مشاهدة النسخة كاملة : مشاهير الصحابة رضي الله عنهم


azoz
11-28-2008, 01:25 AM
مشاهيرُ الصَّحابةِ رضيَ اللهُ عنهم

جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنَّة

علي بن نايف الشحود



(( حقوق الطبع متاحة للهيئات العلمية والخيرية ))


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه الغر الميامين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فإن الله تعالى قد ختم الرسالات السماوية برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث قال تعالى : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48) سورة المائدة
وجعل أتباعه خير الأتباع ، حيث قال تعالى : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } (110) سورة آل عمران
ووصفهم الحق تبارك وتعالى بقوله : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (29) سورة الفتح
"إِن مُحمداً صلى الله عليه وسلم رَسُولُ اللهِ حَقّاً وَصِدْقاً ، بِلاَ شَكٍّ وَلاَ رَيبٍ ، وَإِنَّ أصْحَابَهُ يَتَّصِفُونَ بالصِّفَاتِ الجَمِيلةِ الحَسَنةِ ، فَهُمْ أشِدَّاءٌ غِلاَظُ القُلُوبِ عَلَى الكُفارِ ، وَهُمْ رُحَماءُ مُتَوَادُّونَ فيما بَيْنَهم يَرَاهُم النَّاظِرُ إليهِمْ دَائِبينَ عَلَى أدَاءِ الصَّلاةِ ، مُخْلِصِينَ فيها للهِ ، مُحْتَسِبينَ أجْرَهَا عِنْدَ اللهِ ، يَبْتَغُونَ بِصَلاتِهِمْ رِضَا اللهِ وَرِضْوَانَهُ ، تَتْرُكُ نُفُوسُهُمُ المُطْمَئِنَّةُ أَثَراً عَلَى وُجُوهِهِمْ ، فَهِي هَادِئَةٌ مُطْمَئِنَّةٌ مَسْتَبْشِرَةٌ ، وَهَذِهِ هِيَ صِفَاتُ المُؤمِنينَ المُخْلِصِينَ في التورَاةِ . وَجَاءَ وَصْفُهُمْ في الإِنجيلِ أَنَّ أتْبَاعَ مُحَمَّدٍ سَيَكُونُونَ قَليلينَ ثُمَّ يَزْدَادُونَ وَيكْثُرُونَ وَيَسْتَغْلظُونَ كَزَرْعٍ أخْرَجَ مُحَمَّدٍ سَيَكُونُونَ قَلِيلينَ ثُمَّ يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ وَيَسْتَغْلظُونَ كَزَرْعٍ أخْرَجَ فُروعَهُ ( شَطْأهُ ) التي تَتَفَرَّعُ مِنْهُ عَلَى جَوَانِبِهِ ، فَيَقْوى وَيَتَحَوَّلُ من الدِّقَّةِ إِلى الغِلْظَةِ ، وَيَسْتَقيمُ عَلَى أصُولِهِ فَيُعْجَبُ بِهِ الزَّراعِ لِخِصْبِهِ ، وَقُوَّتِهِ ، وَحُسْنِ مَظْهَرِهِ ، وَقَدْ نَمَّاهُمُ اللهُ وأكْثَرَ عَدَدَهُم لِيَغِيظَ بهم الكُفَّارَ ، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنينَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ، العَامِلِينَ للصَّالِحَاتِ ، بأن يَغْفِرَ لَهُمْ ذُنُوبَهمْ ، وَأنْ يُجْزِلَ لَهُمُ الأجْرَ والعَطَاءَ ، وبِأنْ يُدْخِلَهُمْ جَنَّاتِهِ ، وَاللهُ لاَ يُخْلِفَ وَعْدَهُ أبَداً ".
هذا الجيل المثالي الذي لم تتشرف البشرية بمثله عبر تاريخها الطويل ، هو المثل الأعلى ، والقدوة الحسنى ، والحكم الفصل لكل من جاء بعدهم ، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو. قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"َإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَتفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ ، إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً . قَالُوا : وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي". رواه الترمذي (2853 ) وهو صحيح لغيره
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:اللَّهَ ، اللَّهَ فِي أَصْحَابِي ، اللَّهَ ، اللَّهَ فِي أَصْحَابِي ، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي ، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ ، فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ.أخرجه الترمذي (4236) وهو حديث حسن
وقال الخطيب في الكفاية : بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْدِيلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِلصَّحَابَةِ , وَأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ لِلسُّؤَالِ عَنْهُمْ , وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيمَنْ دُونَهُمْ كُلُّ حَدِيثٍ اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ بَيْنَ مَنْ رَوَاهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , لَمْ يَلْزَمِ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَةِ رِجَالِهِ , وَيَجِبُ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِهِمْ , سِوَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , لِأَنَّ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ ثَابِتَةٌ مَعْلُومَةٌ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ لَهُمْ وَإِخْبَارِهِ عَنْ طَهَارَتِهِمْ , وَاخْتِيَارِهِ لَهُمْ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ , فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ , وَقَوْلُهُ : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا , وَهَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَالْمُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ , وَقِيلَ : وَهُوَ وَارِدٌ فِي الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ , وَقَوْلُهُ : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا , وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحسان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ , وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ , وَقَوْلُهُ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ , وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قِبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ , فِي آيَاتٍ يَكْثُرُ إِيرَادُهَا وَيَطُولُ تَعْدَادُهَا , وَوَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّحَابَةَ مِثْلَ ذَلِكَ , وَأَطْنَبَ فِي تَعْظِيمِهِمْ , وَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ , فَمِنَ الْأَخْبَارِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى "
ومذهب أهل السنة والجماعة فيهم وسط بين طرفيها الإفراط والتفريط، وسط بين المفرطين الغالين، الذين يرفعون من يعظمون منهم إلى ما لا يليق إلا بالله أو برسله، وبين المفرِّطين الجافين الذين ينقصونهم ويسبونهم، فهم وسط بين الغلاة والجفاة، يحبونهم جميعا وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، فألسنتهم رطبة بذكرهم بالجميل اللائق بهم وقلوبهم عامرة بحبهم وما صح فيما جرى بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون إما مصيبون فلهم أجر الاجتهاد والإصابة، وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور، وليسوا معصومين بل هم بشر يصيبون ويخطئون ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم ولهم من الله المغفرة والرضوان، وكتب أهل السنة مملوءة ببيان هذه العقيدة الصافية النقية في حق هؤلاء الصفوة المختارة من البشر لصحبة خير البشر - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم أجمعين .
وفي هذا الكتاب قد جمعت ترجمة كبار ائمة الصحابة ومشاهيرهم ، بدءا بالعشرة المبشرين بالجنة ، وركزت فيه على مواطن العظة والاعتبار ، وقد جمعته من مواقع كثيرة جدا ، ولا سيما الشيكة الإسلامية ،وغيرها ، وقد ذكرت مصادر الترجمة معها في الغالب بأولها أو بآخرها .
وتركتها كما هي إلا في بعض المواضع التي تقتضي ذلك ، وعسى أن نعود إليها يوما فنزيدها بحثاً وتحقيقاً ، وإلا قام بذلك غيرنا .
ومن خلال هذه التراجم المنتقاة نأخذ تصورا شاملاً عن ذلك الجيل الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورعاه .
فقد حملوا راية الإسلام خفاقة ، ونشروها في كل مكان ، وروَّوا الأرض بدمائهم ، وبذلوا الغالي والنفيس ، حتى وصل إلينا الإسلام خالصاً سلسبيلا .
فرضي الله عنهم ورفع مقامهم في الدرين .
قال تعالى : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) } [الحشر/8، 10]
هذا وقد جمعت الشبهات التي قيلت عن الخلفاء الراشدين ، ورددتها من قبل ، وهو موجود في مكتبة صيد الفوائد ومشكاة .
وكذلك جمعت كتابا كبيرا حول الفتنة ونشرته في صيد الفوائد ومشكاة ، وأنا بصدد مراجعته وتعديله .
وهناك كتاب قيد الإعداد وهو المفصل في فضائل الصحابة يسَّر الله إكماله.
أسأل الله تعالى أن ينفع به جامعه ، وناشره ، وقارئه والدال عليه في الدارين ، وأن يحشرنا معهم تحت حوض المصطفى صلى الله عليه وسلم جميعاً
حمعه وأعده
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
25 شعبان 1429 هـ الموافق ل 27/8/2008 م
!!!!!!!!!!!!!!!


