لبرسول الله r فينبغى أن لا يفوتنا أنها معجزة خارقة لرسول الله r اتفق أئمة الحديث على صحتها ونقلها وفى مقدمتهم البخارى ومسلم ’ فأضفها إلى معجزاته الأخرى التى سبق الحديث عنها فيما مضى .
6- ومن أبرز المعجزات الخارقة فى قصة هجرته عليه الصلاة و السلام خروجه r من بيئته وقد أحاط به المشركون يتربصون به ليقتلوه ’ فقد علق النوم بأعينهم جميعاً حتى لم يحس به أحد منهم ’ وكان من تتمة السخرية بتآمرهم على حياته ما امتلأت به رؤسهم من التراب الذى ألقاه رسول الله r على رؤوسهم إذ خرج من بينهم وهو يتلو قوله تعالى :( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون )
لقد كانت هذ ه المعجزة بمثابة إعلان لهؤلاء المشركين وغيرهم فى كل عصر ووقت ’ بأن ما قد يلاقيه الرسول وصحبه من ألوان الاضطهاد و العذاب على أيديهم مدة من الزمن فى سبيل دينه ’ لا يعنى أنه قد تخلى عنهم وأن النصر قد ابتعد عن متناولهم ’ فلا ينبغى للمشركين وعامة أعداء الدين أن يفرحوا ويستبشروا بذلك ’ فإن نصر الله قريب وإن وسائل هذا النصر توشك أن تتحقق بين كل لحظة وأخرى
7- وتكشف الصورة التى استقبلت بها المدينة المنورة رسول الله r عن مدى المحبة الشديدة التى كانت تفيض بها أفئدة الأنصار من أهل المدينة رجالاً و نساءاً وأطفالاً ’ لقد كانوا يخرجون كل يوم إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت لفح الشمس وصول رسول الله r إليهم ’ حتى إذا هبّ النهار ليدبر ’ عادوا أدراجهم ليعودوا إلى الانتظار صباح اليوم التالى ’ فلما طلع الرسول عليهم جاشت العواطف فى صدورهم وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد و الأهازيج فرحاً لمرآه عليه الصلاة و السلام ومقدمه عليهم ’ ولقد بادلهم رسول الله صلى اله عليه وسلم نفس المحبة ’ حتى إنه جعل ينظر إلى ولائد بنى النجار من حوله ’ وهنّ ينشدنّ ويتغنين بمقدمه ’ قائلاً : أتحببننى ؟ والله إن قلبى ليحبكنّ
يدلنا كل ذلك أن محبة رسول اله r ليست فى مجرد الإتباع له ’ بل المحبة له هى أساس الإتباع وباعثه ’ فلولا المحبة العاطفية فى القلب لما وجد وازع يحمل على الإتباع فى العمل .
ولقد ضل قوم حسبوا أن محبة رسول الله r ليس لها معنى إلا الإتباع و الإقتداء وفاتهم أن الإقتداء لا يأتى إلا بوازع ودافع ’ ولن تجد من وازع يحمل على الإتباع إلا المحبة القلبية التى تهز المشاعر وتستبد بالعواطف ’ ولذلك جعل رسول الله r مقياس الإيمان بالله امتلاء القلب بمحبته r ’ بحيث تغدو متغلبة على محبة الولد والوالد و الناس أجمعين ’ وهذا يدل على أن محبة رسول الله r من جنس محبة الولد و الوالد أى مصدر كل منهما العاطفة و القلب وإلا لم تصح المقارنة و التفضيل بينهما .
8- أما الصورة التى رأيناها فى مقامه r عند أبى أيوب الأنصارى فى منزله ’ فتكشف لنا مظهر آخر من مظاهر محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه والسلام له .
والذى يهمنا من ذلك هنا ’ هو التأمل فى تبرك أبو أيوب وأم أيوب ’ بآثار أصابع رسول الله r فى قطعة الطعام ’ حينما كان يرد عليهما فضل طعامه ’ إذاً فالتبرك بآثار النبى r مشروع قد أقره r .
وقد روى البخارى ومسلم صوراً كثيرة من تبرك الصحابة بآثار النبى r و التوسل بها للإستشفاء أو العناية و التوفيق وما شابه ذلك .
من ذلك ما رواه البخارى فى كتاب اللباس ’ فى باب ما يذكر فى الشيب ’ من أن أم سلمة زوج النبى r كانت تحتفظ بشعرات من شعر النبى r فى جلجل لها ( ما يشبه القارورة يحفظ فيه ما يراد صيانته ) فكان إذا أصاب أحد من الصحابة عين أو أذى أرسل إليها إناء فيه ماء ’ فجعلت الشعرات فى الماء ’ ثم أخذوا الماء يشربونه توسلا للاستشفاء و التبرك به .
ومن ذلك ما رواه مسلم فى كتاب الفضائل باب ( طيب عرقه r ) أنه عليه الصلاة و السلام كان يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست هى فى البيت ’ فجاء ذات يوم فنام على فراشها ’ فجاءت أم سليم وقد عرق رسول الله r واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش ففتحت عتيدها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره فى قواريرها ’ فأفاق النبى r فقال: ما تصنعين يا أم سليم ؟ فقالت يا رسول الله : نرجو بركته لصبياننا ’ قال : أصبت )
ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين من استباق الصحابة إلى فضل وضوئه r و التبرك بالكثير من آثاره كألبسته و القدح الذى كان يشرب به .
فإذا كان هذا شأن التوسل بآثاره المادية فكيف بالتوسل بمنزلته عند اللع عز وجل وكيف بالتوسل بكونه رحمة للعالمين ؟
ولا يذهبن بك الوهم إلى أننا نقيس التوسل على التبرك ’وأن المسألة لا تعدو أن تكون استدلالا بالقياس ’ فإن التوسل و التبرك كلمتان تدلان على معنى واحد وهو التماس الخير و البركة عن طريق المتوسل به . وكل من التوسل بجاهه r عند الله و التوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه ’ أفراد وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذى ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة ’ وكل الصور الجزئية له يدخل تحت عموم النص بواسطة ما يسمى ب ( تنقيح المناط ) عند علماء الأصول .
ولنكتف من تعليقنا على قصة هجرته r عند هذا القدر ’ لنتحدث بعد ذلك عن الأعمال الجليلة التى بدأ يقوم بها r فى المجتمع الجديد فى المدينة المنورة .
[1] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftnref1) - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَقْدَانِ الْقُرَشِيِّ - وَكَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ السَّعْدِيِّ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ.صحيح ابن حبان - (ج 11 / ص 208) (4866) صحيح
[2] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftnref2) - صحيح البخارى (2783 ) وصحيح مسلم (4938)عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما
[3] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftnref3) - صحيح البخارى(3852 )
[4] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftnref4) - انظر موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2364)
[5] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftnref5) - انظر موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2333)
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
)) حقوق الطبع متاحة لجميع الهيئات العلمية والخيرية))
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، القائل في محكم كتابه : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) [النساء/97-100] }
والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، القائل :" لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ."[1] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftn1)
والقائل أيضاً : " لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"[2] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftn2)
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
من الأمور المسلَّم بها أن بقاء الدعوة في أرض قاحلة لا يخدمها، بل يعوق مسارها ويشلُّ حركاتها، وجرت سنة الله في خلقه أن يقبل بعض الناس على دعوات رسله، فتنشرح صدورهم لهدايته، وأن يُعرض بعض الناس فينشأ الصراع بين الحق والباطل.
تخضع القضية بعد ذلك لشيء من الموازنة. فإن كانت الفئة المؤمنة من أتباع الحق، من القلة بحيث لا تملك إلا أن تظل مستضعفة في الأرض، فستتلقى من الفئة الكافرة ضربات لا هوادة فيها، ولن يكن للفئة المؤمنة خيار إلا أن تصبر وتتحمل كل صنوف الأذى من أجل دعوتها إلى أن يأتي أمر الله، أو تهاجر لتتمكن من الانطلاق في أرض أخرى.
ولقد قص القرآن علينا أن من الأنبياء من هاجر، منهم: سيدنا إبراهيم، ولوط، وموسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} (99) سورة الصافات. وقال: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:26]. وقال: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه:77].
وقال عن هجرة رسول الله r وأصحابه: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40].
وقال أيضا : {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد:13].
فالهجرة إهدار للمصالح، وتضحية بالأموال، ونجاة بالنفس، مع شعور المهاجر بأنه مستباح منهوب، وقد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان.
روى الإمام البخاري عن خَبَّابً قالَ : أَتَيْتُ النَّبِىَّ - r - وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً ، وَهْوَ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْتُ أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ وَهْوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ « لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ ، فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ »[3] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftn3) .
لكن مع شدة الألم وكثرة الطغيان وانتشار البطش بالمؤمنين والمؤمنات أذن رسول الله r لمن يريد الهجرة بدينه أن يتجه إلى أرض يخلى بينه وبين أداء دينه، فبدأ المسلمون يهاجرون، وهم يعرفون كل ذلك
فإدراك الماضي إدراكاً واعياً ضروري لمعرفة الطريق القويم- معرفة العدو من الصديق- معرفة كيفية التعامل مع كل حديث وجديد ، فالتزاوج بين الماضي والحاضر واستيعاب دروس الماضي والاستفادة منها وتحديد مكانة الماضي في الحاضر ضروري حتى يتم الانطلاق نحو المستقبل، وبغير ذلك تعجز الأمة عن دخول الواقع بأبعاده.
فالهجرة من وسائل التغيير وأهمها هجرة المسلم بقلبه من محبة غير الله إلى محبته ، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه، إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له.. إلى دعائه، وسؤاله والخضوع له والذل له والاستكانة له. وهذا معنى قوله تعالى:{ فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ }[الذاريات:50].
أما هجرة النبي r وهجرة صحابته رضوان الله عليهم، فقد كانت على أساس ثابت، قائم على محبة الله تعالى ورضوانه، فأثبتوا للدنيا أجمع أنهم لدينهم ولعقيدتهم، وأنهم ليسوا للتراب، ولا للأهواء ولا للعصبيات، وأن بناءهم لا يقوم على الحجر والطين، ولا يلقي ثقله على أموال اقترفوها ولا تجارة يخشون كسادها، ولا مساكن يرضونها، بل هي العقيدة الصافية الصادقة: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله). فأدرك الغويّ أبو جهل ومن وراءه إدراك الموقن بنفسه المعارض بلسانه، أنهم لم ينازعوهم في أرض ولا في مال ولا في عقار ولا في قمار، ولا في زعامة فاشلة تهدم ولا تبني، ولا في قبَلِيَّة عمياء جهلاء، بل نازعوهم في تلك العقيدة التي حملوها، وحملوا على عاتقهم نشرها والدعوة إليها رغم أنف أبي جهل ومن معه.
فهاجروا وتركوا الأرض والديار والأهل؛ ولكن الإيمان أصيل يملأ القلوب، وآي التنزيل تنير لهم دُهْمَة (ظبمة) الليالي، وراية التوحيد تفتح أمامهم طرقاً كانت ضيقة، وتزيح أمامهم عراقيل الجبال الشوامخ، فإذا أفقُ طيبةَ الطيبة يتلألأُ من بعيد وهو قريب، طابت بخير قادم عليها، فهام أوسها وخزرجها على روابيها بصدور رحبة، تحيي الأمين وصحبه فرحة بخير قادم عليها، والمحبة أوثق العرى مع من ربطتهم به (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).[4] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftn4)
إنَّ هذا الحدث الذي غير مجرى التأريخ، الحدث الذي يحمل في طياته معاني الشجاعة والتضحية والإباء، والصبر والنصر والفداء، والتوكل والقوة والإخاء، والاعتزاز بالله وحده مهما بلغ كيد الأعداء، إنه حدث الهجرة النبوية الذي جعله الله سبحانه طريقا للنصر والعزة، ورفع راية الإسلام، وتشييد دولته، وإقامة صرح حضارته، فما كان لنور الإسلام أن يشع في جميع أرجاء المعمورة لو بقي حبيسا في مهده، ولله الحكمة البالغة في شرعه وكونه وخلقه.
إن في هذا الحدث العظيم من الآيات البينات والآثار النيرات والدروس والعبر البالغات ما لو استلهمته أمة الإسلام اليوم وعملت على ضوئه وهي تعيش على مفترق الطرق لتحقق لها عزها وقوتها ومكانتها وهيبتها، ولعلمت علم اليقين أنه لا حل لمشكلاتها ولا صلاح لأحوالها إلا بالتمسك بإسلامها والتزامها بعقيدتها وإيمانها، فوَالذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا ما قامت الدنيا إلا بقيام الدين، ولا نال المسلمون العزة والكرامة والنصر والتمكين إلا لما خضعوا لرب العالمين، وهيهات أن يحل أمن ورخاء وسلام إلا باتباع نهج الأنبياء والمرسلين. إذا تحقق ذلك أيها المسلمون، وتذكرت الأمة هذه الحقائق الناصعة وعملت على تحقيقها في واقع حياتها كانت هي السلاح الفاعل الذي تقاتل به والدرع الحصين الذي تتقي به في وجه الهجمات الكاسحة والصراع العالمي العنيف، فالقوة لله جميعا، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.[5] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftn5)
وفي هذا الكتاب دروس وعبر كثيرة التقطتها من هنا وهناك ، من أجل النظر فيها ، والانتفاع بمضمونها ، فما أحوجنا لها في هذه الأيام العصيبة التي تمر بالأمة الإسلامية في كل مكان ، فعَنْ ثَوْبَانَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ ، كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا. فَقَالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ. فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا الْوَهَنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا ، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ. سنن أبى داود(4299) وهو صحيح
وقد بينت مصادرها في بدايتها أو نهايتها ، وهي كثيرة بحمد الله تعالى .
وقد تركتها في الغالب –كما هي- وقمت بفهرستها على الورد ، ووضعها في الشاملة 3 ، ليعم النفع بها .
هذا وقد كنت كتبت كتابا كبيرا حول أحكام الهجرة وهو (المفصل في أحكام الهجرة) وهو في مكتبة صيد الفوائد، وفي مشكاة ، تحدثت فيه بالتفصيل عن الأحكام الشرعية المتعلقة بالهجرة .
أسأل الله تعالى أن ينفع به جامعه وقارئه وناشره والدال عليه في الدارين .
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنَّة
علي بن نايف الشحود
في 27 شعبان 1429 هـ الموافق ل 29/8/2008 م
_________________
أسباب الهجرة النبوية الشريفة
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأحبة في الله : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
لا شك أن حدثا مثل الهجرة النبوية حين تكون تاريخا للأمة لا شك أنها حدث عظيم في تاريخها ونقطة تحول في حياتها .. فالهجرة فرقت بين الحق والباطل ، وميزت بين الخير والشر ..
حولت ضعف المسلمين إلى قوة ، وذلهم إلى عزة ، وعجزهم إلى قدرة .
وكما يقولون : إن لكل شيء سببا ، فللهجرة النبوية أيضا أسباب ، وهما سببان :
1) شدة الأذى والاضطهاد الذي كان يتعرض له النبي r هو وأصحابه من كفار قريش .
2) قبول أهل المدينة الإسلام ودخولهم فيه .
السبب الأول : شدة الإيذاء والاضطهاد من كفار قريش لرسول الله r ..
حقيقة : لقد أوذي النبي r إيذاء شديدا لم يتعرض له نبي من الأنبياء السابقين ..
من أنواع الإيذاء : كان المشركون يسخرون منه ويحتقرونه ، ويستهزؤون به ويكذبونه ، فكانوا ينادونه بالمجنون كما قال الله تعالى عنهم : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون.
كانوا يقولون عنه انه ساحر كذاب ، كما قال تعالى : وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب .
كانوا يستقبلونه بنظرات استحقار ، كما قال سبحانه : {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} (51) سورة القلم .
كانوا يشوهون تعاليمه الشريفة ويثيرون حولها الشبهات ، وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا .
وقالوا عن القران الكريم : إن هذا إلا إفك افتراه … وكانوا يقولون أيضا : إنما يعلمه بشر .
وقالوا عن الرسول r : مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق .
من أنواع الإيذاء ابيضا : إنهم عرضوا على النبي r ان يتنازل عن بعض تعاليمه ويتركون هم بعض ما عليه مثل المفاوضات فنزل قوله تعالى : ودوا لو تدهن فيدهنون .
وأيضا عرضوا على النبي r أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدون الله تعالى سنة فنول قوله سبحانه : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون .
من أنواع الإيذاء أن أبا لهب وهو عم النبي r أمر ولديه عتبة وعتيبة أن يطلقا ابنتي النبي r رقية وأم كلثوم لما جاء بالدعوة وكان قد كتب كتابهما فقط .
وأيضا : لما توفي عبد الله وهو الابن الثاني للنبي r استبشر أبو لهب وقال لقومه : ابشروا فان محمدا قد صار ابترا يعني ليس له ولد يحمل ذكره من بعده . فنزل قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر .
وكانت زوجة أبي لهب وهي أخت أبي سفيان كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي r وعلى بابه ، ولذلك وصفها القران الكريم بأنها حمالة الحطب .
من أنواع الإيذاء أيضا : إنهم وضعوا رحم الشاة وهو يصلي كما وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره الشريف وهو ساجد r حتى جاءت فاطمة فطرحته عن ظهره .
وكان أمية بن خلف إذا رأى الرسول r همزه ولمزه ، ونزل فيه قوله تعالى : ويل لكل همزة لمزة .
وكذلك الأخنس بن شريق كان ممن ينال من النبي r ، فوصفه الله تعالى في القران بتسع صفات : ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم .
أما أبو جهل رأس الكفر والشرك فقد كان ينهى النبي r عن الصلاة فنزل فيه قوله تعالى : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى …
وفي يوم أراد أن يطأ رسول الله r بقدمه ويعفر وجهه في التراب لكن الله تعالى حال بينه وبين ما يريد .
ومرة أخرى حمل أبو جهل لعنه الله حجرا كبيرا ليضرب به النبي r وهو ساجد لكن الله تعالى منعه من ذلك .
من أنواع الإيذاء انه في يوم اجتمع عليه عشرة رجال وأحاطوا به فهذا يجذبه والأخر يدفعه والثالث يضربه حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه فدفعهم عن رسول الله r
كما أنهم غيروا اسمه الشريف r من محمد إلى مذمم .
من أشد أنواع الإيذاء التي تعرض لها النبي r : الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات حتى أكلوا أوراق الشجر فصارت مخرجاتهم وفضلاتهم مثل الدواب حتى أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وجد في ليلة جلدة شاة فأخذها فوضعها على النار حتى تفحمت ثم أكلها وظل عليها ثلاث ليال لا يأكل شيئا .
من أنواع الإيذاء أنهم حاولوا قتل النبي r عدة مرات ، ففي يوم الخميس 26 صفر سنة 14 من البعثة اجتمع سبعة من كبار كفار قريش في دار الندوة وجاءهم الشيطان في صورة شيخ يريد نصحهم ودار نقاش طويل فقال احدهم : نحرجه من بيننا وننفيه من بلادنا .
فقال الشيطان : لا والله ما هذا لكم برأي الم تروا حسن حديثه وحلاوة كلامه والله لو فعلتم ذلك فسينزل على حي من العرب فيتبعوه فيسير بهم إليكم فيقاتلوكم .
فقال أبو البختري : احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه الباب حتى يموت . فقال الشيطان : لا والله ، لئن حبستموه ليخرجن من وراء الباب .