خليفة رسول الله r أبو بكر الصديق

إنه الصديق أبو بكر -رضي الله عنه-، كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة بن عثمان بن عامر فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، فهو عبد الله بن أبي قحافة، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر.
ولد في مكة بعد ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين ونصف، وكان رجلاً شريفًا عالمًا بأنساب قريش، وكان تاجرًا يتعامل مع الناس بالحسنى.
وكان أبو بكر صديقًا حميمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :، وبمجرد أن دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم للإسلام أسرع بالدخول فيه، واعتنقه؛ لأنه يعلم مدى صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأمانته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم :"ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر
ما عكم (ما تردد) عنه حين ذكرته ولا تردد فيه"[ابن هشام].
وجاهد أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم فاستحق بذلك ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم عليه إذ يقول: "لو كنت متخذًا خليلا؛ لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي" [البخاري].
ومنذ أعلن أبو بكر الصديق إسلامه، وهو يجاهد في سبيل نشر الدعوة، فأسلم على يديه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة وهم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف-رضي الله عنه-.
وكانت الدعوة إلى الإسلام في بدايتها سرية، فأحب أبو بكر أن تمتلئ الدنيا كلها بالنور الجديد، وأن يعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك على الملأ من قريش، فألح أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يذهب إلى الكعبة، ويخاطب جموع المشركين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بالصبر وبعد إلحاح من أبي بكر، وافق النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهب أبو بكر عند الكعبة، وقام في الناس خطيبًا ليدعو المشركين إلى أن يستمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم :، فكان أول خطيب يدعو إلى الله، وما إن قام ليتكلم، حتى هجم عليه المشركون من كل مكان، وأوجعوه ضربًا حتى كادوا أن يقتلوه، ولما أفاق -رضي الله عنه- أخذ يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يطمئن عليه، فأخبروه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير والحمد لله، ففرح فرحًا شديدًا.
وكان أبو بكر يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يستطيع، فذات يوم بينما كان أبو بكر يجلس في بيته، إذ أسرع إليه رجل يقول له أدرك صاحبك. فأسرع -رضي الله عنه-؛ ليدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده يصلي في الكعبة، وقد أقبل عليه عقبة بن أبي معيط، ولف حول عنقه ثوبًا، وظل يخنقه، فأسرع -رضي الله عنه- ودفع عقبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟! فالتفت المشركون حوله وظلوا يضربونه حتى فقد وعيه، وبعد أن عاد إليه وعيه كانت أول جملة يقولها: ما فعل رسول الله؟
وظل أبو بكر-رضي الله عنه-يجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ويتحمل الإيذاء في سبيل نشر الإسلام، حتى أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، حتى إذا بلغ مكانًا يبعد عن مكة مسيرة خمس ليال لقيه ابن الدغنة أحد سادات مكة، فقال له: أين تريد يا أبا بكر ؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرج، أنا لك جار (أي أحميك)، ارجع، واعبد ربك ببلدك، فرجع أبو بكر-رضي الله عنه- مع ابن الدغنة، فقال ابن الدغنة لقريش: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يخرج، فقالوا له: إذن مره أن يعبد ربه في داره ولا يؤذينا بذلك، ولا يعلنه، فإنا نخاف أن يفتن نساءنا وأبناءنا، ولبث أبو بكر يعبد ربه في داره.
وفكر أبو بكر في أن يبني مسجدًا في فناء داره يصلي فيه ويقرأ القرآن، فلما فعل ذلك أخذت نساء المشركين وأبناؤهم يقبلون عليه، ويسمعونه، وهم معجبون بما يقرأ، وكان أبو بكر رقيق القلب، كثير البكاء عندما يقرأ القرآن، ففزع أهل مكة وخافوا، وأرسلوا إلى ابن الدغنة، فلما جاءهم قالوا: إنا كنا تركنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه في داره، وقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فإنهه، فليسمع كلامك أو يردَّ إليك جوارك.
فذهب ابن الدغنة إلى أبي بكر وقال له: إما أن تعمل ما طلبت قريش أو أن تردَّ إليَّ جواري، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت رجلاً عقدت له (نقضت عهده)، فقال أبو بكر في ثقة ويقين: فإن أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل.
وتعرض أبو بكر مرات كثيرة للاضطهاد والإيذاء من المشركين، لكنه بقي على إيمانه وثباته، وظل مؤيدًا للدين بماله وبكل ما يملك، فأنفق معظم ماله حتى قيل: إنه كان يملك أربعين ألف درهم أنفقها كلها في سبيل الله، وكان -رضي الله عنه- يشتري العبيد المستضعفين من المسلمين ثم يعتقهم ويحررهم.
وفي غزوة تبوك، حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة والإنفاق، فحمل أبو بكر ماله كله وأعطاه للنبي (، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: "هل أبقيت لأهلك شيئًا؟" فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، ثم جاء عمر -رضي الله عنه- بنصف ماله فقال له الرسول: "هل أبقيت لأهلك شيئًا؟" فقال نعم نصف مالي، وبلغ عمر ما صنع أبو بكر فقال "والله لا أسبقه إلى شيء أبدًا" [الترمذي].
فقد كان رضي الله عنه يحب رسول الله حبًّا شديدًا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبادله الحب، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: أي الناس أحب إليك؟ فقال: "عائشة" فقيل له: من الرجال، قال: "أبوها" [البخاري]. وكان -رضي الله عنه- يقف على جبل أُحُد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهما عمر، وعثمان-رضي الله عنهما-، فارتجف الجبل، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : "اسكن أحد، فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان" [البخاري].
ولما وقعت حادثة الإسراء والمعراج، وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الناس بأنه قد أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء السابعة، قال المشركون: كيف هذا، ونحن نسير شهرًا حتى نصل إلى بيت المقدس؟! وأسرعوا إلى أبي بكر وقالوا له: إن صاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس! فقال أبو بكر: إن كان قال ذلك فقد صدق، إني أصدقه في خبر السماء يأتيه.
فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم منذ تلك اللحظة (الصِّدِّيق).[ابن هشام]، كذلك كان أبو بكر مناصرًا للرسول ومؤيدًا له حينما اعترض بعض المسلمين على صلح الحديبية.
وحينما أذن الله تعالى لرسوله بالهجرة، اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون رفيقه في هجرته، وظلا ثلاثة أيام في غار ثور، وحينما وقف المشركون أمام الغار، حزن أبو بكر وخاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم :، وقال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلي قدميه، لأبصرنا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : "ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما"[البخاري].
وشهد أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع الغزوات، ولم يتخلف عن واحدة منها، وعرف الرسول صلى الله عليه وسلم فضله، فبشره بالجنة وكان يقول: "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة"[الترمذي].
وكان أبو بكر شديد الحرص على تنفيذ أوامر الله، فقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم يقول: من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "إنك لست تصنع ذلك خيلاء" [البخاري]. وكان دائم الخوف من الله، فكان يقول: لو إن إحدى قدميّ في الجنة والأخرى خارجها ما آمنت مكر ربي (عذابه).
ولما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، اجتمع الناس حول منزله بالمدينة لا يصدقون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، ووقف عمر يهدد من يقول بذلك ويتوعد، وهو لا يصدق أن رسول الله قد مات، فقدم أبو بكر، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف الغطاء عن وجهه الشريف، وهو يقول: طبت حيًّا وميتًا يا رسول الله وخرج -رضي الله عنه- إلى الناس المجتمعين، وقال لهم: أيها الناس، من كان منكم يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، فإن الله تعالى قال: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) [آل عمران: 144].
ويسرع كبار المسلمين إلى السقيفة، ينظرون فيمن يتولى أمرهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم :، وبايع المسلمون أبا بكر بالخلافة بعد أن اقتنع كل المهاجرين والأنصار بأن أبا بكر هو أجدر الناس بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم :، ولم لا؟ وقد ولاه الرسول صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين في دينهم عندما مرض وثقل عليه المرض، فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" [متفق عليه].
وبعد أن تولى أبو بكر الخلافة، وقف خطيبًا في الناس، فقال:
"أيها الناس إن قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أريح (أزيل) علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، ولا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة؛ إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله؛ فلا طاعة لي عليكم.
وقد قاتل أبو بكر -رضي الله عنه- المرتدين ومانعي الزكاة، وقال فيهم: والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه ل رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. وكان يوصي الجيوش ألا يقتلوا الشيخ الكبير، ولا الطفل الصغير، ولا النساء، ولا العابد في صومعة، ولا يحرقوا زرعًا ولا يقلعوا شجرًا.
وأنفذ أبو بكر جيش أسامة بن زيد؛ ليقاتل الروم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختار أسامة قائدًا على الجيش رغم صغر سنه، وحينما لقى النبي صلى الله عليه وسلم ربه صمم أبو بكر على أن يسير الجيش كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخرج بنفسه يودع الجيش، وكان يسير على الأرض وبجواره أسامة يركب الفرس، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب أو أنزل. فقال: والله لا أركبن ولا تنزلن، ومالي لا أغبِّر قدمي في سبيل الله. وأرسل -رضي الله عنه- الجيوش لفتح بلاد الشام والعراق حتى يدخل الناس في دين الله.
ومن أبرز أعماله-رضي الله عنه-أنه أمر بجمع القرآن الكريم وكتابته بعد استشهاد كثير من حفظته.
وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة في السنة الثالثة عشرة من الهجرة، وعمره (63) سنة وغسلته زوجته أسماء بنت عميس حسب وصيته، ودفن إلى جوار الرسول صلى الله عليه وسلم .
وترك من الأولاد: عبد الله، وعبد الرحمن، ومحمد، وعائشة وأسماء، وأم كلثوم
-رضي الله عنهم-. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة حديث.
ــــــــــــــ
أبو بكر الصديق
نسبه
هو عبد اللّه بن عثمان بن عامر بن عَمْرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرَّة بن كعب بن لؤيّ القرشيّ التيميّ. يلتقي مع رسول اللّه في مُرَّة بن كعب.
أبو بكر الصديق بن أبي قُحَافة.
وأمه أم الخير سَلْمَى بنت صخر وهي ابنة عم أبي قحافة.
أسلم أبو بكر ثم أسلمت أمه بعده، وصحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
أبو بكر العتيق الصديق
لقب عَتِيقاً لعتقه من النار وعن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "أبو بكر عتيق اللّه من النار" فمن يومئذ سمي "عتيقاً".
قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: "إن اللّه تعالى هو الذي سمى أبا بكر على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صدِّيقاً" وسبب تسميته أنه بادر إلى تصديق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولازم الصدق فلم تقع منه هِنات ولا كذبة في حال من الأحوال.
وعن عائشة أنها قالت: "لما أسري بالنبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يحدِّث الناس بذلك فارتد ناس ممن كان آمن وصدق به وفتنوا به. فقال أبو بكر: إني لأصدقه في ما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبا بكر الصديق".
مواقفه فى بداية الدعوة
ولد أبو بكر سنة 573 م بعد الفيل بثلاث سنين تقريباً، وكان رضي اللّه عنه صديقاً لرسول اللّه قبل البعث وهو أصغر منه سناً بثلاث سنوات وكان يكثر غشيانه في منزله ومحادثته فلما أسلم آزر النبي صلى اللّه عليه وسلم في نصر دين اللّه تعالى بنفسه وماله.
كان أبو بكر رضي اللّه عنه من رؤساء قريش في الجاهلية محبباً فيهم مُؤلفاً لهم، وكان إذا عمل شيئاً صدقته قريش فلما جاء الإسلام سبق إليه، وأسلم من الصحابة على يديه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة وهم: عثمان بن عفان، والزُّبَير بن العوَّام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد اللّه
وكان أعلم العرب بأنساب قريش وما كان فيها من خير وشر. وكان تاجراً ذا ثروة طائلة، حسن المجالسة، عالماً بتعبير الرؤيا، وقد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية هو وعثمان بن عفان. ولما أسلم جعل يدعو الناس إلى الإسلام
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كَبْوَة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر رضي اللّه عنه ما عَلَمَ عنه حين ذكرته له" أي أنه بادر به.
ودفع أبو بكر عقبة بن أبي معيط عن رسول اللّه لما خنق رسول اللّه وهو يصلي عند الكعبة خنقاً شديداً. وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ}.
أول خطيب فى الإسلام
وقد أصاب أبا بكر من إيذاء قريش شيء كثير. فمن ذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما دخل دار الأرقم ليعبد اللّه ومن معه من أصحابه سراً ألح أبو بكر رضي اللّه عنه في الظهور،
فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: يا أبا بكر إنا قليل. فلم يزل به حتى خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن معه من الصحابة رضي اللّه عنهم وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس ودعا إلى رسول اللّه، فهو أول خطيب دعا إلى اللّه تعالى
فثار المشركون على أبي بكر رضي اللّه عنه وعلى المسلمين يضربونهم فضربوهم ضرباً شديداً. ووُطئ أبو بكر بالأرجل وضرب ضرباً شديداً. وصار عُتْبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين ويحرفهما إلى وجهه حتى صار لا يعرف أنفه من وجهه،
فجاءت بنو تيم يتعادَون فأجْلت المشركين عن أبي بكر إلى أن أدخلوه منزله ولا يشكُّون في موته، ثم رجعوا فدخلوا المسجد فقالوا: واللّه لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة، ثم رجعوا إلى أبي بكر وصار والده أبو قحافة وبنو تيم يكلمونه فلا يجيب حتى آخر النهار،
ثم تكلم وقال: ما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟
فعذلوه فصار يكرر ذلك
فقالت أمه: واللّه ما لي علم بصاحبك.
فقال: اذهبي إلى أم جميل فاسأليها عنه وخرجت إليها وسألتها عن محمد بن عبد اللّه،
فقالت: لا أعرف محمداً ولا أبا بكر ثم قالت: تريدين أن أخرج معك؟
قالت: نعم. فخرجت معها إلى أن جاءت أبا بكر فوجدته صريعاً
فصاحت وقالت: إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وإني لأرجو أن ينتقم اللّه منهم،
فقال لها أبو بكر رضي اللّه عنه: ما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟
فقالت: هذه أمك،
قال: فلا عَيْنَ عليك منها أي أنها لا تفشي سرك.
قالت: سالم هو في دار الأرقم.
فقال: واللّه لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
قالت أمه: فأمهلناه حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس خرجنا به يتكئ عليَّ حتى دخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرقَّ له رقة شديدة وأكب عليه يقبله وأكب عليه المسلمون كذلك
فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ما بي من بأس إلا ما نال الناس من وجهي، وهذه أمي برة بولدها فعسى اللّه أن يستنقذها من النار، فدعا لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ودعاها إلى الإسلام فأسلمت.
ولما اشتد أذى كفار قريش لم يهاجر أبو بكر إلى الحبشة مع المسلمين بل بقي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تاركاً عياله وأولاده
هجرته مع رسول الله صلى الله عليه و سلم
أقام مع رسول الله في الغار ثلاثة أيام؛ قال اللّه تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}.
ولما كانت الهجرة جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه إلى أبي بكر وهو نائم فأيقظه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: قد أذن لي في الخروج
قالت عائشة: فلقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح،
ثم خرجا حتى دخلا الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام. وأن رسول اللّه لولا ثقته التامة بأبي بكر لما صاحبه في هجرته فاستخلصه لنفسه. وكل من سوى أبي بكر فارق رسول اللّه، وإن اللّه تعالى سماه "ثاني اثنين".
قال رسول صلى اللّه عليه وسلم لحسان بن ثابت: "هل قلت في أبي بكر شيئاً؟" فقال: نعم.
فقال: "قل وأنا أسمع".
فقال:
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد * طاف العدوّ به إذ صعَّد الجبلا
وكان حِبِّ رسول اللّه قد علموا * من البرية لم يعدل به رجلاً
فضحك رسول اللّه حتى بدت نواجذه، ثم قال: "صدقت يا حسان هو كما قلت".
جهاده بنفسه و ماله
كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يكرمه ويجله ويثني عليه في وجهه واستخلفه في الصلاة، وشهد مع رسول اللّه بدراً وأُحداً والخندق وبيعة الرضوان بالحُدَيبية وخيبر وفتح مكة وحُنَيناً والطائف وتَبوك وحَجة الوداع. ودفع رسول اللّه رايته العظمى يوم تبوك إلى أبي بكر وكانت سوداء، وكان فيمن ثبت معه يوم أُحد وحين ولَّى الناس يوم حنين. وهو من كبار الصحابة الذين حفظوا القرآن كله.
وأعتق أبو بكر سبعة ممن كانوا يعذبون في اللّه تعالى وهم: بلال، وعامر بن فهيرة، وزِنِّيرة، والنَّهديَّة، وابنتها، وجارية بني مؤمّل، وأم عُبيس.
وكان أبو بكر إذا مُدح قال: "اللّهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم. اللّهم اجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون".
قال عمر رضي اللّه عنه: أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك مالاً عندي. فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته، فجئت بنصف مالي.
فقال: ما أبقيت لأهلك؟
قلت: مثله.
وجاء أبو بكر بكل ما عنده.
فقال: يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟
قال: أبقيت لهم اللّه ورسوله. قلت: لا أسبقه إلى شيء أبداً.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما نفعني مال أحد قطُّ ما نفعني مال أبي بكر"
فبكى أبو بكر وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول اللّه.
ونزل فيه وفي عمر: {وَشَاوِرْهم في الأمر} فكان أبو بكر بمنزلة الوزير من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكان يشاوره في أموره كلها.
مكانته عند رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً". رواه البخاري ومسلم.
عن عمرو بن العاص: أن النبي عليه السلام بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة.
فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها.
عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال : ‏كنت جالسا عند النبي ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏إذ أقبل ‏‏أبو بكر‏ ‏آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته ، فقال النبي ‏-‏صلى الله عليه وسلم-: ‏‏أما صاحبكم فقد ‏‏غامر ‏‏
فسلم وقال :( إني كان بيني وبين ‏‏ابن الخطاب ‏ ‏شيء ، فأسرعت إليه ثم ندمت ، فسألته أن يغفر لي ، فأبى علي فأقبلت إليك
فقال :( يغفر الله لك يا ‏أبا بكر ‏) ثلاثا ،
ثم إن ‏عمر ‏ندم ، فأتى منزل ‏أبي بكر ‏، ‏فسأل :( أثم ‏أبو بكر ‏) فقالوا :( لا )
فأتى إلى النبي ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏فسلم ، فجعل وجه النبي‏ -‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏يتمعر ، حتى أشفق ‏‏أبو بكر ،‏ ‏فجثا ‏‏على ركبتيه فقال :( يا رسول الله ، والله أنا كنت أظلم مرتين )
فقال النبي ‏-‏صلى الله عليه وسلم-:( ‏إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت ، وقال ‏ أبو بكر‏ ‏صدق ، وواساني بنفسه وماله ، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ) مرتين فما أوذي بعدها
فضائله رضى الله عنه
وعن أبي هريرة: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة"
وعن أبي هريرة: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان على حِرَاء هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير. فتحركت الصخرة فقال النبي عليه السلام: "اهدأ فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد" رواه مسلم.
وعن حذيفة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "اقتدوا باللذَين من بعدي أبي بكر وعمر" رواه الترمذي.
وعن ابن عمر: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بكر: "أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار" رواه الترمذي.
ومن فضائله رضي اللّه عنه:
أن عمر بن الخطاب كان يتعاهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل فيستقي لها ويقوم بأمرها. فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت. فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها فرصده عمر فإذا الذي يأتيها هو أبو بكر الصديق، وهو خليفة. فقال عمر: أنت هو لعمري.
خلافته
وفي أثناء مرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يصلي بالمسلمين ، وبعد وفاة الرسول الكريم بويع أبوبكر بالخلافة في سقيفة بني ساعدة ، وكان زاهدا فيها ولم يسع اليها ،
وبعد أن تمت بيعة أبي بكر بيعة عامة، صعد المنبر وقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه:
"أيها الناس قد وُلِّيت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكَذِب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء اللّه تعالى، لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم اللّه بالذل، أطيعوني ما أطعت اللّه ورسوله فإذا عصيت اللّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم اللّه".
فيا لها من كلمات جامعة حوت الصراحة والعدل، مع التواضع والفضل، والحث على الجهاد لنصرة الدين، وإعلاء شأن المسلمين.
دخل عليه ذات يوم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فوجده يبكي ، فساله عن ذلك فقال له :( يا عمر لا حاجة لي في امارتكم فرد
عليه عمر :( أين المفر ؟ والله لا نقيلك ولا نستقيلك)
جيش أسامة
وجَّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسامة بن زيد في سبعمائة الى الشام ، فلمّا نزل بـذي خُشُـب -واد على مسيرة ليلة من المدينة- قُبِض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وارتدّت العرب حول المدينة ، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا : يا أبا بكر رُدَّ هؤلاء ، تُوجِّه هؤلاء الى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟!
فقال : والذي لا إله إلا هو لو جرّت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما رَدَدْت جيشاً وجَّهه رسول الله ولا حللت عقدَهُ رسول الله فوجّه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا :( لولا أن لهؤلاء قوّة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم )
فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام
حروب الردة
بعد وفـاة الرسـول -صلى الله عليه وسلم- ارتدت العرب ومنعت الزكاة ، واختلـف رأي الصحابة في قتالهم مع تكلمهم بالتوحيـد ، قال عمر بن الخطاب : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا منّي دماءَهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ؟!
فقال أبو بكر : الزكاة حقُّ المال
وقال : والله لأقاتلن من فرّق الصلاة والزكاة ، والله لو منعوني عَنَاقاً كانوا يُؤدّونها الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها
ونصب أبو بكر الصديق وجهه وقام وحده حاسراً مشمِّراً حتى رجع الكل الى رأيه ، ولم يمت حتى استقام الدين ، وانتهى أمر المرتدين
جيوش العراق والشام
ولمّا فرغ أبو بكر -رضي الله عنه- من قتال المرتدين بعث أبا عبيدة الى الشام وخالد بن الوليد الى العراق ، وكان لا يعتمد في حروب الفتوحات على أحد ممن ارتدَّ من العرب ، فلم يدخل في الفتوح إلا من كان ثابتا على الإسلام
استخلاف عمر
عقد أبو بكر في مرضه الذي توفي فيه لعمر بن الخطاب عقد الخلافة من بعده، ولما أراد العقد له دعا عبد الرحمن بن عوف. فقال: أخبرني عن عمر.
فقال: يا خليفة رسول اللّه هو واللّه أفضل من رأيك فيه من رجل، ولكن فيه غلظة.
فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقاً ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه. ويا أبا محمد قد رمقته فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشيء، أراني الرضا عنه، وإذا لنت أراني الشدة عليه، لا تذكر يا أبا محمد مما قلت لك شيئاً. قال: نعم.
ودخل على أبي بكر طلحة بن عبيد اللّه. فقال: استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا بهم، وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك؟
فقال أبو بكر وكان مضطجعاً: أجلسوني. فأجلسوه. فقال لطلحة: "أباللّه تفرقني أو باللّه تخوفني، إذا لقيت اللّه ربي فساءلني قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك"؟.
وأشرف أبو بكر على الناس من حظيرته وأسماء بنت عميس ممسكته موشومة اليدين وهو يقول:
"أترضون بمن أستخلف عليكم فإني واللّه ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا
فقالوا: "سمعنا وأطعنا".
دعا أبو بكر عثمان خالياً. فقال له: اكتب: "بسم اللّه الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر ابن أبي قحافة إلى المسلمين. أما بعد" ثم أغمي عليه فذهب عنه. فكتب عثمان: "أما بعد فإني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً"
ثم أفاق أبو بكر فقال: "اقرأ عليَّ فقرأ عليه فكبَّر أبو بكر وقال:
"أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي".
قال: نعم. قال: "جزاك اللّه خيراً عن الإسلام وأهله" وأقرها أبو بكر رضي اللّه عنه من هذا الموضع. فأبو بكر كان يرى ويعتقد أن عمر بن الخطاب خير من يتولى الخلافة بعده مع شدته. والحقيقة أنه كان كذلك.‏
وفاته
قيل: إنه اغتسل وكان يوماً بارداً فاصابته الحمى خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى الصلاة فأمر عمر أن يصلي بالناس
ولما مرض قال له الناس: ألا ندعو الطبيب؟ فقال: أتاني وقال لي: أنا فاعل ما أريد، فعلموا مراده وسكتوا عنه ثم مات.
وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس وابنه عبد الرحمن وأن يكفن في ثوبيه ويشتري معهما ثوب ثالث. وقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت إنما هو للمهلة والصَّديد..
--------------
بيعة أبي بكر الصديق
رجع رسول الله من مكة بعد فراغه من حجة الوداع ـ تلك الحجة التي ودع فيها صلى الله عليه وسلم أمته في خطبته الشهيرة , وأجمل فيها الإسلام وتعاليمه لمن حضر معه ـ ولم يمكث بعد رجوعه إلا قليلا , حتى علاه الإعياء , وغلب عليه المرض , فصار لا يستطيع أن يخرج من بيته إلا بمشقة بالغة ـ ورغم أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمتع بدرجة عالية من النشاط والقوة إلا أن الجهد المتواصل خلال سنوات الدعوة , والتي دامت قرابة ثلاثة وعشرين عاما قد ترك أثره عليه ـ فشرع في تهيأة أبي بكر الصديق لتولى أمر المسلمين بعده , والقيام بأعباء الخلافة , حتى لا يحس المسلمون بفراغ كبير بعد رحيله.
وجدير بالذكر أن رسول الله لم يرشح أبا بكر لخلافته إلا لأن فيه من المقومات التي يستطيع بها تحمل أعباء الخلافة ما لم يتوفر في غيره من سائر الصحابة , فقد لازمه طوال فترة البعثة , وراقب حركاته وسكناته , وتعرف منه كيف يواجه العظائم , ويتصدى للصعاب , ويدير أمور الدولة بحكمة ورشاد , وتعلم منه كيف يتعامل مع العدو والحبيب , وقرن الله ذكره بذكر رسول الله في قوله تعالى : " إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.." التوبة 40 ورأى معه من آيات التأييد ما رسخ بها الإيمان في قلبه , ترسيخا يفوق رسوخ الجبال .
فكان أول ما فعله صلى الله عليه وسلم أن كلف أبا بكر رضي الله عنه بإمامة المسلمين في الصلاة فقال : " مروا أبا بكر فليصل بالناس " وقد حدث أن غاب أبو بكر يوما , فقام عمر فصلى بالناس ,فلما كّبر عمر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فقال صلى الله عليه وسلم :"فأين أبو بكر ؟ !يأبى الله ذلك والمسلمون , يأبى الله ذلك والمسلمون " .
ثم صار يوكل إليه قضاء حوائج المسلمين , وينبههم إلى الرجوع إليه في الأمور التي كانوا يرجعون إليه فيها عند فقده , فقد جاءت إليه امرأة تسأله عن حاجة فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك - كأنها تقول الموت - قال صلى الله عليه وسلم: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر". رواه البخاري في صحيحه.
ولما وجد في نفسه شيئا من العافية قبيل موته , خرج إلى المسجد يهادي بين رجلين من أصحابه ,فأراد أبو بكر أن يتأخر ويقدمه في الصلاة , فأومأ اليه صلى الله عليه وسلم أن مكانك ثم أتىحتى جلس الى جنبه , فصلى بصلاته .
وأعاد على مسامع المسلمين بعض فضائله , فقال :" فإني لا أعلم امرأ أفضل يدا عندي في الصحبة من أبي بكر .." وقال : "لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لا تخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخي وصاحبي " أخرجه البخاري في صحيحه.
وطلب من المجاورين للمسجد , الذين كانت تفتح دورهم عليه مباشرة , أن يسدوا منافذهم تلك ؛ للحفاظ على نظافة المسجدفقال : ": سدوا هذه الأبواب في المسجد إلا باب أبي بكر " ؛ لأنه سيحتاج إلى الخروج إليه كل حين , وعلى غير ميعادللتباحث في أمر المسلمين , فيشق عليه تغيير مخرج بيته .
ثم بدأ يلمّح للمسلمين بقرب أجله , حيث تمت رسالة الإسلام , وبلّغ ما أنزل إليه من ربه أحسن بلاغ, فخرج صلى الله عليه وسلم على الناس فخطبهم , وتحلل منهم ـ أي طلب من له عنده شيء أن يأتي ليأخذه منه , وفعل ذلك ورعا منه صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال لهم : " إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا , وبين ما عنده , فاختار ما عنده " فقال أبو بكر : بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا فقال : على رسلك ( هون عليك ) يا أبا بكر , ثم جمع صلى الله عليه و سلم من كان غائبا من أصحابه فودعهم وعيناه تدمعان , ودعا لهم فقال : " أوصيكم بتقوى الله.. إني لكم نذير و بشير , ألاّ تعلوا على الله في بلاده و عباده , فإنه قال لي ولكم : " تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص 83.
وظل صلى الله عليه وسلم يتابع أمر قيام أبي بكر بالأمر دونه حتى الدقائق الأخيرة من حياته , فقد كشف صلى الله عليه وسلم ستار حجرته صباح اليوم الذي قُبض فيه , فلما رأى الناس صفوفا خلف أبي بكر ,تبسم صلى الله عليه و سلم, فشعر به الصحابة في صلاتهم , وهمّ بعضهم أن يُفسح له الصف , ليدخل لكنه عجز عن الخروج إليهم , وأشار إليهم أن مكانكم , وأسدل ستار غرفته , بعد رؤيته هذا المشهد الذي أثلج صدره , لتصعد روحه إلى باريها .
ورغم ذلك لم ينص صلى الله عليه وسلم على خلافة الصديق مباشرة ؛ لأنه لم يشأ أن يسلب المسلمين حقهم , وإرادتهم في اختيار من يقوم بشئونهم ويتولى أمرهم.
قُبض صلى الله عليه وسلم , وكانت وفاته صدمة لكل المسلمين , لم يستطع الكثير منهم تحمل أثرها , رغم إلماحات الرسول صلى الله عليه وسلم السابقة بدنوها، فمنهم من دُهش فخولط , ومنهم من أُقعد فلم يُطق القيام، ومنهم من أعتُقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية؛لأن فقد عزيز عليه كرسول الله ليس بالأمر الهين , إلا أنأبا بكر الصديق رضي الله عنه كان أهلا بالفعل للقيام بأعباء المهمة التي أعده النبي لها , فما إن أُعلم بوفاته حتى جاء سريعا من منزل له بالسنح خارج المدينة , ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكشف عن وجهه ـ وهو متمالك لنفسه ـوقبله قائلا:بأبي أنت وأمي طبت حيا ميتا , والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبدا .
ثم خرج فوجد عمر رضي الله عنه يصيح بالحاضرين : "إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي , وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات "فقال لعمر: "أيها الرجل ! أربع ( هون )على نفسك , فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات , ألم تسمع الله يقول :"إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ " و قال : " وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ" ؟ .
ثم أتى المنبر فصعده , وحمد الله , وأثنى عليه , ثم قال : ألا من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا قد مات , ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت , قال الله تعالى :" وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ " فتلقاها منه الناس , وصاروا يرددونها , وظل بمن حوله من أهل المدينة , حتى خفف عنهم هول الفاجعة , وفاءوا إلى رشدهم بفيئه , وأمسوايدربون أنفسهم على الحياة دون رسول الله , وعلى الصبر على فراقه , وعلى البحث في شئونهم العامة والخاصة .
وكان أول أمر نظروا فيه هو ( من يخلف رسول الله عليهم ,ومن ينهض بالأمر بعده صلى الله عليه وسلم ) لأنهم كرهواكما قال سعيد بن زيد أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة , ولم يسندوا أمر الخلافة إلى أبي بكر الصديق مباشرة ؛ لأن رسول الله لم ينص على خلافته صراحة كما ذكر من قبل , والبعض من المسلمين ـ وخاصة الأنصار ـ لم يفهموا من الإشارات الضمنية التي وردت عن رسول الله في فضل أبي بكر أهليته للخلافة دون غيره.
فاجتمع الأنصار في مكان لهم يسمى " سقيفة بني ساعدة" وتناقشوا في إمكانية استخلاف سعد بن عبادة, وكانت حجتهم في ذلك كما قال سعد بن عبادة : "لكم سابقة في الدين , وفضيلة في الإسلام ليست لأحد من العرب : إن محمداً صلى الله عليه وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة , يدعوهم إلى عبادة الرحمن , وخلع الأنداد والأوثان , فما آمن به إلا القليل، ما كانوا يقدرون على منعه , ولا على إعزاز دينه , ولا على دفع ضيم، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة , ورزقكم الإيمان به وبرسوله , والمنع له ولأصحابه , والإعزاز له ولدينه , والجهاد لأعدائه , فكنتم أشد الناس على عدوه , حتى استقامت العرب لأمر الله ...وتوفاه الله وهو عنكم راضٍ , وبكم قرير العين ".
ثم خرج من بينهم أسيد بن حضير فأتى أبا بكر ؛ ليعرض عليه وجهة نظر الأنصار هذه , فوجده وقد اجتمع إليه المهاجرون - أو من اجتمع إليه منهم – فلما أخبره بخبر الأنصار قال لمن حوله : " انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيباً, فذهبوا حتى أتوهم " .
وبعد اطلاعه على ما عزموا عليه , ومعرفة وجهة نظرهم قال : " أنتم يا معشر الأنصار، من لا ينكر فضلهم في الدين , ولا سابقتهم في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله , وجعل إليكم هجرته ... ,وإنكم لا تذكرون منكم فضلاً إلا وأنتم له أهل .
ثم بين لهم أن هذه الأمور ليست كفيلة بجعل الخلافة فيهم ؛ لأن العرب بما جلبت عليه من عصبية لن ترضى أن تدين لأحد من غير قريش , قوم النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي أثناء النقاش قال رجل من الأنصار: " منا أميرٌ ومنكم أمير " فاحتج عمر بأنه لا يصح أن يكون للمسلمين أميران , لأن رسول الله حذر من ذلك , وقال (أي عمر) ":هيهات لا يجتمع اثنان في قرن! والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبينا من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم.
فأعاد أبوبكر الحديث , وذكر الأنصار بفضلهم , وبما غاب عن ذهنهم في شأن الخلافة فقال " : لقد علمتم أن رسول الله قال : لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار ، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعد : قريش ولاة هذا الأمر ، فبر الناس تبع لبرهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم , فقال سعد : صدقت ، فنحن الوزراء وأنتم الأمراء , فقال أبو بكر : نعم"... لا تفاوتون بمشورة , ولا تقضي دونكم الأمور.."
وزاد أبو عبيدة :يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر , فلا تكونوا أول من بدل وغير! فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار ! إنا والله وإن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين , وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضى ربنا , وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا، فما ينبغي أن نستطيل على الناس بذلك , ولا نبتغي به الدنيا، ألا إن محمداً، صلى الله عليه وسلم، من قريش وقومه أولى به، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم.
ثم أعلنوا بيعتهم جميعا لأبي بكر بالخلافة بعد عبارة عمر المؤثرة : " أنشدكم بالله، هل أُمر أبو بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقامه الذي أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: كلنا لا تطيب أنفسنا، نستغفر الله!.ويشعر عندها أبو بكر بثقل التبعة فيقول " أنت يا عمر أقوى لها منى , فيرد عليه : إن لك قوتى مع قوتك .
حدث كل ذلك يوم وفاة رسول الله , ثم جلس أبو بكر في اليوم التالي ؛ ليأخذ البيعة من سائر الناس, وأتته وفود العرب مجمعة على بيعته إلا المرتدين ,فقد سئل سعيد بن زيد : أشهدت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، فال : فمتى بويع أبو بكر ؟ قال : يوم مات رسول الله صلى الله عليه فقيل له : هل خالف عليه أحد ؟ قال : لا إلا مرتد أو من قد كاد أن يرتد.
وقد زعم بعض الناس أن علي بن أبي طالب امتنع عن بيعته ثم بايعه مكرها ؛ لأنه كان يطمع في الخلافة لنفسه , وهذا افتراء على الرجل , إذ كان من المسارعين إلى بيعته , بعد فراغه من دفن رسول الله , ولم يصبر حتى يعود إلى بيته , ويغير من ملابسه , إذ جاء في تاريخ الطبري : لما سمع علي ببيعة أبي بكر خرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء ؛ عجلاً حتى بايعه، ثم استدعى إزاره ورداءه فتجلله.( تاريخ الرسل والملوك : ج 2 / ص 119)
ولما سئل بعد ذلك عن خلافة الصديق قال: " قدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فصلى بالناس، وإني لشاهد غير غائب، وإني لصحيح غير مريض، ولو شاء أن يقدمني لقدمني، فرضينا لدنيانا من رضيه الله ورسوله لديننا " (أسد الغابة :ج 2 / ص 149).
بتلكم الصورة تمت بيعة أول خليفة للمسلمين , لتعلن للناس أجمعين أن الحاكم في الإسلام لابد أن يكون خير الناس وأرجحهم عقلا , وأقدرهم على تولي التبعات , وفي نفس الوقت هم أصحاب الحق في اختياره , لا يفرضه عليهم أحد مهما علت مكانته.
ومن العجب أن البعض ـ ممن يرون في كل مزية من مزايا الإسلام عيبا ـ يعيبون على المهاجرين والأنصار تعدد آرائهم في أمر الخلافة قبل أن يتفقوا على أبي بكر, مع أن هذا هو قمة ما ينادي به أنصار الديمقراطية والحرية حديثا.
------------
وفاة الصديق
وكانت وفاة أبي بكر رضي الله عنه يوم الإثنين 22 جمادى الآخرة في السنة الثالثة عشرة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذا تكون خلافته، سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام.
وإذا كانت الفتوحات الإسلامية في عهد الصديق تبدو ضيقة الرقعة إلا أننا يجب أن نضع في خلدنا الملاحظات التالية :
1ـ قصر مدة خلافة الصديق.
2ـ القضاء على حروب الردة التي شملت الجزيزة كلها.
3ـ كانت المعارك التي جرت في عهد الصديق بين المسلمين من جهة والفرس والروم من جهة ثانية، قد أرهبت أعداء الإسلام، وأظهرت قوة المسلمين وإمكاناتهم القتالية.
شعر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بشيء من الراحة النفسية بعد أن قضى على المرتدين، وانطلقت الفتوحات في كل الجهات، وتحطم كبرياء الدولتين الكبريين اللتين كانتا تقفان في وجه الدعوة، وتدعمان المرتدين، وتستنفران قواتهما ومن والاها من العرب المتنصرة، كل ذلك في سبيل القضاء على الدولة الجديدة، وفي الوقت نفسه، فقد شعر أن مهمته في الحياة قد انتهت، فقد توطد الأمر، وثبت كيان الإسلام، وسيتابع الأمر الخلفاء من بعده، كما زاد شعوره في هذا الأمر أن سنه قد اقترب من سن حبيبه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم عندما فارق الحياة الدنيا وانتقل إلى الرفيق الأعلى. كما شعر أن استخلاف رجل من بعده وهو على قيد الحياة، يجنب المسلمين الكثير من الصعاب، وقد أشفق عليهم أن يختلفوا ويزهد في هذا المنصب أهله، ويبتعد عنه من يستحقه، وقد تداعى إلى ذهنه ما حدث عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما لم يخطر على بال المسلمين وفاة نبيهم، وحين ثقل عليهم مصابهم، والأمر لا بدّ له من خليفة يطبق منهج الله في الأرض. إذن لا بدَّ من استخلاف رجل يخلفه، ولا بدّ من الاستشارة، ولاح في ذهنه أولئك الصحابة الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشيرهم، وكبرت في نفسه شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومواقفه في الإسلام، وقوته في الحق، وهيبته في النفوس، ونظرة المسلمين إليه، ولكن كان لا بدَّ من أخذ رأيهم واستشارتهم، ولو كان الأمر منهم لكان أفضل.
وشعر أبو بكر بالمرض، واشتد عليه وثقل فجمع عدداً من الصحابة المعروفين الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الأمر، وقال لهم : إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتا لما بي، وقد أطلق الله إيمانكم من بيعتي، وحلّ عنكم عقدتي، وردّ عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي.
فقاموا في ذلك فلم يستقم لهم أمر، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه، فقالوا : رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال : فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده.
دعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب : فقال له: ما تسألني عنه أمراً إلا وأنت أعلم به مني. فقال له: وإن، فقال عبد الرحمن : هو أفضل من رأيك فيه.
ثم دعا عثمان بن عفان، فقال له مثل ذلك، فقال : علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر : يرحمك الله، والله لو تركته ما عدوتك.
ثم دعا أسيد بن حضير فقال له مثل ذلك، فقال أسيد : اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسرّ خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.
وكذلك استشار سعيد بن زيد وعدداً من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريباً كانوا برأي واحد في عمر إلا رجل خاف من شدته، وقد عاتبه بعضهم باستخلافه فقال أبو بكر : لا والله ولا نعمة عين، هو والله خير لكم، والله لو وليتك لجعلت أنفك في السماء ولرفعت نفسك فوق قدرك حتى يكون الله هو الذي يضعك، تريد أن تردني عن رأيي وتفتني في ديني ؟ فوالله لئن بلغني أنك عصيته أو ذكرته بسوء لأفعلن ولأفعلن... ثم دخل على أبي بكر عثمان وعلي فقال لهما مباشرة لعلكما تقولان في عمر ما قال فلان آنفاً ؟
قالا : وماذا قال يا خليفة رسول الله ؟
قال : زعم أن عمر أحدثكم إسلاماً و....
فقال عثمان رضي الله عنه : بئس لعمر الله ما قال فلان، عمر بحيث يحب من قوته مع سابقته.
وقال علي رضي الله عنه : بئس ما قال، عمر عند ظنك به، ورأيك فيه، إن وليته ـ مع أنه كان والياً معك ـ نحظى برأيه ونأخذ منه، فامض لما تريد، ودع مخاطبة الرجل فإن يكن على ما ظننت إن شاء الله فله عمدت، وإن يكن مالا تظن لم ترد إلا الخير.
ودخل عبد الرحمن بن عوف على أبي بكر الصديق يعوده في مرضه الذي مات فيه فوجده مقنعاً، فقال له عبد الرحمن : أصبحت بحمد الله بارئاً، فقال : أبرء ذاك ؟ قال : نعم، قال : أما إني على ذلك لشديد الوجع ولما لقيت منكم أيها المهاجرون أشد علي من وجعي، إني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم رغم أنفه أن يكون له الأمر دونه ورأيتم الدنيا قد أقبلت، ولما تقبل، وهي مقبلة، حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وحتى يألم أحدكم بالاضطجاع على الصوف الأذربي(1) كما يألم أحدكم إذا نام على حسك السعدان(2)، والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد، خير له من أن يخوض غمرات الدنيا، ثم أنتم غدا أول ضال بالناس يميناً وشمالاً، لا تضيعوهم عن الطريق، يا هادي الطريق جرت، إنما هو الفجر أو البجر(3). فقال له عبد الرحمن :حفظ الله عليك يرحمك الله فإن هذا يهيضك إلى ما بك، إنما الناس في أمرك رجلان : إما رجل رأى ما رأيت فهو معك، وإما رجل رأى ما لم تر فهو يشير عليك بما يعلم، وصاحبك كما تحب أو كما يحب، ولا نعلمك أردت إلا الخير، ولم تزل صالحاً مصلحاً مع أنك لا تأسى على شيء من الدنيا.
_______________
(1) الأذربي : نسبة إلى اذربيجان، وهو صوف شديد النعومة.
(2) حسك السعدان : نبات كثير الشوك.
(3) البجر : الدهماء والمعنى في الفجر تبصر الطريق، وفي الظلمة تنزل بالمكروه.
ودخل بعض الصحابة على أبي بكر وقد علموا باستشارته في عمر، فقال أحدهم : ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا، وقد ترى غلظته، وهو إذا ولى كان أفظ وأغلظ ؟ فقال أبو بكر : أجلسوني فلما جلس، قال : أباالله تخوفونني ؟ خاتزوّد من أمركم بظلم. أقول : اللهم إني قد استخلفت على أهلك خير أهلك. ثم قال للقائل أبلغ عني ما قلت لك من وراءك.
ثم اضطجع ودعا بعثمان، فقال له : اكتب، بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما دعا به أبو بكر ابن أبي قحافة، في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وأول عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلف عليكم بعدي ... وأخذته غشية قبل أن يسمى أحداً. فكتب عثمان رضي الله عنه : إني استخلف عليكم بعدي عمر بن الخطاب ... ثم أفاق أبو بكر فقال : اقرأ علي ما كتبت فقرأ عليه ذكر عمر، فكبر أبو بكر، وقال : أراك خفت أن تذهب نفسي في غشيتي تلك فيختلف الناس، فجزاك الله عن الإسلام خيراً،والله إن كنت لها لأهلاً. ثم أمره أن يتمم فأملى عليه : فاسمعوا وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم أمره فختم الكتاب وخرج به مختوماً، ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن حضير. وأشرف أبو بكر على الناس من كوته فقال: أيها الناس إني قد عهدت عهداً، أفترضونه ؟ فقال الناس : رضينا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علي رضي الله عنه فقال : لا نرضى إلا أن يكون عمر.
فأقروا بذلك جميعاً. ورضوا به، ثم بايعوا، فرفع أبو بكر رضي الله عنه يديه فقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعلمت فيهم ما أنت أعلم به، واجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليه، وأحرصهم على ما أرشدهم. وقد حضرني من أول ما حضر، فاخلفني فيهم، فهم عبادك ونواصيهم بيدك، فأصلح لهم أميرهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدى نبي الرحمة، وهدى الصالحين بعده، وأصلح له رعيته، ثم دعاه فأوصاه.

azoz
11-28-2008, 01:32 AM
وَصيَّة أبي بَكر رَضيَ الله عَنه

1 ـ يرد ما عنده من مال إلى بيت مال المسلمين عن طريق الخليفة عمر بن الخطاب.
2 ـ يرد بستان يملكه إلى بيت مال المسلمين عوضاً عما أخذه من بيت المال مدة خلافته.
3 ـ أن يتصدق بمقدار خمس ما يملك من أرض العالية، وما يبقى يقسم بين أولاده وهم :
عبد الرحمن ومحمد وأسماء وعائشة.
وما تضع حبيبة بنت خارجة، ويتوقع أن تكون أنثى. وقد أوصى بها أولاده خيراً. (وبالفعل فقد وضعت أنثى - وهي أم كلثوم -).
4- أن يكفن بثوبيه بعد غسلها.
5- أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ــــــــــــــ


أبـو بكـر الصـديـق رضي الله عنه

الشيخ / سيد حسين العفاني
صلاح الأمة في علو الهمة كان رضي الله عنه يَذُبّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فعن عُروة بن الزبير قال: سألتُ ابن عمرو بن العاص: أخبِرْني بأشد شيءٍ صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم. قال: بَيْنَا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حِجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي مُعَيْط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمكنبه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ [غافر: 28] رواه أحمد والبخاري.
وفي يوم بدرٍ جعل الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشًا، وقالوا: من يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لئلّا يصل إليه المشركون؟ فوالله ما دنا منه أحدٌ إلا أبو بكرٍ، شاهرًا السيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نعم... كان الصديق أشجع الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أثبتهم قلبًا، وحسبُكَ من ذلك ثبات قلبه يوم بدر، وهو يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، كفاك بعض مُناشدتك ربّك، فإنه مُنجز لك ما وعدك، وثبات قلبه يوم أُحد، وقد صرخ الشيطان بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قُتل، ولم يبق أحدٌ مع أحد، وثبات قلبه يوم الخندق، ويم صلح الحديبية، ويوم حُنين حين فر الناي ولم يفرّ.
ولو لم يكن من شجاعته إلا ثبات قلبه، وتثبيته المسلمين عند الخطب الأعظم والأمر الأفخم بموت نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ زاغت قلوب كثيرٍ من الناس، وزُلزلوا بموته زلزالا شديدًا، وأُقعد بعضهم، وشك آخرون، لكفانا ذلك دليلا على عظيم شجاعته وقوة قلبه، إذ كان قلبه في تلك النازلة العُظمى التي اهتزت لها الدنيا بأجمعها، لو وُزن بقلوب الأمة لرجحها.
وكان عزمه في قتال من ارتدّ، لو فُرِّق على قلوب الجبناء من أهل الأرض لشجّعهم إلى أن قام بمهمة قناة الإسلام بعد اعوجاجها، وجرت الملة الشهباء على سننها ومنهاجها، وأذّن مؤذِّن الإيمان "ألا إن حزب الله هم الغالبون" وتولَّى حزبُ الشيطان وهم خاسرون، فتلك –لعمر الله- الشجاعة التي تضاءلت لها فرسان الأمم، والهمة التي تنازلت لها أعالي الهمم، فرضوان الله عليهم أبدًا ما شهر بارقن وقُهر مارق، وعلى بقية الصحابة أجمعين .