فقال أبو جهل : أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابا جلدا قويا فنعطي كل فتى منهم سيفا صارما فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على حربكم فيرضوا منا بالدية . هذا عن السبب الأول ويعتبر هو السبب الرئيسي من أسباب الهجرة .
السبب الثاني : قبول أهل المدينة الإسلام ودخولهم فيه :
كان من عادة النبي r وحكمته أن يعرض الإسلام على القبائل بالليل ، وفي موسم الحج سنة 11 من البعثة خرج النبي r مع أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب إلى منى فسمع أصوات رجال يتكلمون وكانوا ستة نفر من شباب المدينة وكانت تسمى يثرب .
فعرض النبي r الإسلام عليهم فاسلموا ، وحملوا الإسلام إلى أهل المدينة حتى لم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه ذكر لرسول الله r .
في موسم الحج سنة 12 جاء 12 رجلا وبايعوا النبي r بيعة العقبة الأولى . وأرسل النبي r مصعب بن عمير معهم غالى المدينة .
في موسم الحج سنة 13 من البعثة جاء 73 رجلا وامرأتان وبايعوا النبي r بيعة العقبة الثانية . وبذلك أصبح للإسلام قواعد وأرضية صلبة يستند عليها في المدينة .
ونواصل الحديث في اللقاء القادم إن شاء الله عن أهم الدروس المستفادة من قصة الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام .. والله ولي التوفيق .
ــــــــــــ
أهمية المخابرات . . في صفوف العدو
إن بث العيون والمخابرات في صفوف أعداء المسلمين ، وخصوم الحركة الإسلامية : أمر تحتمه الظروف وطبيعة العلاقة الأبدية بين أنصار الحق من جهة وأنصار الباطل من جهة أخرى ، فضلا عن أنها معاملة بالمثل : حيث إن هؤلاء الأعداء الخصوم ، لا يسكتون عن محاولات بث عيونهم بين المسلمين ، واختراق صفوفهم ؛ لضربهم . . كسرا لشوكتهم ، ومنعا أو إعاقة لهم عن بلوغ أهدافهم ، وتحقيق غاياتهم
فلا أقل من أن يكون المسلمون بعامة ، وأبناء الحركة بخاصة : على مستوى حماية هذه الدعوة ، وشرف تبليغها ، ورفع رايتها ، وإعلاء شأن أتباعها ، بكل الوسائل المشروعة الممكنة .
ومن هذه الوسائل : بث عيونهم ومخابراتهم في صفوف أعدائهم ، وخصومهم .
حيث إنه : لابد من التعرف مباشرة على كل أسرار العدو ومخططاته وتوقعاته ، بحيث تصل إلى القيادة أولا بأول ، فتكون المتابعة ، قائمة على خبرة بالواقع ، لا على الظن التخمين ، الذي قد يخطئ ويصيب . " 59 "
وهذا ما فعله النبي r في هجرته من مكة إلى المدينة .
ففي البخاري : " . . . ثم لحق الرسول r ، وأبو بكر ، بغار في جبل ثور ، فمكثا فيه ثلاث ليال ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ، وهو : غلام ، شاب ، ثقف ، لقن ، فيدلج من عندهما بسحر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمرا يكتادان به ، إلا وعاه ، حتى يأتيهما بخبر ذلك ، حين يختلط الظلام . . " الحديث " 53 "
وما كان أغنى من رسول الله r عن هذا الأمر ، وهو الذي يوحي إليه ، ويكشف له ربه سبحانه عن خططهم ومخططاتهم . . ! !
ولكنه : التدريب لهذه الجماعة المؤمنة الوليدة ، التي تحيط بها سهام الأعداء من كل جانب . . ! !
ولكنه : التعليم لهذه الأمة المؤمنة ، التي سوف يتربص بها الأعداء ، وتحيط بها سهامهم ، في كل عصر ، وفي كل مصر .
ولكنه : التنبيه لأبناء الحركة الإسلامية على هذا الأمر الذي ينبغي عليها أن تعيه جيدا ، وأن لا تهمله أو تقصر فيه أبدا ، إن كانت جادة ، في أداء الأمانة ، ورفع الراية .
ولكنه : التكليف لقادة الحركة الإسلامية بدراسة هذا الأمر ، وإعطائه بالغ اهتمامها ؛ إذ كلما كانت القيادة أعلم بواقع العدو ، وأدرى بأسراره ، ولها في صفوفه من ينقل إليها كل تخطيطاته : كلما كان ذلك أنجح لها في تنفيذ خططها ومخططاتها وأنجع لها في توقى سهامه وإبطال ضرباته .
وهذا أمر : يجب عدم إغفاله أو التهاون فيه ، في السراء والضراء ، في الصفاء والكدر ، في عظيم الأمور وصغيرها ، فقد تنقلب السراء _ غدا أو فجأة _ إلى ضدها ، وقد يتحول الصفاء _ غدا أو فجأة _ إلى عكسه ، وقد يكون صغير الأمور مقدمة إلى عظائمها ، والقائد _ بل المؤمن _ العاقل من لا يستهين بأي شئ لصالح دعوته .
وينبغي لمن يكلف بمثل هذه الأمور : أن يمتلك من الصفات ما يعينه على النجاح في مهمته ، وأن يؤديها تعبدا لله تعالى ، ومرضاة له سبحانه ، لا انتظارا لمغنم ، ولا طمعا في مكسب ، ولا ثأرا لشيء أصابه ،
وفي حديث البخاري : ما يوضح بعض هذه الصفات المطلوبة لهذه المهمة ، ثم يضاف إليها ما قد تدعو إليه الضرورة وتقتضيه الظروف الخاصة ، بشرط : أن لا يرتكب المكلف بهذه المهمة مخالفة شرعية ، كأن يطلع على عورات ، أو يقترف محرمات ، أو يهمل في أداء الواجبات .
ومن المهم جدا : أن لا يؤدي أحد هذه المهمة دون اختيار له وتكليف من القيادة ، وإلا صار الأمر فضولا وفوضى ، وقد يحدث لأبناء الدعوة ما لا تحمد عقباه .
ولا مانع _ بل إنه لمن اللازم _ أن تكون هناك ، لدى المسلمين ، وأبناء الحركة على وجه الخصوص ، دراسات جادة في هذا الموضوع وأمثاله ، توضح : أهميته ، وأساليب ممارسته . و . . الخ على أن تعد هذه الدراسات من قبل متخصصين فيها ، عالمين بها ، وليس هذا بالمستحيل ، حيث إن هذه الدراسات تقوم بها كل الدول ، ولها مدارس كثيرة .
كما أنه لا مانع _ بل إنه من اللازم _ أن تكون هناك دورات دراسية وتدريبية لمن يختارون للقيام بهذه المهام ، وتتوافر فيهم مؤهلات النجاح فيها .
كما أنه لا مانع _ بل إنه من اللازم _ أن يقيم هؤلاء الأفراد ، وقد يوظفون ، أو . . أو . . الخ لدى هؤلاء الأعداء أو الخصوم ، لتقريبهم من مصادر المعلومات ، وأماكن صنع القرارات ، والتيسير عليهم في أداء مهمتهم .
كل ذلك : بشرط أن لا ينحرف المسلمون عامة وأبناء الحركة خاصة ، فيما تستتبعه هذه الأعمال من مخالفات شرعية ، أو ممارسات لا أخلاقية ، أو أية أمور غير ذلك ، مما هو معروف أو غير معروف ، فيما يسمى بعالم " الجاسوسية "
هذا . .
وإن هذا الدرس لا تقتصر فائدته على الأمة أو الجماعات فقط ، بل إنه لمن الممكن أن يستفيد به الفرد _ على شرط المحافظة على ضوابطه الشرعية _ مع أية خصوم له ؛ رغبة فقط في الوقاية من شرهم ، والنجاة من أضرارهم ، وليس توصلا لإيذائهم ، أو النيل منهم .
أهمية دور المرأة المسلمة
المرأة : نصف المجتمع ( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ) "90 " ، ويقول سبحانه كذلك ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ) "91 "
وهي هدية الله تعالى _ قدمها على غيرها _ لمن يشاء ( لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ) "92 "
وهي : باب من أبواب الجنة إذا أحسن إليها ، وبولغ في إكرامها ، " من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو ابنتان أو أختان فأحسن صحبتهن ، واتقى الله فيهن : فله الجنة " "93 "
بل إن الجنة نفسها : تحت قدميها ، يقول r " الجنة تحت أقدام الأمهات " "94 "
وهي : صانعة الأجيال ، ومربية الأبطال ،
الأم مدرسة إذا أعددتها . . . أعددت شعبا طيب الأعراق
ولذلك . . ! !
ففي طهارتها : طهارة المجتمع ونظافته .
وفي الإحسان إليها : سعادة المجتمع وبهجته .
وفي تعليمها : وعي المجتمع ورقيه .
وفي حسن تربيتها : نجاح المجتمع وفلاحه .
ومن هنا . . يجب الاهتمام بها ، وعدم الإهمال لها ، أو التقليل من شأنها ، أو الإغفال لدورها ، أو الإهدار لجهودها .
وإذا كان ذلك بصفة عامة : فهو بالنسبة لها في مجال الدعوة إلى الله تعالى ، ونشر هذا الدين ، ونصرته ، بصفة خاصة ؛ أكد وأولى وأوجب .
نستفيد ذلك من الهجرة على النحو التالي :
أ _ فهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على كتمان السر ، والفوز بتزكية أبي بكر لها أمام رسول الله r في معرفة أمر خطير ، حجب عن كثير من الرجال ، حينما طلب النبي r من أبي بكر إخراجهما .