ــــــــــــــ


شهيد المحراب عمر بن الخطاب


إنه الفاروق عمر بن الخطاب-رضي الله عنه، ولد بعد عام الفيل بثلاث سنوات، وكان من بيت عظيم من قريش، وكان قبل إسلامه من أشد الناس عداوة ل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان يرى أن محمدًا قد فرق بين الناس، وجاء بدين جديد، فبلغ من ضيقه وكرهه أنه حمل سيفه وتوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقتله، وفي الطريق قابله رجل، فقال له: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا، قال الرجل: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة إذا قتلته؟ فقال عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي كنت عليه. قال الرجل: أفلا أدلك على ما هو أعجب من ذلك؟ قال عمر: وما هو؟ قال: أختك وزوجها قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه.
فغضب عمر أشد الغضب، وغير وجهته؛ حيث اتجه إلى بيت أخته فاطمة ليرى صدق ما أخبر به، فلما أتاهما وكان عندهما خباب بن الأرت-رضي الله عنه-، فدفع عمر الباب وقد سمع أصواتهم وهم يقرءون القرآن، فقال مستنكرًا: ما هذه الهيمنة (الصوت غير المفهوم) التي سمعتها عندكم ؟ فقال سعيد بن زيد زوج أخته: حديثًا تحدثناه بيننا.
قال عمر: فلعلكما قد صبوتما. فقال له سعيد: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر عليه وأخذ يضربه، فجاءت أخت عمر فدفعت عمر عن زوجها فلطمها بيده، فسال الدم من وجهها، فقالت: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
فلما يئس عمر منهما قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه، فقالت أخته: إنك نجس ولا يمسه إلا المطهرون، فاغتسل أو توضأ، وعلمته كيف يتوضأ، فقام عمر فتوضأ ثم أخذ الكتاب وقرأ الآيات الأولى من سورة طه، فقال عمر: دلوني على محمد.
فلما سمع خباب قول عمر خرج من المخبأ، وهو يقول: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ليلة أمس: "اللهمَّ أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام" قد استجيبت، ثم خرج خباب مع عمر إلى دار الأرقم في جبل الصفا، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
فلما اقتربا من الدار، وجدا على بابها حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- ومعه طلحة بن عبيد الله، وبعض الصحابة -رضي الله عنهم- فلما رآه حمزة قال لمن حوله: هذا عمر، فإن يرد الله بعمر خيرًا يسلم ويتبع النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وقال: ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة.
فقال عمر: أشهد أنك رسول الله، وشهد شهادة الحق، فكبر المسلمون تكبيرة سُمعت في طرق مكة.
ثم قال عمر: يا رسول الله، علام نخفي ديننا ونحن على الحق، ويظهرون دينهم وهم على باطل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا عمر، إنا قليل، وقد رأيت ما لقينا"، فقال عمر: فوالذي بعثك بالحق، لا يبقى مجلس جلست فيه وأنا كافر إلا أظهرت فيه الإيمان.
ثم خرج فطاف بالكعبة، ومرَّ على قريش وهم جالسون ينظرون إليه، فقال أبو جهل لعمر: يزعم فلان أنك صبوت؟ فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. فهجم عليه بعض المشركين، فأخذ عمر يضربهم، فما يقترب منه أحد إلا وقد نال منه حتى أمسك عمر بعتبة بن ربيعة وضربه ضربًا مبرحًا، ثم ذهب عمر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبره، وطلب منه أن يخرج معه ليعلنوا إسلامهم أمام مشركي مكة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فطافوا بالكعبة وصلوا الظهر، ولقب عمر منذ ذلك بالفاروق لأنه فرق بن الحق والباطل. [ابن سعد].
وكان عمر -رضي الله عنه- مخلصًا في إسلامه، صادقًا مع ربه، شديد الحب لله ورسوله، فلزم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يفارقه أبدًا، وكان هو والصديق يسيران مع النبي حيث سار، ويكونان معه حيث كان، حتى أصبحا بمكانة الوزيرين له،وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" [أحمد والترمذي وأبو داود]، ويقول: "لو كان بعدي نبي لكان عمر" [ابن عبد البر].
وقد بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فهو أحد العشرة المبشرين بها، قال صلى الله عليه وسلم :"دخلت الجنة، أو أتيت الجنة فأبصرت قصرًا، فقلت لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله، فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك"، قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، أو عليك أغار. [متفق عليه].
ولما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، كانوا يهاجرون في السر خوفاً من قريش، وتواعد عمر بن الخطاب مع عباس بن أبي ربيعة المخزومي وهشام بن العاص على الهجرة، واتفقوا على أن يتقابلوا عند مكان بعيد عن مكة بستة أميال ومن يتخلف منهم فليهاجر الآخر، فتقابل عمر مع عباس عند المكان المحدد، أما هشام فقد أمسكه قومه وحبسوه.
فهاجر عمر مع عباس إلى المدينة، فلما هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك -رضي الله عنهما-.
وتكون المجتمع الإسلامي في المدينة، وبدأت رحلة الجهاد في الإسلام، فرفع عمر لواء الحق وأمسك بسيفه ليناصر دين الله -عز وجل- وجاءت أول معركة للمسلمين مع المشركين غزوة بدر الكبرى، فأسر المسلمون عددا من المشركين، وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسرى بدر، فكان رأي عمر أن يقتلوا، وكان رأي الصديق أن يفتدوا، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم أيسر الرأيين، ونزل على رأي أبي بكر.
فنزل جبريل -عليه السلام- على النبي صلى الله عليه وسلم ليتلو عليه آيات القرآن مؤيدًا رأي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقال تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد عرض الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) [الأنفال: 67-68]، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى أبو بكر، فجاء عمر فسألهما عن سبب بكائهما فأخبراه.
وشهد الفاروق عمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع المشاهد والغزوات، يجاهد بسيفه في سبيل الله؛ ليعلي كلمة الحق. وفي غزوة أحد، وقف بجانبه ( يدافع عنه بعد أن انهزم المسلمون.
ويلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، فيبايع الفاروق أبا بكر الصديق، كما بايعه المهاجرون والأنصار، ويقف عمر بجانبه يشد من أزره، لا يكتم عن رأيا، ولا يبخل عنه بجهد في سبيل نصرة الحق ورفعة الدين، فيكون معه في حربه ضد المرتدين ومانعي الزكاة ومدعي النبوة، وفي أعظم الأمور وأجلها مثل جمع القرآن.
ويوصي الخليفة الأول قبل موته بالخلافة إلى الفاروق عمر، ليضع على كاهله عبئًا ثقيلاً، يظل عمر يشتكي منه طوال حياته، ولكن من كان لهذا الأمر غير عمر، فإنه الفاروق، العابد، الزاهد، الإمام العادل.
وحمل عمر أمانة الخلافة فكان مثالا للعدل والرحمة بين المسلمين، وكان سيفًا قاطعا لرقاب الخارجين على أمر الله تعالى، والمشركين، فكان رحيما وقت الرحمة، شديدًا وقت الشدة.
فقد خرج مع مولاه وأسلم في ليلة مظلمة شديدة البرد يتفقد أحوال الناس، فلما كانا بمكان قرب المدينة، رأى عمر نارًا، فقال لمولاه: يا أسلم، ههنا ركب قد قصر بهم الليل، انطلق بنا إليهم فذهبا تجاه النار، فإذا بجوارها امرأة وصبيان، وإناء موضوع على النار، والصبيان يتصايحون من شدة الجوع، فاقترب منهم، وسألهم: ما بالكم؟ فقالت المرأة: قصر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون (يصطرخون)؟! قالت: من الجوع، فقال: وأي شيء على النار؟ قالت: ما أعللهم به حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر، فبكى ورجع إلى البيت فأحضر دقيقًا وسمنًا وقال: يا أسلم، احمله على ظهري. فقال أسلم: أنا أحمله عنك.
فقال: أنت تحمل وزري يوم القيامة؟ فحمله على ظهره وانطلقا حتى أتيا المرأة، فألقى الحمل عن ظهره وأخرج من الدقيق، فوضعه في القدر، وألقى عليه السمن وجعل ينفخ تحت القدر والدخان يتخلل لحيته ساعة، حتى نضج الطعام، فأنزله من على النار، وقال: ائتني بصحفة، فأتى بها، فغرف فيها ثم جعلها أمام الصبيان، وقال: كلوا، فأكلوا حتى شبعوا، والمرأة تدعو له، فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، ثم انصرف وهو يبكي، ويقول: يا أسلم، الجوع الذي أسهرهم وأبكاهم.
وخرج الفاروق يومًا يتفقد أحوال رعيته فإذا امرأة تلد وتبكي، وزوجها لا يملك حيلة، فأسرع عمر -رضي الله عنه- إلى بيته، فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، هل لك في أجر ساقه الله إليك؟ ثم أخبرها الخبر، فقالت نعم. فحمل عمر على ظهره دقيقًا وشحمًا، وحملت أم كلثوم ما يصلح للولادة، وجاءا، فدخلت أم كلثوم على المرأة، وجلس عمر مع زوجها يحدثه، ويعد مع الطعام، فوضعت المرأة غلامًا، فقالت أم كلثوم: يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام.
فلما سمع الرجل قولها استعظم ذلك، وأخذ يعتذر إلى عمر، فقال عمر: لا بأس عليك، ثم أعطاه ما ينفقون وانصرف.
ويروى أنه رأى شيخًا من أهل الذمة يستطعم الناس، فسأل عمر عنه، فقيل له: هذا رجل من أهل الذمة كبر وضعف، فوضع عنه عمر الجزية، وقال: كلفتموه الجزية حتى إذا ضعف تركتموه يستطعم؟ ثم أجرى له من بيت المال عشرة دراهم.
وفي خلافة الفاروق عمر اتسعت الدولة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وكثرت الفتوح الإسلامية للبلاد، ففتح في عهده الشام والعراق وإيران وأذربيجان، ومصر وليبيا، وتسلم عمر مفاتيح المقدس، وكثر في عهده الأموال، وامتلأ بيت المال، فلم تشهد الدولة الإسلامية عهدًا أعظم من ذلك العهد وخلافة أفضل من تلك الخلافة.
ورغم ذلك الثراء كان عمر يعيش زاهدًا، ممسكًا على نفسه وعلى أهله، موسعًا على عامة المسلمين وفقرائهم.
فكان عمر لا يأكل إلا الخشن من الطعام، ولا يجمع بين إدامين (الإدامين: ما يأكل بالخبز) قط، ويلبس ثوبًا به أكثر من اثنتي عشر رقعة، لا يخاف أحدًا لعدله، فقد حكم، فعدل، فأمن فاطمأن فنام لا يخاف إلا الله عز وجل.
وقد جعل عمر سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة الصديق -رضي الله عنه- نبراسًا أمامه يضيء له طريقه، ويسير على هداه لا يحيد عنه طرفة عين أو أقل من ذلك، وكان دائمًا يذكر نفسه ويذكر حوله بعظاته البالغة، فمن ذلك قوله الخالد: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.
وكان يقول: ويل لديَّان الأرض من ديَّان السماء يوم يلقونه، إلا من أمَّ (قصد) العدل، وقضى بالحق، ولم يقض بهواه ولا لقرابة، ولا لرغبة ولا لرهبة، وجعل كتاب الله مرآته بين عينيه.
وكان عمر شديدًا على ولاته الأمراء، فكان يأمرهم بالعدل والرحمة بين الناس، ويحثهم على العلم، ولم يكن يولي الأمر إلا لمن يتوسم فيه الخير ويعرف عنه الصلاح والتقى، ودائمًا كان يتعهدهم ويعرف أخبارهم مع رعيتهم، فإن حاد أحدهم عن طريق الحق عزله وولى غيره، وعاتبه، وحاسبه على أفعاله.
ويروى في ذلك أن رجلاً من أهل مصر أتى عمر -رضي الله عنه- فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال عمر: عذت معاذًا، قال: قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين. فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم هو وابنه معه، فقال عمر: أين المصري؟
فجاءه، فقال له: خذ السوط فاضربه، فجعل يضربه بالسوط، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين، ثم قال عمر للمصري: ضع على صلعة عمرو، فقال المصري: يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني، وقد استقدت منه (أي اقتصصت منه).
فنظر عمر إلى عمرو نظرة لوم وعتاب وقال له: منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، لم أعلم، ولم يأتني.
وعاش عمر -رضي الله عنه- يتمنى الشهادة في سبيل الله -عز وجل-، فقد صعد المنبر ذات يوم، فخطب قائلاً: إن في جنات عدن قصرًا له خمسمائة باب، على كل باب خمسة آلاف من الحور العين، لا يدخله لا نبي، ثم التفت إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هنيئًا لك يا صاحب القبر، ثم قال: أو صديق، ثم التفت إلى قبر أبي بكر-رضي الله عنه-، وقال: هنيئًا لك يا أبا بكر، ثم قال: أو شهيد، وأقبل على نفسه يقول: وأنى لك الشهادة يا عمر؟! ثم قال: إن الذي أخرجني من مكة إلى المدينة قادر على أن يسوق إليَّ الشهادة.
واستجاب الله دعوته، وحقق له ما كان يتمناه، فعندما خرج إلى صلاة الفجر يوم الأربعاء (26) من ذي الحجة سنة (23هـ) تربص به أبو لؤلؤة المجوسي، وهو في الصلاة وانتظر حتى سجد، ثم طعنه بخنجر كان معه، ثم طعن اثني عشر رجلا مات منهم ستة رجال، ثم طعن المجوسي نفسه فمات.
وأوصى الفاروق أن يكمل الصلاة عبد الرحمن بن عوف وبعد الصلاة حمل المسلمون عمرًا إلى داره، وقبل أن يموت اختار ستة من الصحابة؛ ليكون أحدهم خليفة على أن لا يمر ثلاثة أيام إلا وقد اختاروا من بينهم خليفة للمسلمين، ثم مات الفاروق، ودفن إلى جانب الصديق أبي بكر، وفي رحاب قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم :.

ــــــــــــــ


الفاروق عمر بن الخطاب

من هو:
الفاروق أبو حفص ، عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي ، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة ( 40 عام قبل الهجرة ) ، عرف في شبابه بالشـدة والقـوة ، وكانت له مكانة رفيعـة في قومه اذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثـه قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب بينهم أو بينهم و بين غيرهم وأصبح الصحابي العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل صاحب الفتوحات وأول من لقب بأمير المؤمنين0
اسلامه
أسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية المشرفة ، فقد كان الخباب بن الأرت يعلم القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندما فاجأهم عمر بن الخطـاب متقلـدا سيفه الذي خـرج به ليصفـي حسابه مع الإسـلام ورسوله ، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة حتى قال :( دلوني على محمد )
وسمع خباب كلمات عمر ، فخرج من مخبئه وصاح : يا عمـر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصـك بدعـوة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ، فإني سمعته بالأمس يقول :( اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك ، أبي الحكم بن هشام ، وعمر بن الخطاب ) فسأله عمر من فوره :( وأين أجد الرسول الآن يا خباب ؟) وأجاب خباب :( عند الصفـا في دار الأرقـم بن أبي الأرقـم )
ومضى عمر الى دار الأرقم فخرج إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال :( أما أنت منتهيا يا عمر حتى يُنزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة ؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب ، اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب )
فقال عمر :( أشهد أنّك رسول الله )
وباسلامه ظهر الاسلام في مكة اذ قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في دار الأرقم :( والذي بعثك بالحق لتخرجن ولنخرجن معك )
وخرج المسلمون ومعهم عمر ودخلوا المسجد الحرام وصلوا حول الكعبة دون أن تجـرؤ قريش على اعتراضهم أو منعهم ، لذلك سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ( الفاروق ) لأن الله فرق بين الحق والباطل
لسان الحق
هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، ومن علماء الصحابة وزهادهم ، وضع الله الحق على لسانه اذ كان القرآن ينزل موافقا لرأيه ، يقول علي بن أبي طالب :( إنّا كنا لنرى إن في القرآن كلاما من كلامه ورأياً من رأيه ) كما قال عبد الله بن عمر :( مانزل بالناس أمر فقالوا فيه وقال عمر ، إلا نزل القرآن بوفاق قول عمر)
‏عن ‏أبي هريرة ‏-‏رضي الله عنه- ‏‏قال :‏ ‏قال رسـول اللـه ‏-‏صلى اللـه عليه وسلم-‏ ‏:( لقد كان فيما قبلكم من الأمم ‏‏محدثون ،‏ ‏فإن يك في أمتي أحد فإنه ‏‏عمر ‏) ‏
‏عن ‏أبي هريرة ‏‏قال ‏: ‏قال النبي ‏ ‏-صلى الله عليه وسلم :( ‏ لقد كان فيمن كان قبلكم من ‏بني إسرائيل‏ ‏رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أمتي منهم أحد ‏‏فعمر ) ‏‏قال ‏‏ابن عباس ‏-‏رضي الله عنهما-:( ‏‏من نبي ولا محدث ‏)
قوة الحق
كان قويا في الحق لا يخشى فيه لومة لائم ، فقد ‏استأذن ‏‏عمر بن الخطاب ‏‏على رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏وعنده ‏‏نسوة ‏من ‏قريش ،‏ ‏يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهن على صوته ، فلما استأذن ‏‏عمر بن الخطاب ‏قمن فبادرن الحجاب ، فأذن له رسول الله -‏صلى الله عليه وسلم-،‏ ‏فدخل ‏‏عمر ‏‏ورسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏يضحك ، فقال ‏‏عمر :(‏ ‏أضحك الله سنك يا رسول الله )
فقال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ ‏:( عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي ، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب )
فقال ‏‏عمر :(‏ ‏فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله ) ثم قال عمر ‏:( ‏يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم-) ‏
فقلن :( نعم ، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله -‏صلى الله عليه وسلم-) ‏
فقال رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏:( إيه يا ‏ابن الخطاب ‏، ‏والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا ‏فجا ‏قط إلا سلك ‏‏فجا ‏غير‏فجك )
ومن شجاعته وهيبته أنه أعلن على مسامع قريش أنه مهاجر بينما كان المسلمون يخرجون سرا ، وقال متحديا لهم :( من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي ) فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه
عمر في الأحاديث النبوية
رُويَ عن الرسـول -صلى الله عليه وسلم- العديد من الأحاديث التي تبين فضل عمـر بن الخطاب نذكر منها ( إن الله سبحانـه جعل الحق على لسان عمر وقلبه)
( الحق بعدي مع عمـر حيث كان )
( إن الشيطان لم يلق عمـر منذ أسلم إلا خرَّ لوجهه )
( ما في السماء ملك إلا وهو يوقّر عمر ، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأةِ أبي طلحة وسمعت خشفاً أمامي ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا بلال
ورأيت قصرا أبيض بفنائه جارية ، فقلت : لمن هذا القصر ؟
قالوا : لعمر بن الخطاب ، فأردت أن أدخله فأنظر إليه ، فذكرت غيْرتك ) فقال عمر :( بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار !)
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بيْنا أنا نائم إذ أتيت بقدح لبنٍ ، فشربت منه حتى إنّي لأرى الريّ يجري في أظفاري ، ثم أعطيت فضْلي عمر بن الخطاب )
قالوا :( فما أوّلته يا رسول الله ؟) قال :( العلم )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمصٌ ، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ أسفل من ذلك ، وعُرِضَ عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه )
قالوا :( فما أوَّلته يا رسول الله ؟) قال :( الدين )
خلافة عمر
رغب أبو بكر -رضي الله عنه- في شخصية قوية قادرة على تحمل المسئولية من بعده ، واتجه رأيه نحو عمر بن الخطاب فاستشار في ذلك عدد من الصحابة مهاجرين وأنصارا فأثنوا عليه خيرا ومما قاله عثمان بن عفان :( اللهم علمي به أن سريرته أفضل من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله ) وبناء على تلك المشورة وحرصا على وحدة المسلمين ورعاية مصلحتهم
أوصى أبو بكر الصديق بخلافة عمر من بعده ، وأوضح سبب اختياره قائلا :(اللهم اني لم أرد بذلك الا صلاحهم ، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم ، واجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم ) ثم أخذ البيعة العامة له بالمسجد اذ خاطب المسلمين قائلا :(أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فوالله ما آليـت من جهـد الرأي ، ولا وليت ذا قربى ، واني قد استخلفـت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ) فرد المسلمون :(سمعنا وأطعنا) وبايعوه سنة ( 13 هـ )
انجازاته
استمرت خلافته عشر سنين تم فيها كثير من الانجازات المهمة لهذا وصفه ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال :( كان اسلام عمر فتحا ، وكانت هجرته نصرا ، وكانت إمامته رحمه ، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي الى البيت حتى أسلم عمر ، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا) فهو أول من جمع الناس لقيام رمضان في شهر رمضان سنة ( 14 هـ ) ، وأول من كتب التاريخ من الهجرة في شهر ربيع الأول سنة ( 16 هـ ) ، وأول من عسّ في عمله ، يتفقد رعيته في الليل وهو واضع الخراج ، كما أنه مصّـر الأمصار ، واستقضـى القضـاة ، ودون الدواويـن ، وفرض الأعطيـة ، وحج بالناس عشر حِجَـجٍ متواليـة ، وحج بأمهات المؤمنين في آخر حجة حجها
وهدم مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزاد فيه ، وأدخل دار العباس بن عبد المطلب فيما زاد ، ووسّعه وبناه لمّا كثر الناس بالمدينة ، وهو أول من ألقى الحصى في المسجد النبوي ، فقد كان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم ، فأمر عمر بالحصى فجيء به من العقيق ، فبُسِط في مسجد الرسول -صلى الله علي وسلم-
وعمر -رضي الله عنه- هو أول من أخرج اليهود وأجلاهم من جزيرة العرب الى الشام ، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة
الفتوحات الإسلامية
لقد فتح الله عليه في خلافته دمشق ثم القادسية حتى انتهى الفتح الى حمص ، وجلولاء والرقة والرّهاء وحرّان ورأس العين والخابور ونصيبين وعسقلان وطرابلس وما يليها من الساحل وبيت المقدس وبَيْسان واليرموك والجابية والأهواز والبربر والبُرلُسّ وقد ذلّ لوطأته ملوك الفرس والروم وعُتاة العرب حتى قال بعضهم :( كانت درَّة عمر أهيب من سيف الحجاج )
هَيْـبَتِـه و تواضعه
وبلغ -رضي الله عنه- من هيبته أن الناس تركوا الجلوس في الأفنية ، وكان الصبيان إذا رأوه وهم يلعبون فرّوا ، مع أنه لم يكن جبّارا ولا متكبّرا ، بل كان حاله بعد الولاية كما كان قبلها بل زاد تواضعه ، وكان يسير منفردا من غير حرس ولا حُجّاب ، ولم يغرّه الأمر ولم تبطره النعمة
استشهاده
كان عمر -رضي الله عنه- يتمنى الشهادة في سبيل الله ويدعو ربه لينال شرفها :( اللهم أرزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك) وفي ذات يوم وبينما كان يؤدي صلاة الفجر بالمسجد طعنه أبو لؤلؤة المجوسي ( غلاما للمغيرة بن شعبة ) عدة طعنات في ظهره أدت الى استشهاده ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة ولما علم قبل وفاته أن الذي طعنه ذلك المجوسي حمد الله تعالى أن لم يقتله رجل سجد لله تعالى سجدة ودفن الى جوار الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في الحجرة النبوية الشريفة الموجودة الآن في المسجد النبوي في المدينة المنورة

ــــــــــــــ


مَقتَل الخليفَة عُمَر بن الخَطّابْ


كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعيد النظر واسع الفكر، يخشى على المجتمع الإِسلامي من التلوث، ويخاف عليه من عدم التجانس بوجود عناصر غريبة فيه، تضيع معها الرقابة، وتنتشر آراء متباينة بالاختلاط، وتكثر فيه الإِساءة والنيل من مقوماته، يخشى أن يقوم الذي يأتون من خارج المجتمع من المجوس وسبي القتال بأعمال يريدون بها تهديم الكيان الإِسلامي، لهذا فإنه منع من احتلم من هؤلاء دخول مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن عدداً من الفرس الذين دالت دولتهم قد أظهروا الإِسلام، ودخلوا المدينة، ولا تزال عندهم من رواسب الماضي صلات مختلفة بعقيدتهم المجوسية القديمة، وارتباطات بحكومتهم السابقة، أو أنهم أظهروا الإِسلام وأبطنوا المجوسية.
طلب المغيرة بن شعبة أمير الكوفة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يسمح لغلامه (فيروز) الذي يدعى (أبا لؤلؤة) بدخول المدينة للعمل فيها خدمة للمسلمين حيث هو رجل ماهر يجيد عدداً من الصناعات التي تفيد المجتمع وتخدم الدولة، فهو حداد ونقاش ونجار، فأذن له عمر. وكان أبو لؤلؤة خبيثاً ماكراً، يضمر حقداً، وينوي شراً، يحن إلى المجوسية ولا يستطيع إظهارها، وتأخذه العصبية ولا يمكنه إبداءها، فكان إذا نظر إلى السبي الصغار يأتي فيسمح رؤوسهم ويبكي، ويقول : أكل عمر كبدي. وكان أبو لؤلؤة يتحين الفرص، ويراقب عمر وانتقاله وأفعاله، ويبدو أنه قد وجد أن قتل الخليفة وقت الصلاة أكثر الأوقات مناسبة له، إذ يستطيع أن يأخذه على غفلة منه، ويغدر به دون مواجهة، وكان عمر رضي الله عنه إذا مر بين صفوف المصلين قال : استووا، حتى إذا لم ير فيها خللاً تقدم فكبر ودخل في الصلاة.
فلما كانت صلاة فجر الثالث والعشرين من ذي الحجة في السنة الثالثة والعشرين من هجرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، وفعل عمر كعادته، فما هو إلا أن كبر حتى سمُع يقول : قتلني الكلب، وقد طعنه أبو لؤلؤة ست طعنات، وهرب العلج بين الصفوف، وبيده سكين ذات طرفين لا يمر على أحد يميناً أو شمالاً إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم ما يزيد على النصف، فلما رأى عبد الرحمن بن عوف ذلك القى عليه برنساً له، وأحس أبو لؤلؤة أنه مأخوذ لا محالة، لذا فقد أقدم على الانتحار بالسكين ذاتها. وجاء عبد الرحمن ليرى ما حل بالخليفة فوجده صريعاً، وعليه ملحفة صفراء قد وضعها على جرحه الذي في خاصرته، ويقول : (وكان أمر الله قدراً مقدوراً). وأخذ عمر بيد عبد الرحمن فقدمه للصلاة، وفقد عمر بعد ذلك وعيه، أما عبد الرحمن فقد صلى بالناس صلاة خفيفة. وقد رأى هذا من كان على مقربة من الإمام، أما الذين كانا في نواحي المسجد فإنهم لم يعرفوا ما الأمر، وإنما افتقدوا صوت عمر، فجعلوا يقولون : سبحان الله ... سبحان الله... حتى صلى عبد الرحمن فانقطع صوت التسبيح.
فلما أفاق عمر قال : أصلى الناس ؟ وهكذا لم ينقطع تفكيره بالصلاة على الرغم مما حل به.
قال عبد الله بن عباس : نعم.
قال عمر : لا إسلام لمن ترك الصلاة. ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى، وإن جرحه لينزف.
ثم احتمل إلى بيته، فقال لابن عباس - وكان معه - : اخرج، فسل من قتلني، فخرج فقيل له طعنه عدو الله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، ثم طعن رهطاً معه، ثم قتل نفسه. فرجع وأخبر عمر بذلك، فقال عمر : الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط.
وخشي عمر رضي الله عنه أن يكون له ذنب إلى الناس لا يعلمه، وقد طعن من أجله، فدعا ابن عباس وقال له : أحب أن تعلم لي أمر الناس، فخرج إليه ثم رجع فقال يا أمير المؤمنين، ما أتيت على ملأ من المسلمين إلا يبكون، فكأنما فقدوا اليوم أبناءهم.
وجيء له بطبيب من الأنصار فسقاه لبناً فخرج اللبن من الجرح، فاعتقد الطبيب أنه منته، فقال : يا أمير المؤمنين اعهد. فبكى القوم لما سمعوا ذلك. فقال عمر : لا تبكوا علينا، من كان باكياً فليخرج، ألم تسمعوا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعذب الميت ببكاء أهله عليه.
وكان عمر رضي الله عنه يخشى ما هو قادم عليه، فالمؤمن بين الخوف والرجاء، فيخاف عمر أن يكون قد قصر بحق الرعية ومسؤوليته، ويقول لمن كان حاضراً "وما أصبحت أخاف على نفسي إلا بإمارتكم هذه". وكان ابن عباس رضي الله عنهما يريد أن يطمئنه ويخفف عنه، فيذكره بمكانه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن رسول الله قد بشره بالجنة، فكان عمر يقول "والله لوددت أني نجوت منها كفافاً لا علي ولا لي"، "والذي نفسي بيده لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها لا أجر ولا وزر".
وقال به ابن عباس، لقد كان إسلامك عزّاً، وإمارتك فتحاً، ولقد ملأت الارض عدلاً. فقال عمر : أتشهد لي بذلك يا ابن عباس ؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لابن عباس : قل نعم وأنا معك.
وطلب عمر من ابنه عبد الله أن يفي ما عليه من الديون. ثم أرسله إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يستأذنها في أن يدفن بجانب صاحبيه، وقال له : قل لها : يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فمضي عبد الله فسلم واستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فسلم عليها وقال : يقرأ عليك عمر السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت : كنت أريده (المكان) لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي.
وكان عمر رضي الله عنه لا يريد أن يستخلف إلا أن ابنه عبدالله قد أقنعه بذلك. فعن عبد الله بن عمر أنه قال : دخلت على حفصة ونوساتها (ضفائرها) تقطر ماء فقالت : علمت أن أباك غير مستخلف ؟ قلت : ما كان ليفعل، قالت : إنه فاعل.
فحلفت أن أكلمه في ذلك، فغدوت عليه ولم أكلمه فكنت كأنما أحمل بيميني جبلاً حتى رجعت فدخلت عليه، فسألني عن حال الناس وأنا أخبره، ثم قلت له إني سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف. أرأيت لو أنك بعثت إلى قيم أرضك ألم تحب أن يستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض ؟ قال : بلى. قلت : أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك، ألم تكن تحب أن تستخلف رجلاً حتى يرجع ؟ فماذا تقول لله عز وجل إذا لقيته ولم تستخلف على عباده ؟ فأصابه كآبة ثم نكس رأسه طويلاً ثم رفع رأسه وقال : إن الله تعالى حافظ هذا الدين، وأي ذلك أفعل فقد سن لي، إن لم استخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن استخلف فقد استخلف أبو بكر.
فعلمت أنه لا يعدل أحداً برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه غير مستخلف.
قال عمر : قد رأيت من أصحابي حرصاً شديداً، وإني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النفر الستة الذين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، ثم قال : لو أدركني أحد رجلين، فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به. سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح فإن سألني ربي عن أبي عبيدة قلت : سمعت نبيك يقول إنه أمين هذه الأمة، وإن سألني عن سالم قلت : سمعت نبيك يقول إن سالماً شديد الحب لله.
قال : المغيرة بن شعبة : أدلك عليه، عبد الله بن عمر.
قال : قاتلك الله ‍ والله ما أردت الله بهذا، لا أرب لنا في أموركم وما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان خيراً فقد أصبنا منه، وإن كان شراً فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسأل عن أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافاً لا وزر ولا أجر إني لسعيد.
وجعلها شورى في ستة : عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم. وجعل عبد الله عمر معهم مشيراً وليس منهم، وأجّلهم ثلاثاً، وأمر صهيباً أن يصلي بالناس.
وكان طلحة بن عبيد الله غير موجود آنذاك بالمدينة حيث كان مشغولاً، خارجاً ببعض أعماله. فدعا عمر القوم، وقال لهم : إني قد ظهرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقاً إلا أن يكون فيكم، فإن كان شقاق فهو منكم، وقال إن قومكم إنما يؤمرون أحدكم أيها الثلاثة (لعثمان وعلي وعبد الرحمن) فاتق الله يا علي، إن وليت شيئاً من أمور المسلمين فلا تحملن بني هاشم على رقاب المسلمين، ثم نظر إلى عثمان وقال : اتق الله، إن وليت شيئاً من أمور المسلمين فلا تحملن بني أمية على رقاب المسلمين. وإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحمل ذوي قرابتك على رقاب الناس. ثم قال : قوموا فتشاورا فأمّروا أحدكم.
فلما خرجوا قال : لو ولوها الأجلح (علي) لسلك بهم الطريق، فقال ابنه عبد الله : فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تقدّم علياً ؟ قال : أكره أن أحملها حياً وميتاً.
وذكر عمر سعد بن أبي وقاص فقال : إن وليتم سعداً فسبيل ذاك، وإلا فليستشره الوالي فإني لم أعزله عن عجزٍ ولا خيانة.
وقال عمر : أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصل لكم صهيب - مولى بني جدعان - ثلاث ليالٍ، ثم أجمعوا أمركم، فمن تأمرّ منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه.
وأرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بقليل فقال له : كن في خمسين من قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت أحدهم فقم على الباب بأصحابك، فلا تترك أحداً يدخل عليهم، ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمّروا أحدهم. وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة ورضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً فحكموا عبد الله بن عمر فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس، ولا يحضر اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، اللهم أنت خليفتي فيهم.
وقد لزم أبو طلحة أصحاب الشورى بعد دفن عمر حتى بويع عثمان بن عفان.
وبقي عمر ثلاثة أيام بعد طعنه ثم توفي يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقد غسله وكفنه ابنه عبد الله، وصلى عليه صهيب.
ويبدو أن سيدنا عمر رضي الله عنه سار في جعل الأمر بين رجال الشورى على غير الطريق كان يتبعهاوهي طريقة الحسم في الأمر، إذ أن الاختيار ربما يجعل الرجل يفكر في أمر لم يكن يخطر في باله من قبل، بل ربما حدثت خلافات لم تكن لتحدث لو استخلف رجل معين فالكل يطيعون، والجميع لا يرغبون في هذا الأمر، هكذا الفطرة البشرية ترغب عند الاختيار، وتطلب حين الترشيح.
وربما ظن بعضهم أن هذه خطيئة وقع فيها سيدنا عمر، ويحاولون تخفيف ذلك الخطأ بأنه كان مصاباً ومن أجل ذلك حدث ما وقع، إلا أن التخطيط للانتخاب، ومحاولته معرفة سبب قتله، والنظرة البعيدة إلى المستقبل مع إصابته لتدل على مدى صحة تفكيره وسلامة عقله وعدم إضاعة أي شيء من النظر لمصلحة المسلمين. ولكن الخوف مما هو قادم عليه، جعله يريد أن يرفع المسؤولية عن نفسه، لقد كان يريد أن يستخلف إلا أنه خاف من تحمل التبعات وهو قادم للقاء الله عز وجل، وقد قال : لو ولوها الأجلح لسلك بهم الطريق، ويعني علياً، ولما قال ابنه عبد الله : فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تقدم علياً ؟ قال : أكره أن أحملها حياً وميتاً.