ب _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على التمويه عن جدها ، حينما وضعت حجارة في حائط بالبيت وغطتها ، وأوهمته أنها أموالا تركها لهم أبوهم ، أبو بكر ، قبل هجرته ، وذلك حتى يطمئن جدها عليهم في حال غياب أبي بكر عنهم ، وهي تقول _ في نفسها _ والله ما ترك لنا شيئا ، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك . "95 "
ج _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على الصمود في مواجهة بطش " فرعون " عصرهم ، أبي جهل حينما جاء ليعرف منها مكان المهاجرين ، فأنكرت معرفتها ، وتأبت على جبروته ، ولم تخش ظلمه وطغيانه ؛ مما أغضبه ، ودفعه لأن يلطمها على وجهها الشريف ، وخلف من بعده خلف اتبعوه ، واقتدوا به في تعذيب النساء المسلمات الصالحات القانتات الصامدات .
د _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على التضحية وتحمل المشاق ، حينما ذهبت للنبي r وأبيها بالغار مع بعد الطريق ، ومشقة المشوار ، وخطورة الحركة إلى هذا المكان ، حاملة لهما سفرتهما ، خلال رحلتهما ، دون خوف ، من اكتشاف لأمرها ، أو اعتقال تتعرض له ، أو تعذيب ينالها ، وهي تدرك جيدا أن بعض ذلك _ بل كله _ محتمل جدا .
ه _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على حسن التصرف ، وسرعة البديهة ، حينما لم تجد ما تعلق به السفرة في الراحلة ، إذ شقت نطاقها ، وربطت السفرة بنصف ، وانتطقت بالأخر ، ولذا سميت بذات النطاقين .
و _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على الحركة والسفر الشاق المضني من المدينة إلى مكة لملاقاة الرسول r ، في بيعة العقبة .
كما حدثت من السيدتين العظيمتين " أم عمارة " ، " أم منيع "
ز _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على الحركة السرية ، والتخفي التام ، والتسلل كالقطا من رحال القوم في جنح الليل مع رجال من قومها للقاء الحبيب r ، ومبايعته في بيعة العقبة ، بمنى .
ومما ينبغي ملاحظته جيدا : أن السيدة أسماء بنت أبي بكر ، لم تكن هي المرأة الوحيدة في المسلمات _ آنئذ _ هي المهيأة لذلك ، أو المستعدة ، أو المضحية ، لهذا العمل ، بل كان هناك الكثير والكثير ، ولكن لظروف السرية التي أحاطت بالهجرة ، لم يكتب هذا الشرف _ بل لم يجلب هذا الشرف _ لواحدة من بنات حواء إلا لهذه السيدة العظيمة ، التي رفعت قدر المرأة ومكانتها عاليا .
وهي نفس الملحوظة بالنسبة لهاتين السيدتين ، أم عمارة ، وأم منيع .
ولذلك ، ومن هذا الدرس : علينا أن نعيد النظر في علاقة المرأة بالدعوة الإسلامية ، وموقفها منها ، ودورها فيها ، بشرط : وضوح الفرق بين واجباتها وواجبات الرجال ، وبين ما يناط بها وما يناط بالرجال ، وما يطلب منها وما يطلب من الرجال ، وما تختص هي به ، وما لا يقوم به إلا الرجال ، على ضوء ما يمليه التشريع الإسلامي في هذا الخصوص ، وما يتطلبه واقع الدعوة الإسلامية _ تحت هذا الإطار ، وهذا الحصار _ في هذا العصر .
بدلا من هذا الإغفال ، وهذا الإهمال ، الذي يؤدي بدوره إلى ضياع فرص للدعوة كثيرة ، وإلى تفويت منافع على المجتمع المسلم _ رجالا ونساء _ كبيرة .
فليست المرأة كالرجل _ كما يقول منافقوها _ سواء بسواء ، حتى تقوم بكل شئ ، وتمارس كل شئ ، وبالتالي تفشل في كل شئ ، أو على الأقل في أهم شئ ، وهو دورها الذي خلقت له .
وليست المرأة كما مهملا ، حتى تبعد عن كل شئ ، ولا تمارس _ فيما يخص الدعوة _ أي شئ ، وبالتالي نفشل نحن في الإفادة من أعز شئ ، وهو نصف المجتمع .
وعلى الحركة الإسلامية أن تسارع في فتح ملف " المرأة المسلمة " ودراسته جيدا ، في ضوء ما يكشفه الدين ، وتقدمه النماذج الإسلامية الرائدة ، وليس في غبش ما قيده الواقع مما أطلقه الدين ، أو أطلقه الواقع مما قيده الدين .
وذلك . . حتى تستفيد المرأة المسلمة ، _ ونستفيد من المرأة المسلمة _ في ظلال ديننا السمح الحنيف .
وإلا فستظل الجمعيات العالمية ، المشبوهة وغير المشبوهة تلعب بعواطف المرأة ، وتدغدغ أحاسيسها بدعوات : ظاهرها الرحمة ، وباطنها من قبله الدمار والعذاب .
*********
أهمية مبادئ الإدارة في الدعوة
بقلم: نبيل بن جعفر الفيصل
إن الدعوة إلى الله (سبحانه وتعالى) هي الأساس الذي قامت عليه هذه الأمة ونهضت به، وإذا نظرنا في تاريخ الدعوة منذ بعثته وجدنا أنها كانت تسير ضمن عملية إدارية محكمة، بلغت في تخطيطها وتنظيمها وتربيتها للسلوك الإنساني ذروتها.
وكما أن حركة الدعوة الإسلامية مطالبة بدراسة التجارب التي مرت بها عبر القرون للاستفادة منها بحكمة ـ بعد تقييمها وعرضها على الكتاب والسنة وإجماع السلف ـ فكذلك هي مطالبة أيضاً بالاستفادة بكل مايعينها لتحقيق هدفها.
ونستعرض هنا بإيجاز العملية الإدارية من منظورها النظري، وكيفية ملاءمة هذه العملية بوصفها أداة تعين في النهوض بالدعوة. ومع العلم ، فإن نجاح تطبيق وظائف الإدارة المختلفة في مجالات الدعوة مرهون بتصور واستيعاب القارئ لتطبيق هذه الوظائف في حياته الدعوية: فمثلاً عندما نتحدث عن إدارة الوقت من الناحية النظرية ، فإنا نقوم خلالها بتحديد الأعمال المطلوبة وترتيبها في قائمة حسب الأولوية والأهمية ، وتحديد وقت لكل مهمة ومراجعة وتحديث القائمة باستمرار ، ثم تقييم ماتم إنجازه حسب الوقت المخصص لكل مهمة ودقة الإنجاز وعمل التعديل اللازم.. إلى غير ذلك من التوجيهات الخاصة بإدارة وتنظيم الوقت.
وإذا تصورنا هذه التوجيهات من الناحية العملية ، نجد أننا فعلاً نقوم بمثل هذا التخطيط للوقت بصورة غير مباشرة ، فتجد أنك تلقائياً وقبل شروعك في إنجاز مهمة ما تفكر ذهنياً وبسرعة متى يجب عليك الانطلاق ، وكيف؟ ومع من؟ وأي طريق ستسلك؟ ، وأثناء الطريق ستفكر ماذا ستفعل عند وصولك وإلى أين ستذهب بعد ذلك.. إلخ.
هذا ما نقصده بالتصور التطبيقي للعملية الإدارية: أي أن ننقلها من الوضع النظري إلى الواقع العملي.
ماهي العملية الإدارية؟
إن الإدارة بحد ذاتها هي: عملية دمج وتنسيق الموارد المادية (كالمعدات والأدوات) ، والبشرية (الأفراد) في منشأة من خلال التخطيط لها وتنظيمها وتوجيهها ومراقبة إنتاجها؛ لتحقق بالتالي أهداف المنشأة.
كل جهاز دعوي على اختلاف مستوياته لابد له من الاستفادة من علم التخطيط والتنظيم والتوجيه والمراقبة ، أو ما يسمى بالوظائف ، وبالتالي شرح هذه الوظائف وكيفية الاستفادة منه ، خاصة إذا استحضر الإداري المسلم في قلبه وكيانه أنه في إدارته مدفوع بذاتية ربانية ونبوية المنهج ، تقوده للتفكير السليم القويم كسمة يتميز بها عن غيره.
أولاً: التخطيط:
هو »ضرورة لكل المنشآت ؛ لأنها تعمل في ظروف متغيرة ، ومن ثم فإن محاولة التخفيف من مفاجآت هذه الظروف هو الدافع وراء عملية التخطيط ، كما أنه عملية مستمرة تدعو لاختيار بديل من عدة بدائل لتطبيقه في المستقبل« (1) ونحدد من خلاله مانريد أن نعمله ، وما الذي يجب عمله ، وأين؟ وكيف؟ ومتى؟ وعن طريق مَنْ؟
والتخطيط للدعوة يبدأ من المنطلق الاستراتيجي (الإحكامي) البعيد المدى عن طريق القياديين ومفكري الأمة: مثل ماحصل في خطة صلح الحديبية ذات النظرة البعيدة الذي يعده بعض المؤرخين بداية الفتح الإسلامي الفعلي ، »ثم على الخطة أن تتسم بالواقعية والمرونة والشمولية وكذلك تناسق الخطط فيما بينها لضمان استمراريتها«(2).
ثانياً: التنظيم:
يأتي دور التنظيم لضمان تنفيذ الخطط بالشكل المطلوب ، أو بمعنى آخر تنظيم التنفيذ دون الارتباك في توزيع العمل ، والتنظيم مهم لتحديد مهام وواجبات كل الأفراد ـ أعضاء المنشأة ـ وكذلك تحديد وبيان علاقة كل فرد وأين موقعه من الجماعة ، وتوزيع السلطات والصلاحيات لمستويات الأفراد المختلفة ؛ كل ذلك من أجل إيجاد تنسيق بشري يساهم فيه كل فرد لإنجاح مسيرة العمل الإسلامي ، ولنا من الهجرة النبوية إلى المدينة درس يمثل غاية التنظيم والتنسيق لإحكام خطة الهجرة ، وتوزيع العمل والمسؤوليات على الأفراد حسب تخصصهم دون فوضى ، وعمل الاحتياطات اللازمة لكل حادث قد يصادف تلك الرحلة. وبالإخلاص وتظافر الجهود تتحقق الأهداف المنشودة بإذن الله.