ــــــــــــــ


قيام الفاروق عمر رضي الله عنه


طـريـق القـرآن القانتون المخبتون لــربهـم الناطقون بأصدق الأقـوال

يحيون ليلهم بطاعة ربهــم بتلاوة ، وتضرع، وسؤال


وعيونهم تجري بفيض دموعهم مثل انهمال الـوابل الهطَّال


في الليل رهبان، وعند جهادهم لعدوهـم من أشجع الأبطال


و إذا بدا علم الرِّهان رأيتهـم يتسابقون بصالح الأعمـال


بوجوههم أثر السجود لربهـم وبها أشعة نـوره المتلالي

مهما سطر القلم وخطّ المداد ، ومهما أوتينا من لسان وفصاحةٍ فلن نوفِّيَ أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حقهم وصدق الله تعالى إذ يقول : ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ … (التوبة: من الآية100) .
قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهباً ما أنفق مدَّ أحدهم ولا نصيفه ) . رواه البخاري ومسلم
وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) أخرجه الحاكم في المستدرك والترمذي في سننه وصححه الألباني في صحيح الجامع
وقال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ( إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ) .
نعم ، كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً ، فكم فيهم من أوَّاهٍ تالي … بل كلهم أواه متهجد تالي … كل فرد منهم نسيج وحده في التهجد والعبادة … وما المتهجد فيمن بعدهم إلا كاللاعب .
وهاهو عمر بن الخطاب فاروق الإسلام آية وحده في العبادة والتنسك
قال الحسن: " تزوج عثمان بن أبي العاص امرأة من نساء عمر بن الخطاب، فقال: والله ما نكحتها رغبةً في مال ولا ولد، ولكني أحببت أن تخبرني عن ليل عمر فسألتها، فقلت: كيف كانت صلاة عمر بالليل ؟! قالت كان يصلى العشاء ثم يأمرنا أن نضع عند رأسه تَوراً فيه ماء فيتعارَّ (يتقلب) من الليل فيضع يده في الماء فيمسح وجهه ويديه ثم يذكر الله عز وجل حتى يُغفى، ثم يتعارَّ حتى تأتي الساعة التي يقوم فيها.
وقال لمعاوية بن خديج وقد دخل عليه في وقت الظهيرة فظنه قائلاً[أي نائماً]: قال: بئس ما قلت، أو بئس ما ظننت، لئن نمت بالنهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت بالليل لأضيعن نفسي فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية ؟!
ولذا كان ينعس وهو قاعد فقيل له: ألا تنام يا أمير المؤمنين ؟! فيقول: كيف أنام ؟! إن نمت الليل ضيعت حظي مع الله.
لله درك يا فاروق الإسلام خفقات برأسك فقط ولا تركن إلى الفراش.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: " وكان يصلى بالناس العشاء ثم يدخل بيته فلا يزال يصلى إلى الفجر ".
وقال أسلم مولى عمر رضي الله عنه: " قدم المدينة رِفقة من تجار، فنزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نحرسهم الليلة ؟ قال: نعم، فباتا يحرسانهم ويصليان "
وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم: " الصلاة الصلاة " ثم يتلو هذه الآية: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾(طـه:132).
وورد عن عمر رضى الله عنه أنه قال: " لولا ثلاث لما أحببت البقاء، لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل ومجالسة أقوام ينتقون أطيب الكلام كما ينتقى أطايب التمر ".
رضى الله عنك يا فاروق الإسلام ……… كان في وجهه خطان أسودان مثل الشراك من البكاء وكان يمر بالآية من ورده فيبكى حتى يسقط ويبقى في البيت حتى يُعَاد للمرض.
نعم …… فمن يجارى أبا حفص وسيرتَه … أو من يحاول للفاروق تشبيها
" صدقت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها لما قالت: إذا شئتم أن يطيب المجلس فعليكم بذكر عمر بن الخطاب "
ولما توفي عمر رضى الله عنه قال على بن أبي طالب رضى الله عنه: " ما خَلَّفتُ أحداً أحبُّ أن ألقى الله بمثل عمله منك يا عمر ".
وبعدُ يا داعية الإسلام:
إن من جَدَّ وجد وليس من سهر كمن رقد.
وهاهي أعلام القيام منشورة، ورايات الصلاة والصيام مرفوعة، فاقصُد ساحاتها، واغش باحاتها
هيا يا أخي ... أغلق باب الراحة، وافتح باب الجهد
أغلق باب النوم، وافتح باب السهر
هيا إلى صحبة الساهرين مع النجوم، الآنفين من الهجود
وليكن نشيدك:
صبراً على لأوائها والموعد الله.

ــــــــــــــ




ذو النورين عثمان بن عفان


إنه الصحابي الجليل عثمان بن عفان-رضي الله عنه-، بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، ووعده بالشهادة، ومات وهو راض عنه، وجهز جيش العسرة، وتزوج من ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم :، وكان ثالث الخلفاء الراشدين، واستشهد وهو يقرأ القرآن الكريم.
وقد ولد عثمان بعد ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم بست سنوات في بيت شريف، فأبوه
عفان بن العاص صاحب المجد والكرم في قومه. وكان عثمان -رضي الله عنه- من السابقين إلى الإسلام، فحين دعاه أبو بكر إلى الإيمان بالله وحده، لبى النداء، ونطق بشهادة الحق.
ورغم ما كان يتمتع به عثمان -رضي الله عنه- من مكانة في قومه لا أنه تعرض للإيذاء من أجل إسلامه، وتحمل كثيرًا من الشدائد في سبيل دعوته، فقد أخذه عمه الحكم بن أبي العاص، وأوثقه برباط، وأقسم ألا يحله حتى يترك دينه، فقال له عثمان: والله لا أدعه أبدًا ولا أُفارقه. فلما رأى الحكم صلابته وتمسكه بدينه؛ تركه وشأنه.
وكان عثمان من الذين هاجروا إلى الحبشة فارًا بدينه مع زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم :، ثم هاجر إلى المدينة، وواصل مساندته للنبي ( بكل ما يملك من نفس ومال.
ولما خرج المسلمون إلى بدر لملاقاة المشركين تمنى عثمان -رضي الله عنه- أن يكون معهم، ولكن زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضت، فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبقى معها ليمرضها، وبعد أن انتصر المسلمون في المعركة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في توزيع الغنائم، فجعل لعثمان نصيبًا منها، ولكن زوجته رقية -رضي الله عنها- لم تعش طويلاً، فماتت في نفس السنة التي انتصر فيها المسلمون في غزوة بدر.
وبعد وفاة رقية زوَّج الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان من ابنته الأخرى أم كلثوم، ليجتمع بذلك الفضل العظيم لعثمان بزواجه من ابنتي الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلقب بذي النورين.
ثم شهد عثمان-رضي الله عنه-مع النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا من المشاهد، وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة حينما أرادوا أداء العمرة ليخبر قريشًا أن المسلمين جاءوا إلى مكة لأداء العمرة، وليس من أجل القتال، ولكن المشركين احتجزوا عثمان بعض الوقت، وترددت إشاعة أنهم قتلوه، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ودعاهم إلى بيعته على قتال المشركين، فسارع الصحابة بالبيعة، وعرفت تلك البيعة ببيعة الرضوان، وعاد عثمان -رضي الله عنه-، وكان صلح الحديبية.
وفي المدينة رأى عثمان -رضي الله عنه- معاناة المسلمين من أجل الحصول على الماء في المدينة؛ حيث كانوا يشترون الماء من رجل يهودي يملك بئرًا تسمى رومة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "من يشتري بئر رومة فيجعل دلاءه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة" [الترمذي].
فذهب عثمان-رضي الله عنه-إلى ذلك اليهودي وساومه على شرائها، فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى نصفها باثني عشر ألف درهم، ثم خصص لنفسه يومًا ولليهودي يومًا آخر، فإذا كان يوم عثمان أخذ المسلمون من الماء ما يكفيهم يومين دون أن يدفعوا شيئًا، فلما رأى اليهود ذلك جاء إلى عثمان، وباع له النصف الآخر بثمانية آلاف درهم، وتبرع عثمان بالبئر كلها للمسلمين.
وفي غزوة تبوك، حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على الإنفاق لتجهيز الجيش الذي سمي بجيش العسرة لقلة المال والمؤن وبعد المسافة، وقال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة" [الترمذي].
فبعث عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف دينار، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها ويدعو عثمان ويقول: "غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما أخفيت وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، وما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا" [ابن عساكر والدارقطني].
وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو راض عن عثمان؛ فقال: "لكل نبي رفيق ورفيقي (يعني في الجنة) عثمان" [الترمذي].
وكان عثمان نعم العون لأبي بكر الصديق في خلافته، ومات وهو عنه راض، وكان كذلك مع عمر بن الخطاب حتى لقى عمر ربه، وقد اختاره عمر ضمن الذين رشحهم لتولي الخلافة من بعده، وبعد مشاورات بينهم تم اختياره ليكون الخليفة الثالث للمسلمين بعد عمر.
وظل عثمان خليفة للمسلمين ما يقرب من اثنتي عشرة سنة فكان عادلاً في حكمه، رحيما بالناس، يحب رعيته ويحبونه، وكان يحرص على معرفة أخبارهم أولاً بأول.
وعرف عثمان -رضي الله عنه- بالزهد والقناعة مع ما توفر من ثراء عظيم، ومال وفير، يقول عبد الملك بن شداد: رأيت عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يوم الجمعة على المنبر وعليه إزار عدني (من عدن) غليظ، ثمنه أربعة دراهم أو خمسة دراهم.
وقال الحسن: رأيت عثمان بن عفان-رضي الله عنه-يقيل (ينام وقت الظهيرة) في المسجد وهو يومئذ خليفة، وقد أثر الحصى بجنبه فنقول: هذا أمير المؤمنين! هذا أمير المؤمنين!
وقال شرحبيل بن مسلم: كان عثمان -رضي الله عنه- يطعم الناس طعام الإمارة، وعندما يدخل بيته كان يأكل الخل والزيت.
وكان رضي الله عنه يحث المسلمين على الجهاد، ويرغب فيه، قال يومًا وهو على المنبر: أيها الناس إني كتمتكم حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكموه ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يومًا فيما سواه من المنازل" [النسائي].
وواصل عثمان نشر الإسلام، ففتح الله على يديه كثيرًا من الأقاليم والبلدان، وتوسعت في عهده بلاد الإسلام، وامتدت في أنحاء كثيرة.
ومن فضائله -رضي الله عنه- وحسناته العظيمة، أنه جمع الناس على مصحف واحد، بعد أن شاور صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتى بالمصحف الذي أمر أبو بكر -رضي الله عنه- زيد بن ثابت -رضي الله عنه- بجمعه، وكان عند السيدة حفصة أم المؤمنين -رضي الله عنها-، ثم أمر بكتابة عدة نسخ ، فبعث واحدًا لأهل الشام وآخر لأهل مصر، وأرسل نسخة إلى كل من البصرة واليمن.
فكان لعمله هذا فائدة عظيمة حتى يومنا هذا، وسميت تلك النسخ التي كتبها بالمصاحف الأئمة، ثم قام بحرق ما يخالفها من المصاحف، وأعجب الصحابة بما فعل عثمان، فقال أبو هريرة -رضي الله عنه- : أصبت ووفقت، وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- : لو لم يصنعه هو لصنعته.
وكان عثمان بن عفان -رضي الله عنه- كثير العبادة، يداوم على قيام، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان سوف يقتل مظلومًا وأنه من الشهداء، فذات يوم، صعد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان جبل أحد، فاهتز الجبل بهم، فقال له النبي: "اسكن أحد، فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان" [البخاري].
وتحقق قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : وقتل عثمان -رضي الله عنه- ظلمًا، وهو يتلو آيات القرآن الكريم في يوم الجمعة (18) ذي الحجة سنة (35هـ).
وصلى عليه الزبير بن العوام ودفن ليلة السبت، وكان عمره يومئذ (82) سنة، وقيل غير ذلك، فرضي الله عنه.