ومن السابق يمكن تعريف التنظيم بأنه: عملية بناء العلاقات بين أجزاء العمل ، ومواقع العمل ، والأفراد من خلال سلطة فعالة بهدف تحقيق الالتحام والترابط وأداء العمل بطريقة جماعية منظمة وفعالة (3).
ثالثاً: التوجيه والقيادة:
إن للتوجيه الإداري ارتباطاً وثيقاً بمهارات القياديين؛ لذا هو: »فن وقدرة المدير على السير الصحيح بمن تحت إمرته وهدايتهم وتوجيهم مع إشاعة روح الود والحب والرضا والتفاني والانتماء في العمل حتى يتحقق الهدف المطلوب« (4).
ولنجاح عملية التوجيه ينبغي مراعاة الاتصال الفعال الذي يربط قنوات النظام الداخلي والخارجي مع وضوح أهداف النظام الكلية والأهداف المطلوب تحقيقها من كل فرد يعمل لهذا النظام على اختلاف مستواه.
أضف إلى ذلك رفع الروح المعنوية للأفراد العاملين في مجال الدعوة من تقديم التشجيع والثناء والمزيد من الحرية والتصرف ، ناهيك عن الدافع الديني الذاتي لدى كل من يفهم معنى الدعوة وحجم الاستثمار فيها ، ولايفوتنا الإشارة للتوجيه الرباني لكل من القائد وأتباعه ((مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح: 29].
رابعاً: الرقابة:
والرقابة بمفهومها العام تعني التأكد من أن المبادئ الآنفة الذكر ـ التخطيط ، التنظيم، التوجيه ـ تسير في الاتجاه الصحيح نحو الأهداف المرسومة ، ويكون ذلك بقياس الأداء ومقارنة النتائج بالأهداف ضمن معايير موضوعة سلفاً لتصحيح وتعديل أي انحراف في الأداء ضماناً لفاعلية وكفاءة التنفيذ.
ولعل أبرز ما يتسم به الإداري المسلم الرقابة الذاتية على نفسه ، فهي تشمل كافة شئون الحياة الفردية والجماعية ، حيث يعلم أنه خلق لعبادة الله وحده ، وبالتالي فإن جميع أفعاله ـ إدارية أو دعوية ـ مقياس لمدى طاعته لأوامر الله ، ثم محاسبة نفسه قبل أن يحاسبه خالقه ، يقول تعالى: ((إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) [النساء: 1].
والمسلم كذلك مطالب برقابة أخيه المسلم بالتناصح والتوجيه يقول (تعالى) ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ)) [التوبة: 71].
وإن كان ترتيب الرقابة في النظرية الإدارية في النهاية ، إلا أني أعتقد أن عنصر الرقابة هو العنصر الأول والملازم للعملية من بداية التخطيط وأثناء التنظيم والتوجيه وانتهاء بالتأكد من تحقيق الهدف المطلوب.. وبذلك يعي الإداري المسلم مدى نجاح دعوته المستمدة من الكتاب والسنة بتوفيق الله كسمة يجب أن يتميز فيها عن غيره.
-------------
الهوامش:
(1) الإدارة دراسة تحليلة للوظائف والقرارات الإدارية د. مدني عبد القادر علاقي، مطبوعات تهامة ، جدة ، الطبعة الرابعة ، 1410هـ ص 85.
(2) الخطة والتخطيط ، لماذا وكيف، نبيل بن جعفر الفيصل، مطابع التسهيلات، الخبر، 1413هـ ص 17: 20.
(3) مرجع سابق ، رقم (1) ص 156.
(4) الإدارة في الإسلام،الفكر والتطبيق، د.عبدالرحمن إبراهيم الضحيان، دار الشروق، جدة، الطبعة الأولى، 1407هـ ص 166.
مجلة البيان / عدد96
************
إذن رسول الله r لأصحابه بالهجرة إلى المدينة
قال ابن سعد فى طبقاته يروى عن عائشة رضى الله عنها : لما صدر السبعون من عند رسول الله r طابت نفسه ’ فقد جعل الله له منعة وقوماً وأهل حرب وعدة ونجدة ’ وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج ’ فضيقوا على أصحابه وتعبثوا بهم ’ ونالوا ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى ’ فشكا ذلك أصحاب رسول الله r واستأذنوه فى الهجرة ’ فقال : ( قد أخبرت بدار هجرتكم وهى يثرب ’ فمن أراد الخروج فليخرج إليها ) فجعل القوم يتجهزون ويتوافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك ’ فكان أول من قدم المدينة من أصحابه r أبو سلمة بن عبد الأسد ثم قدم بعده عامر ابن ربيعة ومعه امرأته بنت أبى حشمة ’ فهى أول ظعينة قدمت المدينة ثم قدم أصحاب رسول الله r أرسالاً فنزلوا على الأنصار فى دورهم ’ فآووهم ونصروهم وآسوهم .
ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول الله r إلا متخفياً غير عمر ابن الخطاب رضى الله عنه ’ فقد روى علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه أنه لمّا همّ بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه ’ وانتضى فى يده أسهماً ’ واختصر عنزته ( عصاه ) ومضى قبل الكعبة ’ والملأ من قر يش بفنائها فطاف فى البيت سبعاً متمكناً مطمئناً ’ ثم أتى المقام فصلى ’ ثم وقف فقال :( شاهت الوجوه ’ لا يرغم الله إلا هذه المعاطس ’ من أراد أن يثكل أمه ’ أو ييتم ولده ’ أو ترمل زوجته فليلقنى وراء هذا الوادى)
قال علىّ فما أتبعه إلا قوم مستضعفون علّمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه .
وهكذا تتابع المسلمون في الهجرة إلى المدينة حتى لم يبق بمكة منهم إلا رسول الله r وأبو بكر وعلىّ ’ أو معذب محبوس ’ أو مريض ’ أو ضعيف عن الخروج .
العبر و العظات :
كانت فتنة المسلمين من أصحاب النبى r فى مكة ’ فتنة الإيذاء و التعذيب وما يرونه من المشركين من ألوان الهزأ و السخرية ’ فلما أذن لهم الرسول r بالهجرة ’ أصبحت فتنتهم فى ترك وطنهم وأموالهم ودورهم وأمتعتهم ’ ولقد كانوا أوفياء لدينهم مخلصين لربهم ’ أمام الفتنة الأولى و الثانية ’ قابلوا المحن والشدائد بصبر ثابت وعزم عنيد .
حتى إذا أشار عليهم رسول الله بالهجرة إلى المدينة ’ توجهوا إليها وقد تركوا من ورائهم الوطن وما لهم فيه من مال ومتاع ونشب ’ ذلك أنهم خرجوا مستخفين متسللين ’ ولا يتم ذلك إلا إذا تخلصوا من الأمتعة و الأثقال ’ فتركوا كل ذلك فى مكة ليسلم لهم الدين ’ واستعاضوا عنها بالأخوة الذين ينتظرونهم فى المدينة ليؤووهم وينصرونهم .
وهذا هو المثل الصحيح للمسلم الذى أخلص الدين لله : لا يبالى بالوطن ولا بالمال و النشب فى سبيل أن يسلم له دينه . هذا عن أصحاب رسول الله فى مكة .
أما أهل المدينة الذين آووهم فى بيوتهم وواسوهم ونصروهم ’ فقد قدموا المثل الصادق للأخوة الإسلامية و المحبة فى الله تعالى .
وأنت خبير أن الله عز وجل قد جعل أخوة الدين أقوى من أخوة النسب وحدها ’ ولذلك كان الميراث فى صدر الإسلام على أساس وشيجة الدين ’ وأخوته والهجرة فى سبيله ’ ولم يستقر حكم الميراث على أساس علاقة القرابة إلا بعد تكامل الإسلام فى المدينة وصارت للمسلمين دار إسلام قوية منيعة .
يقول الله عز وجل : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (72) سورة الأنفال. ثم إنه يستنبط من مشروعية هذه الهجرة حكمان شرعيان :
1- وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ’ وروى ابن العربى ( أن هذه الهجرة كانت فرضاً فى أيام النبى r ’ وهى باقية مفروضة إلى يوم القيامة . والتى انقطعت بالفتح ’ إنما هي القصد إلى النبى r ’ فإن بقى فى دار الحرب عصى ) ومثل دار الحرب فى ذلك كل مكان لا يتسنى للمسلم فيه إقامة الشعائر الإسلامية من صلاة وصيام وجماعة وأذان ’ وغير ذلك من أحكامه الظاهرة .
وما يستدل على ذلك قوله تعالى :( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا ؟ فيم كنتم ؟ قالوا : كنا مستضعفين فى الأرض ’ قالوا الم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ’ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ’ إلا المستضعفين من الرجال و النساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) .
2- وجوب نصرة المسلمين لبعضهم مهما اختلفت ديارهم وبلادهم ما دام ذلك ممكناً ’ فقد اتفق العلماء و الأئمة على أن المسلمين إذا قدروا على استنقاذ المستضعفين أو المأسورين أو المظلومين من إخوانهم المسلمين ’ فى أي جهة من جهات الأرض ’ ثم لم يفعلوا ذلك فقد باءوا بإثم كبير .
يقول أبو بكر العربى : إذا كان فى المسلمين أسراء أو مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة و النصرة لهم واجبة بالبدن ’ بأن لا تبقى منا عين تطرف ’ حتى نخرج الى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ’ أو نبذل جميع أموالنا فى استخراجهم ’ حتى لا يبق لا لأحد درهم من ذلك .
وكما تجب موالاة المسلمين ونصرتهم لبعضهم ’ فإنه يجب أن تكون هذه الموالاة فيما بينهم ’ ولا يجوز أن يشيع شىء من الولاية و التناصر أو التآخى بين المسلمين وغيرهم ’ وهذا ما يصرح به كلام الله عز وجل ’ إذ يقول :( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض و فساد كبير).
يقول ابن العربى قطع الله الولاية بين الكفار و المؤمنين ’ فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض ’ وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض ’ يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم .
ولا ريب أن تطبيق مثل هذه التعاليم الإلهية ’ هى أساس نصرة المسلمين فى كل عصر وزمن ’ كما أن إهمالهم لها وانصرافهم إلى ما يخالفها هو أساس ما نراه اليوم من ضعفهم وتفككهم وتألب أعدائهم عليهم من وكل جهة وصوب .
هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم
جاء فى صحاح السنة وما رواه علماء السيرة أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه لما وجد المسلمين قد تتابعوا مهاجرين الى المدينة ’ جاء يستأذن رسول الله r هو الآخر فى الهجرة ’ فقال له رسول الله r :( على رسلك ’ فإني أرجو أن يؤذن لى ) فقال أبو بكر :( وهل ترجو ذلك بأبى أنت وأمى ؟ ) قال :(نعم ) فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله r ليصحبه ’ وعلف راحلتين كانتا عنده ’ وأخذ يتعهدهما بالرعاية أربعة أشهر .
وفى هذه الأثناء رأت قريش أن رسول الله r صارت له شيعة وأصحاب غيرهم بغير بلدهم ’ فحذروا خروج رسول الله r إليهم وخافوا أن يكون قد أجمع لحربهم .
فاجتمعوا له فى دار الندوة ( وهى دار قصى ابن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمراً إلا فيها ) يتشاورون فيما يصنعون بأمر رسول الله r ’ فاجتمع رأيهم أخيراً على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شاباً جلداً ’ ثم يعطى كل منهم سيفاً صارما ’ ثم يعمدوا اليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ’ كى لا تقدر بنو عبد مناف على حربهم جميعاً ’ وضربوا لذلك ميعاد يوم معلوم فأتى جبريل عليه السلام رسول الله r يأمره بالهجرة ’ وينهاه أن ينام فى مضجعه تلك الليلة .
قالت عائشة رضى الله عنها فيما يروى البخارى : فبينما نحن يوماً جلوس فى بيت أبى بكر فى حر الظهيرة ’ قال قائل لأبى بكر :( هذا رسول الله r متقنعاً ’ فى ساعة لم يكن يأتينا فيها ) فقال أبو بكر :( فداً أبى وأمى ’ والله ما جاء فى هذه الساعة إلا لأمر ) قالت : فجاء رسول الله r ’ فاستأذن ’ فأذن له ’ فدخل ’ فقال النبي r لأبى بكر : ( أخرج من عندك ) فقال أبة بكر :( إنما هم أهلك بأبى أنت يا رسول الله ) ’ قال رسول الله r :( فإنى قد أذن لى فى الخروج ) فقال أبو بكر : ( الصحبة يارسول الله ) ’ قال رسول الله r :( نعم ) فقال أبو بكر :( فخذ بأبى أنت يا رسول الله إحدى راحلتى ) ’ قال رسول الله r : ( بالثمن ) .
قالت عائشة : فجهزناهما أحث جهاز ’ وصنعنا لهما سفرة فى جراب ’ فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب ’ فبذلك سميت ذات النطاق .
وانطلق رسول الله r إلى علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه فأمره أن يتخلف بعده بمكة ريثما يؤدى عن رسول الله r الودائع التى كانت عنده للناس ’ إذ لم يكن أحد من أهل مكة له شىء يخشى عليه إلا استودعه عند رسول الله r لما يعلمون من صدقه وأمانته . وأمر أبو بكر غبنه عبد الله أن يتسمّع لهما ما يقوله الناس عنهما فى بياض النهار ’ ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون معه من أخبار . وأمر عامر ابن فهيرة ( مولاه) أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى إلى الغار ( غار ثور ) ليطعما من ألبانها ’وأمر أسماء بنته أن تأتيهما من الطعام بما يصلحهما فى كل مساء .
وروى ابن إسحاق والإمام أحمد ’ كلاهما عن يحى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير ’ عن أسماء بنت أبى بكر قالت : لما خرج رسول الله r وخرج معه أبو بكر ’ إحتمل أبو بكر ماله كله معه : خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم ’ قالت وانطلق بها معه ’ قالت : فدخل علينا جدى أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال : والله إنى لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ’ قالت : قلت :كلا يا أبت ’ إنه قد ترك لنا خيراً كيثراً ’ قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها فى كوة فى البيت الذى كان أبى يضع ماله فيها ’ ثم وضعت عليها ثوباً ’ ثم أخذت بيده ’ فقلت يا أبت ضع يدك على هذا المال ’ فقالت: فوضع يده عليه ’ قال : لابأس ’ إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن ’ وفى هذا بلاغ لكم . ولا والله ما ترك لنا شيئاً ولكنى أردت أن أسكت الشيخ بذلك .
ولما كانت عتمة تلك الليلة التى هاجر فيها النبى r أجتمع المشركون على باب رسول اله r يتربصون به ليقتلوه ’ ولكنه عليه الصلاة و السلام خرج من بينهم وقد ألقى الله عليهم سنة من النوم بعد أن ترك عليّاً رضى الله عنه فى مكانه نائماً على فراشه ’ وطمأنه بأنه لن يصل إليه أى مكروه
وانطلق رسول الله r وصاحبه أبو بكر إلى غار ثور ليقيما فيه ’ وكان ذلك على الراجح فى اليوم الثانى من ربيع الأول الموافق 20 أيلول سنة ( 622 م ) بعد أم مضى ثلاثة عشر سنة من البعثة ’ فدخل أبو بكر قبل رسول الله r فلمس الغار ’ لينظر أفيه سبع أو حيّة ’ يقى رسول الله صلى اله عليه وسلم بنفسه ’ فأقاما فيه ثلاثة أيام ’ وكان يبيت عندهما عبد الله ابن أبى بكر يخبرهما بأخبار مكة ’ ثم يدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها ’ وكان عامر ابن فهيرة يروح عليهما بقطيعه من الغنم ’ فإذا خرج من عندهما عبد الله تبع عامر أثره بالغنم كى لا يظهر لقدميه أثر .
أما المشركون فقد انطلقوا - بعد أن علموا بخروج رسول الله r - ينتشرون فى طريق المدينة يفتشون عنه فى كل المظان ’ حتى وصلوا إلى غار ثور ’ وسمع رسول الله r وصاحبه أقدام المشركين تخفق من حولهم فأخذ الروع أبا بكر وهمس يحدث النبى r : لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا ’ فأجابه عليه الصلاة و السلام :( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) ...
فأعمى الله أبصار المشركين حتى لم يحن لأحد منهم التفاتة الى ذلك الغار ولم يخطر ببال واحد منهم أن يتساءل عما يكون بداخله .
ولما انقطع الطلب عنهما خرج رسول الله r وأبا بكر ’ بعد أن جاءهما عبد الله ابن أرقط وهو من المشركين ’ كانا قد استأجراه ليدلهما على الطرق الخفية الى المدينة بعد أن اطمأنا إليه ’ وواعداه مع الراحلتين عند الغار ) فسارا متبعين طريق الساحل بإرشاد من عبد الله بن أرقط ’ وكان قد جعل مشركوا مكة لكل من أتى برسول الله r وأبى بكر رضى الله عنه ديّة كل منهما . وذات يوم ’ بينما كان جماعة من بنى مدلج فى مجلس لهم ’ وبينهم سراقة ابن جعشم ’ إذ اقبل إليهم رجل منهم فقال : إنى قد رأيت آنفاً أسودة بالساحل ’ أراها محمداً و أصحابه ’ فعرف سراقة أنهم هم ’ ولكنه أراد أن يثنى عزم غيره عن الطلب ’ فقال له : إنك قد رأيت فلاناً و فلانا ’ انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم . ثم لبث فى المجلس ساعة ’ وقام فركب فرسه ثم سار حتى دنا من رسول الله فعثرت به فرسه فخرّ عنها ’ ثم ركبها ثانية وسار حتى صار يسمع قراْءة النبى صلى اله عليه وسلم وهو لا يلتفت ’ وأبو بكر يكثر الالتفات ’ فساخت قائمتا فرس سراقة فى الأرض حتى بلغتا الركبتين ’ فخر عنها ثم زجرها حتى نهضت ’ فلم تكد تخرج قدميها حتى سطع لأثرهما غبار ارتفع فى السماء مثل الدخان ’ فعلم سراقة أنه ممنوع من رسول الله r ’ وداخله رعب عظيم ’ فناداهما بالأمان .فوقف رسول الله r ومن معه حتى وصل إليهم ’ فاعتذر إليه وساله أن يستغفر له ’ ثم عرض عليهما الزاد و المتاع ’ فقالا : لا حاجة لنا ’ ولكن عمّ عنا الخبر ’ فقال كفيتم .
ثم عاد سراقة أدراجه إلى مكة وهو يصرف أنظار الناس عن الرسول ومن معه بما يراه من القول
وهكذا انطلق إليهما فى الصباح جاهداً فى قتلهما ’ وعاد فى المساء يحرسهما ويصرف الناس عنهما .
قدوم قباء
ووصل رسول الله r قباء ’ فاستقبله من فيها بضعة أيام نازلاً على كلثوم ابن هدم ’ حيث أدركه فيها على رضى الله عنه بعد أن أدى عنه الودائع إلى أصحابها ’ وأسس النبى r هناك مسجد قباء ’ وهو المسجد الذى وصفه الله بقوله {000 لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (108) سورة التوبة .