ــــــــــــــ


عثمان بن عفان

نسبه
هو عثمان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب‏.‏ يجتمع نسبه مع الرسول ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ في الجد الخامس من جهة أبيه‏‏‏.‏ عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فهو قرشي أموي يجتمع هو والنبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ في عبد مناف، وهو ثالث الخلفاء الراشدين‏.‏
وأمه أروى بنت كريز وأم أروى البيضاء بنت عبد المطلب عمة الرسول ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ
ويقال لعثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ‏:‏ ‏(‏ذو النورين‏) لأنه تزوج رقية، وأم كلثوم، ابنتيَّ النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏.‏ ولا يعرف أحد تزوج بنتيَّ نبي غيره
اسلامه
أسلم عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ في أول الإسلام قبل دخول رسول اللَّه دار الأرقم، وكانت سنِّه قد تجاوزت الثلاثين، دعاه أبو بكر إلى الإسلام فأسلم، ولما عرض أبو بكر عليه الإسلام قال له‏:‏ ويحك يا عثمان واللَّه إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل، هذه الأوثان التي يعبدها قومك، أليست حجارة صماء لا تسمع، ولا تبصر، ولا تضر، ولا تنفع‏؟‏ فقال‏:‏ بلى، واللَّه إنها كذلك، قال أبو بكر‏:‏ هذا محمد بن عبد اللَّه قد بعثه اللَّه برسالته إلى جميع خلقه، فهل لك أن تأتيه وتسمع منه‏؟‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏
وفي الحال مرَّ رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ فقال‏:‏ ‏(‏يا عثمان أجب اللَّه إلى جنته فإني رسول اللَّه إليك وإلى جميع خلقه‏)‏‏.‏ قال ‏:‏ فواللَّه ما ملكت حين سمعت قوله أن أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمد رسول عبده ورسوله، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية‏.‏ وكان يقال‏:‏ أحسن زوجين رآهما إنسان، رقية وعثمان‏.‏ كان زواج عثمان لرقية بعد النبوة لا قبلها،
زواجه من ابنتى رسول الله
رقية بنت رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، وأمها خديجة، وكان رسول اللَّه قد زوَّجها من عتبة بن أبي لهب، وزوَّج أختها أم كلثوم عتيبة بن أبي لهب، فلما نزلت‏:‏ ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)‏.‏ قال لهما أبو لهب وأمهما ـ أم جميل بنت حرب(حمالة الحطب) فارقا ابنتَي محمد، ففارقاهما قبل أن يدخلا بهما كرامة من اللَّه تعالى لهما، وهوانًا لابني أبي لهب، فتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة، وهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت له هناك ولدًا فسماه‏:‏ ‏"‏عبد اللَّه‏"‏، وكان عثمان يُكنى به ولما سار رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ إلى بدر كانت ابنته رقية مريضة، فتخلَّف عليها عثمان بأمر رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، فتوفيت يوم وصول زيد بن حارثة
زوجته أم كلثوم
بنت رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، وأمها خديجة، وهي أصغر من أختها رقية، زوَّجها النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ من عثمان بعد وفاة رقية، وكان نكاحه إياها في ربيع الأول من سنة ثلاث، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة، ولم تلد منه ولدًا، وتوفيت سنة تسع وصلى عليها رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم
وروى سعيد بن المسيب أن النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ رأى عثمان بعد وفاة رقية مهمومًا لهفانا‏.‏ فقال له‏:‏ ‏ما لي أراك مهمومًا‏‏ ‏؟‏
فقال‏:‏ يا رسول اللَّه وهل دخل على أحد ما دخل عليَّ ماتت ابنة رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ التي كانت عندي وانقطع ظهري، وانقطع الصهر بيني وبينك‏.‏ فبينما هو يحاوره إذ قال النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏هذا جبريل عليه السلام يأمرني عن اللَّه عز وجل أن أزوجك أختها أم كلثوم على مثل صداقها، وعلى مثل عشرتها‏)
صفاته
وكان ـ رضي اللَّه عنه ـ أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجال قريش يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمور لعلمه، وتجاربه، وحسن مجالسته، وكان شديد الحياء، ومن كبار التجار‏.‏
أخبر سعيد بن العاص أن عائشة ـ رضي اللَّه عنها ـ وعثمان حدثاه‏:‏ أن أبا بكر استأذن النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة فأذن له وهو كذلك، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف‏.‏ ثم استأذن عمر فأذن له، وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف‏.
ثم استأذن عليه عثمان فجلس وقال لعائشة‏:‏ ‏(‏اجمعي عليك ثيابك‏)‏ فقضى إليه حاجته، ثم انصرف‏.
قالت عائشة‏:‏ يا رسول اللَّه لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان‏!‏ قال رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏‏إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال لا يُبلغ إليّ حاجته‏‏
وقال الليث‏:‏ قال جماعة من الناس‏:‏ ‏‏ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة‏‏
و كان لا يوقظ نائمًا من أهله إلا أن يجده يقظان فيدعوه فيناوله وضوءه، وكان يصوم ‏، ويلي وضوء الليل بنفسه‏.‏ فقيل له‏:‏ لو أمرت بعض الخدم فكفوك، فقال‏:‏ لا، الليل لهم يستريحون فيه‏.‏ وكان ليَّن العريكة، كثير الإحسان والحلم‏.‏ قال رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏( أصدق أمتي حياءً عثمان‏ )
وهو أحد الستة الذين توفي رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وهو عنهم راضٍ، وقال عن نفسه قبل قتله‏:‏ ‏"‏واللَّه ما زنيت في جاهلية وإسلام قط‏"‏‏.
تبشيره بالجنة
قال‏:‏ كنت مع رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ في حديقة بني فلان والباب علينا مغلق إذ استفتح رجل فقال النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏يا عبد اللَّه بن قيس، قم فافتح له الباب وبشَّره بالجنة‏ فقمت، ففتحت الباب فإذا أنا بأبي بكر الصدِّيق فأخبرته بما قال رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، فحمد اللَّه ودخل وقعد،
ثم أغلقت الباب فجعل النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ينكت بعود في الأرض فاستفتح آخر فقال‏:‏ يا عبد اللَّه بن قيس قم فافتح له الباب وبشَّره بالجنة، فقمت، ففتحت، فإذا أنا بعمر بن الخطاب فأخبرته بما قال النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، فحمد اللَّه ودخل، فسلم وقعد، وأغلقت الباب
فجعل النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ينكت بذلك العود في الأرض إذ استفتح الثالث الباب فقال النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ: يا عبد اللَّه بن قيس، قم فافتح الباب له وبشره بالجنة على بلوى تكون فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، ثم قال: الله المستعان‏
بيعة الرضوان
في الحديبية دعا رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال‏:‏ يا رسول اللَّه إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكني أدلّك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان، فدعا رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحربهم وأنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت ومعظَّمًا لحرمته‏.‏
فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلَّغ رسالة رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏.‏ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ إليهم‏:‏ إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال‏:‏ ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللَّه والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل،ولما لم يكن قتل عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ محققًا، بل كان بالإشاعة بايع النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ عنه على تقدير حياته‏.‏ وفي ذلك إشارة منه إلى أن عثمان لم يُقتل، وإنما بايع القوم أخذًا بثأر عثمان جريًا على ظاهر الإشاعة تثبيتًا وتقوية لأولئك القوم، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى وقال‏:‏ ‏اللَّهم هذه عن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك‏.
اختصاصة بكتابة الوحى
عن فاطمة بنت عبد الرحمن عن أمها أنها سألت عائشة وأرسلها عمها فقال‏:‏ إن أحد بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن عفان فإن الناس قد شتموه فقالت‏:‏ لعن اللَّه من لعنه، فواللَّه لقد كان عند نبي اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وأن رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ لمسند ظهره إليَّ، وأن جبريل ليوحي إليه القرآن، وأنه ليقول له‏:‏ اكتب يا عثيم فما كان اللَّه لينزل تلك المنزلة إلا كريمًا
على اللَّه ورسوله‏.‏ أخرجه أحمد وأخرجه الحاكم وقال‏:‏ ‏‏قالت‏:‏ لعن اللَّه من لعنه، لا أحسبها قالت‏:‏ إلا ثلاث مرات، لقد رأيت رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وهو مسند فخذه إلى عثمان، وإني لأمسح العرق عن جبين رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، وأن الوحي لينزل عليه وأنه ليقول‏:‏ اكتب يا عثيم، فواللَّه ما كان اللَّه لينزل عبدًا من نبيه تلك المنزلة إلا كان عليه كريمًا‏
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال‏:‏ كان رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ إذا جلس جلس أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعثمان بين يديه، وكان كَاتبَ سر رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏.‏
جيش العسرة
يقال لغزوة تبوك غزوة العُسرة، مأخوذة من قوله تعالى‏:‏ ِ ‏ لَقَد تَّابَ الله عَلَىالنَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة
ندب رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ الناس إلى الخروج وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم وأمر الناس بالصدقة، وحثهم على النفقة والحملان، فجاءوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء أبو بكر الصدِّيق ـ رضي اللَّه عنه ـ، فجاء بماله كله 40‏.‏4000 درهم فقال له ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏‏هل أبقيت لأهلك شيئًا‏؟‏‏‏ قال‏:‏ أبقيت لهم اللَّه ورسوله‏.‏ وجاء عمر ـ رضي اللَّه عنه ـ بنصف ماله فسأله‏:‏ ‏‏هل أبقيت لهم شيئًا‏؟‏‏ ‏قال‏:‏ نعم، نصف مالي
وجهَّز عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ ثلث الجيش جهزهم بتسعمائة وخمسين بعيرًا وبخمسين فرسًا‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ أنفق عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها‏.‏ وقيل‏:‏ جاء عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العُسرة فنثرها في حجر رسول اللَّه فقبلها في حجر وهو يقول‏:‏ ‏‏ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم‏‏‏.‏ وقال رسول اللَّه‏:‏ ‏‏من جهز جيش العُسرة فله الجنة‏‏
بئر رومة
واشترى بئر رومة من اليهود بعشرين ألف درهم، وسبلها للمسلمين‏.‏ كان رسول اللَّه قد قال‏:‏ ‏‏من حفر بئر رومة فله الجنة
توسعة المسجد النبوى
كان المسجد النبوي على عهد رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ مبنيًَّا باللبن وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا وزاد فيه عمرًا وبناه على بنائه في عهد رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ باللبن والجريد وأعاد عمده خشبًا، ثم غيَّره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والفضة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج، وجعل أبوابه على ما كانت أيام عمر ستة أبواب‏.‏
الخلافة
لقد كان عثمان بن عفان أحد الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لخلافته فقد أوصى بأن يتم اختيار أحد ستة :(علي بن أبي طالب ، عثمان بن عفان ، طلحة بن عبيد الله ، الزبير بن العوام ، سعد بن أبي وقاص ، عبد الرحمن بن عوف ) في مدة أقصاها ثلاثة أيام من وفاته حرصا على وحدة المسلميـن ، فتشاور الصحابـة فيما بينهم ثم أجمعوا على اختيار عثمان -رضي الله عنه- وبايعـه المسلمون في المسجد بيعة عامة سنة ( 23 هـ ) ، فأصبح ثالث الخلفاء الراشدين
استمرت خلافته نحو اثني عشر عاما تم خلالها الكثير من الأعمال: نَسْخ القرآن الكريم وتوزيعه على الأمصار, توسيع المسجد الحرام, وقد انبسطت الأموال في زمنه حتى بيعت جارية بوزنها ، وفرس بمائة ألف ، ونخلة بألف درهم ، وحجّ بالناس عشر حجج متوالية
الفتوحات
فتح الله في أيام خلافة عثمان -رضي الله عنه- الإسكندرية ثم سابور ثم إفريقية ثم قبرص ، ثم إصطخر الآخرة وفارس الأولى ، ثم خو وفارس الآخرة ثم طبرستان ودرُبُجرْد وكرمان وسجستان ثم الأساورة في البحر ثم ساحل الأردن وقد أنشأ أول أسطول إسلامي لحماية الشواطيء الإسلامية من هجمات البيزنطيين
الفتنة
في أواخر عهده ومع اتساع الفتوحات الاسلامية ووجود عناصر حديثة العهد بالاسلام لم تتشرب روح النظام والطاعة ، أراد بعض الحاقدين على الاسلام وفي مقدمتهم اليهود اثارة الفتنة للنيل من وحدة المسلمين ودولتهم ، فأخذوا يثيرون الشبهات حول سياسة عثمان -رضي الله عنه- وحرضوا الناس في مصر والكوفة والبصرة على الثورة ، فانخدع بقولهم بعض من غرر به ، وساروا معهم نحو المدينة لتنفيذ مخططهم ، وقابلوا الخليفة وطالبوه بالتنازل ، فدعاهم الى الاجتماع بالمسجد مع كبار الصحابة وغيرهم من أهل المدينة ، وفند مفترياتهم وأجاب على أسئلتهم وعفى عنهم ، فرجعوا الى بلادهم لكنهم أضمروا شرا وتواعدوا على الحضور ثانية الى المدينة لتنفيذ مؤامراتهم التي زينها لهم عبدالله بن سبأ اليهودي الأصل والذي تظاهر بالاسلام
استشهاده
وفي شـوال سنة ( 35 ) من الهجرة النبوية ، رجعت الفرقة التي أتت من مصر وادعوا أن كتابا بقتل زعماء أهل مصر وجدوه مع البريد ، وأنكر عثمان -رضي الله عنه- الكتاب لكنهم حاصروه في داره ( عشرين أو أربعين يوماً ) ومنعوه من الصلاة بالمسجد بل ومن الماء ، ولما رأى بعض الصحابة ذلك استعـدوا لقتالهم وردهم لكن الخليفة منعهم اذ لم يرد أن تسيل من أجله قطرة دم لمسلم ، ولكن المتآمريـن اقتحموا داره من الخلف ( من دار أبي حَزْم الأنصاري ) وهجموا عليه وهو يقـرأ القـرآن وأكبت عليه زوجـه نائلـة لتحميه بنفسها لكنهم ضربوها بالسيف فقطعت أصابعها ، وتمكنوا منه -رضي الله عنه- فسال دمه على المصحف ومات شهيدا في صبيحة عيد الأضحى سنة ( 35 هـ ) ، ودفن بالبقيع000وكان مقتله بداية الفتنة بين المسلمين الى يومنا هذا0

ــــــــــــــ


خلاَفة عُثمان بن عَفّان

لما دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن صلى عليه صهيب، جمع المقداد بن عمرو أصحاب الشورى في بيت المسور بن مخرمة، وكانوا خمسة وهم : عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبدالرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، ومعهم عبدالله بن عمر، وطلحة بن عبيد الله غائب، وكان أبو طلحة الأنصاري يحرسهم، ويحجبهم من أن يدخل الناس إليهم.
تداول القوم الأمر، وتكلم كل منهم بكلمة تبيّن الاشفاق على الأمة والخوف من الفرقة. ثم قال عبد الرحمن بن عوف وقد كان في البداية أول المتكلمين "أيكم يخرج منها نفسه، ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟" فلم يجبه أحد، فقال : فأنا انخلع منها، فقال عثمان : أنا أول من رضي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أمين في الأرض أمين في السماء"، فقال القوم : قد رضينا - وعلي ساكت - فقال : ما تقول يا أبا الحسن ؟ قال : اعطني موثقاً لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألوا الأمة ‍ فقال : اعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدلّ وغيّر، وأن ترضوا من اخترت لكم، عليّ ميثاق ألا أخص ذا رحمٍ لرحمه، ولا آلو المسلمين. فأخذ منهم ميثاقاً وأعطاهم مثله، فقال لعلي : إنك تقول : إني أحق من حضر بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين ولم تبعد، ولكن أرأيت لو صُرف هذا الأمر عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق بالأمر ؟ قال : عثمان. وخلا بعثمان، فقال : تقول : شيخ من بني عبد مناف، وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، لي سابقة وفضل - لم تبعد - فلن يصرف هذا الأمر عني، ولكن لو لم تحضر فأي هؤلاء الرهط أحق به ؟ قال : علي. ثم خلا بالزبير فكلمه بمثل ما كلم به علياً وعثمان، فقال : علي. ثم خلا بسعد، فكلمه، فقال : عثمان. وهكذا حصر الأمر بين علي وعثمان، ولم يرد عبدالرحمن بن عوف أن يختار هو فيرجح الكفة، ويُنظر إليه أنه هو الذي اختار أو عيّن، فقد كانوا رضي الله عنهم يريدون أن يبتعدوا عن مثل هذه المواقف والمواطن.
ودار عبد الرحمن يلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم، فكان أكثرهم يشير إلى عثمان، حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الأجل وهو ثلاثة أيام، أتى منزل المسور بن مخرمة بعد ابهيرار من الليل، فأيقظه فقال : ألا أراك نائماً ولم أذق هذه الليلة كثير غمض ‍ انطلق فادع الزبير وسعداً. ويبدو أن عبد الرحمن رغب أن ينهي القضية بين أصحاب الشورى بالذات بالمناقشة، وأن يدع رأي من استشار خارجهم، عسى أن يوفق في كسب رأي الزبير وسعد إلى جانب أحد صاحبي الأمر عثمان أو علي، وبعد اجتماعه بالزبير ثم بسعد رأى أن رأيهما لا يزال كالسابق، عندها حزم رأيه أن يأخذ البيعة لأحدهما أمام الصحابة حتى تكون أقوى وحتى لا تكون محاباة - معاذ الله - وحتى لا يستطيع أحدهما أن يعترض أو يظن شيئاً. وبعد أن صلى المسلمون الفجر في المسجد، جمع عبد الرحمن أصحاب الشورى، وبعث إلى من حضر من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار، وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى غصّ المسجد بأهله. فقام عبد الرحمن وقال : أيها الناس، إن الناس قد أجمعوا أن يلحق أهل الأمصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم. فأبدى بعض المسلمين رأيهم فتكلم سعيد بن زيد وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأعطى رأيه لصالح عبد الرحمن إذ قال : إن نراك لها أهلاً، فقال عبد الرحمن : أشيروا عليّ بغير هذا‍ فقام عمار بن ياسر وأيد علياً، ووافقه المقداد بن عمرو، ثم قام عبد الله بن سعد ابن أبي سرح فأيد عثمان ووافقه عبدالله بن أبي ربيعة. وكادت الأصوات تعلو، وعندها وقف سعد بن أبي وقاص وقال : يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتن الناس، فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلاً، ودعا علياً، فقال : عليك عهد الله وميثاقه لتعملنّ بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده ؟ قال : أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، قال : نعم، فبايعه، وبايع الناس جميعاً.
وهكذا استطاع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن يمنع الخلاف والفرقة، وألا يدخل رأي غير أصحاب الشورى الذين كانوا بجانب عثمان، وألا يقف بجانب واحدٍ من الرجلين وقد تساوت الآراء وتعادلت الأصوات، لقد استطاع هذا بمعرفة طبيعة الصحابيين الجليلين رضي الله عنهما.
وفي اليوم الذي بويع فيه عثمان قدم طليحة بن عبيد الله أحد رجال الشورى -وقد كان غائباً- فقيل له : بايع عثمان، فقال : أكل قريش راضٍ به ؟ قال : نعم، قال :أكل الناس بايعوك ؟ قال : نعم، قال : قد رضيت، لا أرغب عما قد أجمعوا عليه، وبايعه.
وصعد عثمان بعد بيعته المنبر وهو أكثر أهل الشورى كآبة، وتكلم كلمة قصيرة نصح فيها الناس وذكّرهم بالآخرة، وحذّرهم من فتنة الدنيا.
وكانت بيعته رضي الله عنه في الأيام الأخيرة من شهر ذي الحجة إلى غرة المحرم من السنة الرابعة والعشرين من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكان الولاة على الأمصار كما يلي :
والي مكة المكرمة : نافع بن عبد الحارث الخزاعي.
والي الطائف : سفيان بن عبد الله الثقفي.
والي صنعاء : يعلى بن منبه، حليف بني نوفل بن عبد مناف.
والي جَنَد : عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي.
والي الكوفة : المغيرة بن شعبة الثقفي.
والي البصرة : أبو موسى عبدالله بن قيس الأشعري.
والي الشام : معاوية بن أبي سفيان الأموي.
والي حمص : عمير بن سعد.
والي مصر : عمرو بن العاص السهمي.
والي البحرين : عثمان بن أبي العاص الثقفي.