ثم واصل سيره إلى المدينة فدخلها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول على ما ذكره المؤر خون فالتف حوله الأنصار ’ كل يمسك زمام راحلته يرجوه النزول عنده فكان r يقول لهم : دعوها فإنها مأمورة فلم تزل راحلته تسير فى فجاج المدينة وسككها حتى وصلت الى مربد لغلامين يتيمين من بنى النجار أمام دار أبى أيوب الأنصارى ’ فقال النبى r :( ههنا المنزل إن شاء الله ) وجاء أبو أيوب فاحتمل الرحل إلى بيته ’ وخرجت ولائد من بنى النجار - فيما يرويه ابن هشام - فرحات بمقدم رسول الله r ’ وجواره لهن ’ وهنّ ينشدنّ
نحن جوار بنى النجار يا حبذا محمد من جار
فقال عليه السلام لهنّ : ( أتحببننى ؟ ) فقلن : نعم فقال : الله يعلم أن قلبى يحبكنّ )
صورة عن مقام النبى r فى دار أبى أيوب :
روى أبو بكر ابن أبى شيبة وابن إسحاق و الإمام أحمد ابن حنبل من طرق متعددة بألفاظ متقاربة أن أبا أيوب رضى الله عنه قال وهو يحدث عن أيام رسول الله r عنده : لما نزل رسول الله r فى بيتى فى أسفل البيت وأنا وأم أيوب فى العلو ’ فقلت له : يانبى الله بأبى أنت و أمى إنى لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى ’ فاظهر أنت فكن فى الأعلى ’ وننزل نحن نكون فى السفل ’ فقال : يا أبا أيوب ’ إنه لأرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون فى أسفل البيت .
قال : فكان رسول الله r فى سفله وكنا فوقه فى المسكن ’ ولقد انكسرت جرّة لنا فيها ماء يوما ’ فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ’ ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء ’ تخوفاً أن يقطر على رسول الله r منه شىء فيؤذيه ’ فنزلت إليه وأنا مشفق ’ فلم أزل أستعطفه حتى أنتقل إلى العلو . قال : وكنا نضع له العشاء ’ ثم نبعث به إليه ’ فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغى بذلك البركة ’ حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له بصلاً وثوماً ’ فرده رسول الله r ولم أر ليده فيه أثر ’ فجئته فزعاً فقلت يا رسول الله بأبى أنت و أمى ’ رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك ’ وكنت حينما ترد علينا فضل طعامك أتيمم أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغى بذلك البركة ’ فقال : إنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة ’ وأنا رجل أناجى ’ فأما أنتم فكلوه ’ قال : فأكلناه ’ ثم لم نضع فى طعامه شيئاً من الثوم أو البصل بعد .
العبر و العظات :
تحدثنا فى فصل سابق ’ عن معنى الهجرة فى الإسلام ’ عند تعليقنا على هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة ’ وقلنا إذ ذاك ما خلاصته : إن الله عز وجل جعل قداسة الدين و العقيدة فوق كل شىء ’ فلا قيمة للأرض و الوطن و المال و الجاه إذا كانت العقيدة وشعائر الدين مهددة بالحرب و الزوال ’ ولذا فرض الله على عباده أن يضحوا بكل ذلك - إذا اقتضى الأمر - فى سبيل العقيدة و الإسلام .
وقلنا أيضا أن سنة الله تعالى فى الكون اقتضت أن تكون القوى المعنوية التى تتمثل فى العقيدة السليمة و الدين الحق هى المحافظة للمكاسب و القوى المادية ’ فمهما كانت الأمة غنية فى خلقها السليم متمسكة بدينها الصحيح فإن سلطانها المادى المتمثل فى الوطن والمال و العزة يغدو أكثر تماسكاً وأرسخ بقاءاً وأمنع جانباً . ومهما كانت فقيرة فى أخلاقها مضطربة تائهة فى عقيدتها فإن سلطانها المادى المتمثل فيما ذكرناه يغدو أقرب إلى الاضمحلال و الزوال ’ وقلنا إن التاريخ أعظم شاهد على ذلك .
ولذلك شرع الله عز وجل مبدأ التضحية بالمال و الأرض فى سبيل العقيدة و الدين عندما يقتضى الأمر ’ فبذلك يضمن المسلمون لأنفسهم المال و الطن و الحياة ’ وإن بدا لأول وهلة أنهم تعروا عن كل ذلك وفقدوه
وحسبنا دليلاً على هذه الحقيقة هجرة رسول الله r من مكة إلى المدينة ’ لقد كانت بحسب الظاهر تركاً للوطن وتضييعاً له ’ ولكنه كان فى واقع الأمر حفاظاً عليه وضمانة له ’ ورب مظهر من مظاهر الحفاظ على الشىء يبدو فى صورة الترك و الإعراض عنه فقد عاد بعد بضع سنين من هجرته هذه - بفضل الدين الذى أقام صرحه ودولته - إلى وطنه الذى أخرج منه ’ عزيز الجانب ’ منيع القوة ’ دون أن يستطيع أحد من أولئك الذين تربصوا به ولاحقوه بقصد القتل أن يدنوا إليه بأى سوء ...
ولنعد الآن الى التأمل فيما سردناه من قصة هجرته r لنستنبط منها الدلالات والأحكام الهامة لكل مسلم :
1- من أبرز ما يظهر لنا من قصة هجرة الرسول r ’ استبقاؤه لأبى بكر رضى الله عنه دون غيره من الصحابة كى يكون رفيقه فى هذه الرحلة .
وقد استنبط العلماء من ذلك مدى محبة الرسول r لأبى بكر وأنه أقرب الصحابة إليه وأولاهم بالخلافة من بعده ’ ولقد عززت هذه الدلالات أموراً كيثرة أخرى مثل استخلافه له فى الصلاة بالناس عند مرضه وإصراره على أن لا يصلى عنه غيره ’ ومثل قوله فى الحديث الصحيح :( لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا )
ولقد كان أبو بكر رضى الله عنه - كما رأينا - على مستوى هذه المزية التى أكرمه اله بها ’ فقد كان مثال الصاحب الصادق بل و المضحى بروحه وبكل ما يملك من أجل رسول الله r ’ ولقد رأينا كيف أبى إلا أن يسبق رسول الله فى دخول الغار كى يجعل من نفسه فداءاً له عليه الصلاة و السلام فيما إذا كان فيه سبع أو حية أو أى مكروه ينال الإنسان منه الأذى ’ ورأينا كيف جند أمواله وأولاده ومولاه وراعى أغنامه فى سبيل خدمة رسول الله r فى هذه الرحلة الشاقة الطويلة . ولعمرى إن هذا ما ينبغى أن يكون عليه شأن كل مسلم آمن بالله ورسوله ’ ولذا يقول رسول الله صلى اله عليه وسلم :( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده و الناس أجمعين )
2- قد يخطر فى بال المسلم أن يقارن بين هجرة عمر ابن الخطاب رضى الله عنه وهجرة النبى r ويتساءل : لماذا هاجر عمر علانية متحدياً المشركين دون أى خوف ووجل ’ على حين هاجر رسول الله مستخفياً محتاطاً لنفسه ؟ أيكون عمر ابن الخطاب أشد جرأة من النبى r ؟
و الجواب أن عمر ابن الخطاب أو أى مسلم آخر غير رسول الله r يعتبر تصرفه تصرفاً شخصياً لا حجة تشريعية فيه ’ فله أن يتخير من الطرق و الوسائل و الأساليب ما يحلو له وما يتفق مع قوة جرأته وإيمانه بالله تعالى ’ أما رسول الله r فهو مشرّع ’ أى أن جميع تصرفاته المتعلقة بالدين تعتبر تشريعاً لنا ’ ولذلك كانت سنته هى المصدر الثانى من مصادر التشريع الإسلامى مجموع أقواله و أفعاله وصفاته وتقريره ’ فلو أنه فعل كما فعل عمر ’ لحسب الناس أن هذا هو الواجب ! ... وأنه لايجوز أخذ الحيطة و الحذر ’والتخفى عند الخوف ’ مع أن الله عز وجل أقام شريعته فى هذه الدنيا على مقتضى الأسباب و المسببات ’وإن كان الواقع الذى لا شك فيه أن ذلك بتسبيب الله تعالى و إرادته ’ لأجل ذلك غستعمل رسول الله r كل الأسباب المادية التى يهتدى إليها العقل البشرى فى مثل هذا العمل ’ حتى لم يترك وسيلة من هذه الوسائل إلا اعتد بها واستعملها ’ فترك على ابن أبى طالب ينام فى فراشه ويتغطى ببرده ’ واستعان بأحد المشركين - بعد أن أمنه- ليدله على الطرق الفرعية التى قد لا تخطر فى بال الأعداء ’ وأقام فى الغار ثلاثة أيام متخفياً ’ إلى آخر ما عبأه من الاحتياطات المادية التى قد يفكر بها العقل ’ ليوضح بذلك أن الإيمان بالله عز وجل لا ينافى استعمال الأسباب المادية التى أرادت حكمة الله تعالى أن تكون أسباباً .
وليس قيامه بذلك بسبب خوف فى نفسه ’ أو شك فى إمكان وقوعه فى قبضة المشركين قبل وصوله المدينة ’ والدليل على ذلك أنه عليه الصلاة و السلام بعد أن استنفد الأسباب المادية كلها ’ وتحلق المشركون حول الغار الذى يختبىء فيه رسول الله r وصاحبه - بحيث لو نظر احدهم عند قدمه لأبصر الرسول r - استبد الخوف بابى بكر رضى الله عنه على حين كان يطمئنه عليه الصلاة و السلام قائلاً : يا أبا بكر : ما ظنك بإثنين الله ثالثهما ) ولقد كان من مقتضى اعتماده على كل تلك الاحتياطات أن يشعر بشىء من الخوف و الجزع فى تلك الحال .
لقد كان كل ما فعله من تلك الاحتياطات إذاً وظيفة تشريعية قام بها ’ فلما انتهى من أدائها ’ عاد قلبه مرتبطاً بالله تعالى معتمداً على حمايته وتوفيقه ’ ليعلم المسلمون أن الاعتماد فى كل أمر لا ينبغى أن يكون إلا على الله عز وجل ’ ولكن لا ينافى ذلك احترام الأسباب التى جعلها الله فى هذا الكون أسباباً . ومن أبرز الأدلة على هذا الذى نقوله أيضاً ’ حالته r عندما لحق به سراقة يريد قتله وأصبح على مقربة منه ’ لقد كان من مقتضى تلك الاحتياطات الهائلة التى قام بها أن يشعر بشىء من الخوف من هذا الذى يجد فى اللحاق به بل كان مستغرقاً فى قراءته ومناجاته ربه لأنه يعلم أن الله الذى أمره بالهجرة سيمنعه من الناس ويعصمه من شرهم كما بين فى كتابه المبين .
3- وفى تخلف علىّ رضى الله عنه عن النبى r فى أداء الودائع التى كانت عنده الى أصحابها دلالة باهرة على التناقض العجيب الذى كان المشركون واقعين فيه ’ ففى الوقت الذى كانوا يكذبونه ويرونه ساحراً أو مخادعاً لم يكونوا يجدون من حولهم من هو خير منه أمانة وصدقاً ’ فكانوا لا يضعون حوائجهم وأموالهم التى يخافون عليها إلا عنده ...! وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم فى صدقه ’ وإنما هو بسبب تكبرهم واستعلائهم على الحق الذى جاء به وخوفاً على زعامتهم وطغيانهم .
4- ثم إننا نلمح فى النشاط الذى كان يبذله عبد الله ابن أبى بكر رضى الله عنه ’ ذاهباً آيباً بين الغار ومكة ’ يتحسس الأخبار و ينقلها الى رسول الله r وأبيه ’ وفيما عمدت إليه أخته أسماء رضى الله عنها من الجد فى تهيىء الزاد و الراحلة واشتراكها فى إعداد العدة لتلك الرحلة - نلمح فى ذلك صورة مما يجب أن يكون عليه الشباب المسلم ذكوراً وإناثاً فى سبيل الله عز وجل ومن أجل تحقيق مبادىء الإسلام وإقامة المجتمع المسلم ’ فلا يكفى أن يكون الإنسان منطوياً على نفسه مقتصراً على عباداته ’ بل عليه ان يستنفد طاقاته وأوجه نشاطه كلها سعياً فى سبيل الإسلام ’ وتلك هى مزية الشباب فى حياة الإسلام و المسلمين فى كل زمن وعصر .
وإذا تأملت فيمن كان حول رسول الله r إبان دعوته وجهاده ’ وجدت أن أغلبيتهم العظمى كانوا شباباً لم يتجاوزوا المرحلة الأولى فى عمر شبابهم ’ ولم يألوا جهداً فى تجنيد طاقاتهم وقوتهم من أجل نصرة الإسلام وإقامة مجتمعه .
5- أمّا ما حدث لسراقة وفرسه وهو يلحق لبرسول الله r فينبغى أن لا يفوتنا أنها معجزة خارقة لرسول الله r اتفق أئمة الحديث على صحتها ونقلها وفى مقدمتهم البخارى ومسلم ’ فأضفها إلى معجزاته الأخرى التى سبق الحديث عنها فيما مضى .
6- ومن أبرز المعجزات الخارقة فى قصة هجرته عليه الصلاة و السلام خروجه r من بيئته وقد أحاط به المشركون يتربصون به ليقتلوه ’ فقد علق النوم بأعينهم جميعاً حتى لم يحس به أحد منهم ’ وكان من تتمة السخرية بتآمرهم على حياته ما امتلأت به رؤسهم من التراب الذى ألقاه رسول الله r على رؤوسهم إذ خرج من بينهم وهو يتلو قوله تعالى :( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون )
لقد كانت هذ ه المعجزة بمثابة إعلان لهؤلاء المشركين وغيرهم فى كل عصر ووقت ’ بأن ما قد يلاقيه الرسول وصحبه من ألوان الاضطهاد و العذاب على أيديهم مدة من الزمن فى سبيل دينه ’ لا يعنى أنه قد تخلى عنهم وأن النصر قد ابتعد عن متناولهم ’ فلا ينبغى للمشركين وعامة أعداء الدين أن يفرحوا ويستبشروا بذلك ’ فإن نصر الله قريب وإن وسائل هذا النصر توشك أن تتحقق بين كل لحظة وأخرى
7- وتكشف الصورة التى استقبلت بها المدينة المنورة رسول الله r عن مدى المحبة الشديدة التى كانت تفيض بها أفئدة الأنصار من أهل المدينة رجالاً و نساءاً وأطفالاً ’ لقد كانوا يخرجون كل يوم إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت لفح الشمس وصول رسول الله r إليهم ’ حتى إذا هبّ النهار ليدبر ’ عادوا أدراجهم ليعودوا إلى الانتظار صباح اليوم التالى ’ فلما طلع الرسول عليهم جاشت العواطف فى صدورهم وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد و الأهازيج فرحاً لمرآه عليه الصلاة و السلام ومقدمه عليهم ’ ولقد بادلهم رسول الله صلى اله عليه وسلم نفس المحبة ’ حتى إنه جعل ينظر إلى ولائد بنى النجار من حوله ’ وهنّ ينشدنّ ويتغنين بمقدمه ’ قائلاً : أتحببننى ؟ والله إن قلبى ليحبكنّ
يدلنا كل ذلك أن محبة رسول اله r ليست فى مجرد الإتباع له ’ بل المحبة له هى أساس الإتباع وباعثه ’ فلولا المحبة العاطفية فى القلب لما وجد وازع يحمل على الإتباع فى العمل .
ولقد ضل قوم حسبوا أن محبة رسول الله r ليس لها معنى إلا الإتباع و الإقتداء وفاتهم أن الإقتداء لا يأتى إلا بوازع ودافع ’ ولن تجد من وازع يحمل على الإتباع إلا المحبة القلبية التى تهز المشاعر وتستبد بالعواطف ’ ولذلك جعل رسول الله r مقياس الإيمان بالله امتلاء القلب بمحبته r ’ بحيث تغدو متغلبة على محبة الولد والوالد و الناس أجمعين ’ وهذا يدل على أن محبة رسول الله r من جنس محبة الولد و الوالد أى مصدر كل منهما العاطفة و القلب وإلا لم تصح المقارنة و التفضيل بينهما .
8- أما الصورة التى رأيناها فى مقامه r عند أبى أيوب الأنصارى فى منزله ’ فتكشف لنا مظهر آخر من مظاهر محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه والسلام له .
والذى يهمنا من ذلك هنا ’ هو التأمل فى تبرك أبو أيوب وأم أيوب ’ بآثار أصابع رسول الله r فى قطعة الطعام ’ حينما كان يرد عليهما فضل طعامه ’ إذاً فالتبرك بآثار النبى r مشروع قد أقره r .
وقد روى البخارى ومسلم صوراً كثيرة من تبرك الصحابة بآثار النبى r و التوسل بها للإستشفاء أو العناية و التوفيق وما شابه ذلك .
من ذلك ما رواه البخارى فى كتاب اللباس ’ فى باب ما يذكر فى الشيب ’ من أن أم سلمة زوج النبى r كانت تحتفظ بشعرات من شعر النبى r فى جلجل لها ( ما يشبه القارورة يحفظ فيه ما يراد صيانته ) فكان إذا أصاب أحد من الصحابة عين أو أذى أرسل إليها إناء فيه ماء ’ فجعلت الشعرات فى الماء ’ ثم أخذوا الماء يشربونه توسلا للاستشفاء و التبرك به .
ومن ذلك ما رواه مسلم فى كتاب الفضائل باب ( طيب عرقه r ) أنه عليه الصلاة و السلام كان يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست هى فى البيت ’ فجاء ذات يوم فنام على فراشها ’ فجاءت أم سليم وقد عرق رسول الله r واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش ففتحت عتيدها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره فى قواريرها ’ فأفاق النبى r فقال: ما تصنعين يا أم سليم ؟ فقالت يا رسول الله : نرجو بركته لصبياننا ’ قال : أصبت )
ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين من استباق الصحابة إلى فضل وضوئه r و التبرك بالكثير من آثاره كألبسته و القدح الذى كان يشرب به .
فإذا كان هذا شأن التوسل بآثاره المادية فكيف بالتوسل بمنزلته عند اللع عز وجل وكيف بالتوسل بكونه رحمة للعالمين ؟
ولا يذهبن بك الوهم إلى أننا نقيس التوسل على التبرك ’وأن المسألة لا تعدو أن تكون استدلالا بالقياس ’ فإن التوسل و التبرك كلمتان تدلان على معنى واحد وهو التماس الخير و البركة عن طريق المتوسل به . وكل من التوسل بجاهه r عند الله و التوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه ’ أفراد وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذى ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة ’ وكل الصور الجزئية له يدخل تحت عموم النص بواسطة ما يسمى ب ( تنقيح المناط ) عند علماء الأصول .
ولنكتف من تعليقنا على قصة هجرته r عند هذا القدر ’ لنتحدث بعد ذلك عن الأعمال الجليلة التى بدأ يقوم بها r فى المجتمع الجديد فى المدينة المنورة .
[1] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftnref1) - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَقْدَانِ الْقُرَشِيِّ - وَكَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ السَّعْدِيِّ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ.صحيح ابن حبان - (ج 11 / ص 208) (4866) صحيح
[2] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftnref2) - صحيح البخارى (2783 ) وصحيح مسلم (4938)عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما
[3] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftnref3) - صحيح البخارى(3852 )
[4] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftnref4) - انظر موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2364)
[5] (http://hanialrefai.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=30#_ftnref5) - انظر موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2333)