ــــــــــــــ


المجتَمَع الإسْلاَميّ أيَّام عُثمان

كان المجتمع الإِسلامي أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاضلاً متماسكاً، ولم يختلف يوم تولى الأمر عثمان بن عفان رضي الله عنه، إن لم نقل أن الرضا كان من عثمان أكثر من عمر للينه، وقد ملّ المجتمع الحزم، ولرفقه وقد تعب الناس من الشدة وإن حاول الكثير إظهار الخلاف الكبير بين العهدين، والرضا بعهد عمر، وإنقاص حق عهد عثمان. ولم يكن للشورى التي أوصلت عثمان إلى الخلافة أي أثر في المجتمع، إذ تمت بشكل طبيعي ودون أن يحاول أحد رجالها أن يسعى للحكم، فعبد الرحمن بن عوف - كما نعلم - سلخ نفسه منها، والزبير رشح غيره، وكذا سعد، ولم يبق إلا علي وهو رجل زاهد فيها من البداية إلى النهاية، وبايع عثمان كما بايع غيره، ولم يختلف أحد من المسلمين.
إلا أن المشكلة التي كثر البحث فيها هي قتل الهرمزان وجفينة وابنة أبي لؤلؤة على يد عبيد الله بن عمر، فالحادثة التي قتل فيها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جريمة سياسية اشتركت فيها أطراف متعددة من مجوس ويهود ونصارى ... وبعضهم كان يظهر الإِسلام، وبعضهم من بلاد ثانية كان لهم دور في التخطيط للقتل ... والمشتركون فيها لا بدّ من قتلهم قصاصاً ووضعاً للحد من جرائم القتل وعبث أعداء الإِسلام بأهله، إلا أن القتل لا بدّ من أن يكون برأي الخليفة حتى لا يكون تعدٍ على صلاحيات صاحب الأمر، وحتى لا يفلت زمام الأمر، ويقوم بتنفيذ الأحكام كل امرئٍ حسب رأيه وهواه باسم إقامة الحدود ... ولما قام بالأمر عبيد الله بن عمر فلا بدّ من حسابه، ولكن الخليفة أيضاً هو الذي يحاسبه وينظر في أمره وليس سوى ذلك، لذا فقد حُبس عبيدالله بانتظار رأي الخليفة الجديد، فلما تولى عثمان كانت هذه أول مشكلة واجهته، ولا بدّ من إقامة الحد وهو القتل، وهذا ما أشار به علي بن أبي طالب وعدد من الصحابة، وقد صعب على عدد آخر أن يقتل عمر بن الخطاب بالأمس بأيدٍ قذرةٍ واليوم يقتل ابنه، إلا أن المسلم لا يقتل بغير المسلم، وشك الناس في إسلام الهرمزان لذا فقد عرضوا على عثمان أن يكون هو ولي أمر المقتولين بصفتهم غرباء، وأن يدفع الدية من بيت المال وتعود، إذ أن بعضهم لا أولياء لهم، وفكر بعضهم أن يقوم الخليفة بدفع الدية من ماله الخاص، وعلى كلٍ فإن الخليفة لا يمكن أن يقبل بهذا التحايل لتعطيل حدٍ من حدود الله، ولكنه دفع عبيد الله بن عمر إلى القماذبان بن الهرمزان ليقتله بابيه، إذ عدَّ الهرمزان مسلماً، فيقول القماذبان : كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمرّ فيروز بأبي، ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه، وقال : ما تصنع بهذا في هذه البلاد ؟ فقال : آنس به، فرآه رجل، فلما أصيب عمر، قال : رأيت هذا مع الهرمزان، دفعه إلى فيروز. فأقبل عبيدالله فقتله، ولما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال: يا بني، هذا قاتل أبيك، وأنت أولى به منه، فاذهب فاقتله، فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت لهم : ألي قتله ؟ قالوا : نعم - وسبُّوا عبيد الله - فقلت : أفلكم أن تمنعوه ؟ قالوا : لا، وسبّوه فتركته لله ولهم. فاحتملوني، فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم. وبهذا فقد عفا صاحب الحق، وعندها قام عثمان بدفع الدية من ماله الخاص، أما الذين لا أولياء لهم فالخليفة هو وليهم، وقد دفع الدية لهم ثم ردت إلى بيت المال. وهكذا حلت هذه المشكلة بطريقة سليمة، وانقطع الحديث فيها، وعاد للمجتمع تماسكه ورجع فاضلاً كما كان، إلا أنه مع الزمن بدأ يفقد مقوماته تدريجياً، وهذا الأمر يعود لأسباب منها ما تتعلق بالخليفة بالذات، ومنها ما يتعلق بتغير الظروف، ومنها ما يتعلق بالسياسة التي سار عليها.
كان عمر بن الخطاب حازماً شديداً على أمرائه وهذا ما أخاف الناس وجعل له هيبة بينهم بحيث لا يجرؤ أحد على مخالفته، فقد روى ابن الجوزي : أن عمر قدم مكة، فأقبل أهلها يسعون، فقالوا : يا أمير المؤمنين، إن أبا سفيان ابتنى داراً فحبس مسيل الماء ليهدم منازلنا، فأقبل عمر ومعه الدرة فإذا أبو سفيان قد نصب أحجاراً، فقال عمر : ارفع هذا، فرفعه ثم قال : وهذا، وهذا، حتى رفع أحجاراً كثيرة خمسة أو ستة، ثم استقبل عمر الكعبة فقال : الحمد لله الذي يجعل عمر يأمر أبا سفيان ببطن مكة فيطيعه.
وروى الطبري : أن عمر رضي الله عنه جاءه مال، فجلس يقسمه بين الناس فازدحموا عليه، فأقبل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يزاحم الناس حتى خلص إليه، فعلاه عمر بالدرة، وقال : أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض، فأحببت أن أعلمك أن سلطان الله لا يهابك.
أما عثمان فقد كان ليناً للناس الأمر الذي أطمعهم فيه، وطالبوه بأشياء كثيرة منها عزل الولاة، فقد عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة وولى سعد بن أبي وقاص، ثم عزله وولى الوليد بن عقبة، ثم عزله وولى سعيد بن العاص، ثم عزله وولى أبا موسى الأشعري. وعزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وولى عليها عبدالله بن عامر بن كريز. وعزل عمرو بن العاص عن مصر وولى عبدالله بن سعد بن أبي سرح. كما كان ليناً على الولاة فتطاول بعضهم عليه. فعثمان رضي الله عنه كان بطبعه ليناً، وعمر بطبعه حازماً.
واشتد عمر على أهله، فكان إذا نهى عن شيء جمع أهله فقال لهم : إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، إني والله لا أوتى برجل منكم وقع فيما نهيت الناس عنه إلا اضعفت له العذاب لمكانه مني، فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر، أما سيدنا عثمان فقد كان ليناً على أهله وأقربائه كما كان ليناً للناس جميعاً، بل الأولى والأحرى أن يكون ذا رفق بذي رحمه، ويوم قامت الدولة الإِسلامية كانت ينفق ما شاء الله أن ينفق على الدولة وتجهيز الجيوش، وإعداد الغزو، فلما قامت الفتوحات، وجاءت الغنائم والفيء، وأصبحت الدولة بحالة غنى وثراء التفت عثمان إلى أقربائه يعطيهم ويتقرب إليهم ويقربهم، وهذا أمر محبب ومطلوب يصل الإنسان رحمه، فهذا اللين لهم قد أطعمهم فيه أيضاً، وولى بعضهم لقدرته على العمل، وكفاءتهم في الإمارة، وقد كان بعضهم صاحب ولاية من قبل عثمان، وقد عرف رضي الله عنه أنه يحب اقرباءه لدرجة كبيرة.
عندما تولى عمر رضي الله عنه الخلافة كانت ماديات الدولة لا تزال ضعيفة وأحوال الناس المالية لا تزال قليلة، لذا كانوا أقرب إلى الحياة البسيطة الهادئة، والرضا بكل ما يأتي، والصبر على الشدائد، وقبول أوامر الولاة والأمراء، إضافة إلى انشغالهم بالجهاد والسير إلى الثغور والانطلاق من وراء الفتوحات في سبيل الدعوة ونشر الإِسلام، فلما توسعت الدولة، وجاءتها الغنائم من كل جهة، وزعت الغنائم على المقاتلين، وأعطيت الأموال إلى الناس حتى كثرت بأيديهم، وبطبيعة الحال فإن سيدنا عثمان كان يعطي ويوزع ما في بيت المال لكثرة ما يدخل، ولحاله وكرمه المعروفين، بل كان أحياناً يعطي من ماله الخاص إن لم يكن في بيت المال من فائض، وهذا ما جعل الحال تتغير تدريجياً عن أيام عمر حتى أواخر عهد عثمان حتى زادت زاوية التغير انفراجاً ووصلت إلى درجة واسعةٍ نسبياً في نهاية أيام عثمان.
كان عمر بن الخطاب قد منع كبار الصحابة من الخروج من المدينة، وأبقاهم بجانبه ليكونوا مستشارين له، وحتى يبقوا أسمى من مغريات الدنيا التي تعترض سبيلهم في البلاد المفتوحة، وخوفاً على المسلمين الذين يدخلون في الإِسلام جديداً من أهل الأمصار من أن يفتنوا بهؤلاء الصحابة فيقولون : هؤلاء صحابة سيد الخلق، وصحابة رسول الله و... وقال لهم رضي الله عنه : كفاكم ما جاهدتم به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء عثمان بن عفان سمح لهم بالانسياح في أرض الله، والانطلاق أينما شاؤوا، وقد زاد حالهم وكثرت أملاكهم، وبنوا الدور في الأمصار، فقد بنى الزبير بن العوام داراً له بالبصرة وغيرها في الكوفة ومصر، وبنى طلحة بن عبيد الله داراً له في الكوفة، وكانت ينتقلون بين أملاكهم وضياعهم، وهذا بالإضافة إلى ما بناه عبد الرحمن بن عوف في المدينة وزيد بن ثابت وغيرهم، وارتبط أهل الأمصار بمن كان يتصل بهم ويحتك معهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا تغير المجتمع في عهد عثمان بن عفان، إلا أنه رضي الله عنه لم يغيّر ولم يبدل، ولم يحدث جديداً، ولم يبتعد عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن نهج الشيخين من قبله، وإنما لينه وحبه لأقربائه وكرمه في العطاء قد أطمع فيه فكثر القول، ووجود الموالي والأرقاء في المدينة والصحابة خارجها قد شجع أصحاب الأهواء البدء في العمل بالخفاء، وكثرة الأموال في أيدي الناس واكتفاؤهم قد جعل الألسنة تتكلم وبدأ الحديث عن الخليفة نقطة انطلاق والتهديم في المجتمع بدء ارتكاز.

ــــــــــــــ


عبدالله بن سبأ ودوره في ظهور الفتنة :


بدأت الفتنة عندما أشعلها عبد الله بن سبأ (ابن السوداء)، وهو من يهود صنعاء، وكانت أمه سوداء، لذا عُرف بذلك، وقد أسلم أيام عثمان ليستطيع التأثير على نفوس أولئك الأعراب والبدو والذين دانوا حديثاً بالإِسلام من سكان الأمصار، إذ تنقل في بلدان المسلمين فبدأ بالحجاز، ثم سار إلى البصرة، ومنها إلى الكوفة، ثم إلى الشام، إلا أنه لم يستطع التأثير على أحد من أهل الشام، وبعدها أخرجوه إلى مصر حيث استقر هناك، وكان في كل مكان يحلّ فيه يتصل بالأشخاص ويتحدث إليهم ويبدي تفهمه للإِسلام، ويُظهر معرفته، ويقف موقف العالم، فيقول : عجيب من يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمداً يرجع، والله سبحانه وتعالى يقول : {إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد}. فمحمد أحق بالعودة والرجوع من عيسى. وهكذا بدأ التشكيك في العقيدة، والناس على فطرتهم حديثو العهد بالإِسلام في الأمصار لا يعرفون الفلسفات والمناقشات، والبدو الذين يعيشون معهم أكثر جلافة وإذا اقتنعوا بشيء صعب استخلاصه من نفوسهم. ورأى هذا اليهودي أن علي بن أبي طالب على رأس الصحابة الذين بقوا من حيث الاحترام والتقدير، بل يعد الشخص الثاني بعد الخليفة، وكان له عند الشيخين مركز ووزن يستشار في كل أمر، ويدعى في كل معضلة، ويؤخذ رأيه في كل مشكلة، هذا بالإضافة إلى قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه وفهمه، لذا رأى هذا الخبيث أن يركز على هذا الصحابي الجليل، وأن يدعو له لا حباً به وتقديراً، وإنما لبذر الفتنة في المجتمع، وحتى لا يُعرف مخططه فيظهر أنه يدعو إلى الشك والربية، فدعوته لأحد البارزين من الصحابة تخفي ما يضمر، وتقرّبه من نفوس بعض الرجال الذين يعرفون قدر علي. فكان يقول : إن علياً هو وصي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن لكل نبي وصياً. ثم انتقل بعد بذر الفتنة وإلقاء جذور البلاء في المجتمع يطعن بالخليفة نفسه وبولاته وامرائه وأنهم دون الصحابة الأجلاء، وأنهم لم يحتلوا هذه المراكز إلا لكونهم من ذوي رحم الخليفة الذي بلغ من العمر عتياً وأنهم قد أثروا عليه، وأصبح أداة طيعة في أيديهم.
ظهرت بذور الشر أول ما ظهرت في الكوفة إذ بدأ الحديث عن الوالي سعيد بن العاص حتى وصل إلى الخليفة، وذلك على ألسنة العوام وأولئك البداة والذي دانوا بالإِسلام، ومن هؤلاء مالك بن الحارث الأشتر النخعي وثابت ابن قيس النخعي، وكميل بن زياد النخعي، وزياد بن صوحان العبدي، وجندب بن زهير الغامدي، وجندب بن كعب الأزدي، وعروة بن الجعد، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وأمثالهم من أهل الصحراء والقبائل. وكان ذلك في أواخر عهد سيدنا عثمان، وبعد مرور عشر سنوات على تسلمه الخلافة، وفي عام 34 هـ، سُيّر هؤلاء المنحرفون من الكوفة إلى الشام، إلا أنهم ردّوا مرة ثانية إلى الكوفة، فقالوا : إن الكوفة والشام ليستا لنا بدار، فاتجهوا إلى الجزيرة، فشدد عليهم واليها عبدالرحمن بن خالد بن الوليد، وسيّر الأشتر إلى المدينة، فخيّره الخليفة في المكان الذي يرغب سكناه، فاختار منطقة عبد الرحمن بن خالد، وسار إليه. وكان ابن السوداء في مصر يراسل من أثّر عليهم في كل الأمصار، ويزيد في اضرام نار الفتنة.

ــــــــــــــ


جمع أمراء الأمصار في موسم الحج :

جمع الخليفة عثمان بن عفان أمراء الأمصار في موسم الحج عام 34 هـ وهم : معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعبدالله بن عامر، واستشارهم في أمر هؤلاء المنحرفين، وما يتكلمون به، فأشير عليه بأن ينقل هؤلاء المنحرفين إلى الثغور فينشغلوا بأنفسهم كما اقترح عليه إعطائهم الأعطيات حتى يرضخوا للأمر ويُطيعوا. ولكنه لم ير هذا الرأي ولا ذاك. ولما كثر الكلام عن سعيد ابن العاص أمير الكوفة، والمطالبة بأبي موسى الأشعري بدلاً عنه، استجاب الخليفة للطلب فعزل سعيداً وولىّ أبا موسى مكانه، وكتب لأهل الكوفة "أما بعد، فقد أمرت عليكم من اخترتم، وأعفيكم من سعيد، والله لأفرشنكم عرضي، ولأبذلن لكم صبري، ولأستصلحنكم بجهدي، فلا تدعوا شيئاً أحببتموه لا يُعصى الله فيه إلا سألتموه، ولا شيئاً لا يُعصى الله فيه إلا استعفيت منه، أنزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم علي حجة". وفي الوقت نفسه سار حذيفة بن اليمان غازياً إلى باب الأبواب.
لم تفد المخربين أعمال الخليفة ولينه لهم بل استمروا في تصرفاتهم وكلامهم، فأرسل الخليفة بعض الصحابة إلى الأمصار يستطلعون آراء الناس، ويعرفون أخبار المسلمين وموقفهم، فقد بعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعبد الله بن عمر إلى الشام، وعمّار بن ياسر إلى مصر، ورجالا آخرين سواهم، فرجع الجميع ولم ينكروا شيئاً، إلا عمّار بن ياسر فقد تأخر واستمع إلى ما كان يشاع.
وجاء وفد من مصر في رجب عام 35 هـ إلى الحجاز يظهرون أنهم يريدون العمرة، وفي نيتهم مناظرة الخليفة ومناقشته في المدينة لبلبة الآراء وإشعال نار الفتنة، وتمت مقابلة الخليفة، وأبدى رأيه، واقنع الوفد خارج المدينة بنفسه أو بواسطة بعض الصحابة منهم علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة، ودخل بعضهم المدينة، وحضر خطبة للخليفة أثنى فيها على الوفد، واستغفر الله، وبكى وأبكى الناس، وانصرف المصريون راجعين إلى بلادهم.
إلا أن أهل مصر عندما رجعوا بدؤوا يحرّضون الأمصار على التوجه إلى المدينة وإظهار الشكوى والتأفف من العمال والأوضاع العامة لأن المدينة أحرى بالفوضى أن تؤثر فيها، إذ أنها مقر الدولة ومركز الخليفة ومكان الصحابة ومدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اتفقوا على أن يسيروا إلى المدينة في شهر شوال في ذلك العام، وأن يكون مسيرهم مع الحجاج لمغافلة الصحابة، وإمكانية نشر الفساد على نطاق أوسع. وانطلق أهل مصر وعددهم 600-1000 رجل، وفي الوقت نفسه انطلق أهل الكوفة وأهل البصرة، وقد خرجت كل جماعة على شكل فرق أربع، وعلى كل فرقة أمير، وعلى الجميع أمير، فالأمر يبدو على تخطيط وتنظيم واحد دقيق، وكان على أهل مصر الغافقي بن حرب العكي، ومعهم ابن السوداء، وهم يريدون البيعة لعلي بن أبي طالب، وعلى أهل الكوفة عمرو بن الأصم، ومعهم زيد بن صوحان العبدي، وعلى أهل البصرة حرقوص ابن زهير السعدي، ومعهم حكيم بن جبلة العبدي. وبمسيرهم مع الحجاج لم يعلم الأمراء عدد الناقمين، ولم يكونوا ليتصوروا أن هذه الشرذمة قادرة أو تفكر بقتل الخليفة أو تجرؤ على القيام بهذا العمل في دار الهجرة، لذا لم يبذلوا جهداً بإرسال قوة تحول دون خروجهم، أو تسير إلى المدينة لتمنع أمير المؤمنين، ووصل المنحرفون إلى مقربة من المدينة، فنزل المصريون بذي المروة، ونزل أهل الكوفة بالأعوص، واستقر أهل البصرة بذي الخشب.
وسمع أهل المدينة بما يحدث، وأبوا أن تقتحم عليهم المدينة، وتكلموا في الأمر، وحدّث الخليفة عليا في أن يركب ويركب معه المسلمون ليمنعوا المنحرفين من دخول المدينة عنوة ففعل وخرج معه طلحة والزبير ومحمد بن مسلمة وكبار الصحابة، ولما رأى المنحرفون استعداد الصحابة للدفاع عن دار الهجرة وقع الخوف في نفوسهم، فعندما كلمهم علي أظهروا الطاعة والخضوع، وأبدوا الرغبة في العودة إلى أمصارهم والهدوء فيها، وبالفعل فقد رجعوا أدراجهم، وظنَّ علي والمسلمون أن الخطر قد زال عن دار الهجرة فعادوا إليها، ولم يستقروا فيها حتى أروعهم التكبير داخل أزقتها، ومحاصرة دار سيدنا عثمان، وعندما سألهم سيدنا علي عن سبب رجوعهم قالوا : إن الخليفة قد أرسل كتاباً لقتلنا، وأظهر أهل مصر كتابا فيه قتل محمد بن أبي بكر، قال علي : فما بال أهل الكوفة قد عادوا ؟ فقالوا : تضامنا مع رفاقنا، وكذا أهل البصرة، لكن من الذي أخبر كل فريق بما حدث مع الآخر ؟ وهنا يبدو الاتفاق المسبق والتخطيط لدخول المدينة على حين غفلة من أهلها، وهنا يظهر تلفيق الكتاب الذي أظهره المصريون.
كان حصار دار عثمان يسيراً حيث كان يخرج الخليفة ويصلي بالناس، ويأتي الصحابة إليه، ويأتي إليهم. ثم بعث إلى العمال في الأمصار يأمرهم أن يرسلوا إليه الجند لينصروه، ويخرجوا من المدينة هؤلاء الطارئين، وعندما عرف المنحرفون هذا الخبر، وأن حبيب بن مسلمة قد سار من الشام، ومعاوية ابن حديج من مصر، والقعقاع بن عمرو من الكوفة، ومجاشع السلمي من البصرة، وكل على رأس قوة لنصرة الخليفة تغيّر حصار الدار واشتد عمل المنحرفين.
وخرج عثمان كعادته إلى الصلاة، يوم الجمعة، وخطب، وخاطب المخربين، فقام محمد بن مسلمة فشهد على قوله فاسكته حكيم بن جبلة وتكلم زيد بن ثابت فأسكته محمد بن أبي قتيرة، وثار الناس، وحصب بعضهم بعضاً، وأصيب عثمان، وأغمي عليه، ونقل إلى داره، وثار الصحابة وأبناؤهم ومنهم الحسن بن علي، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت وغيرهم، وأرادوا قتال المنحرفين إلا أن الخليفة قد منعهم، وأراد ألا يحدث شيء بسببه، وزار بعد ذلك عثمان كلا من علي وطلحة والزبير، ثم عاد فدخل بيته، وشُدّد عليه الحصار فلم يعد يخرج أبداً حتى كان يوم استشهاده رضي الله عنه.
وأقام المنحرفون رجلا منهم يصلي بالناس وهو زعيم المصريين الغافقي بن حرب العكي، وإذا وجد علي أو طلحة صلى بالناس أحدهما. ومنع الماء عن الخليفة، فأرسل إلى علي وطلحة والزبير وعائشة وأمهات المؤمنين فأسعفه علي وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان. وزجر علي الثائرين فلم يرعووا، وكان بين الحين والآخر يطل الخليفة بنفسه على أولئك المنحرفين المحاصرين له فيعظهم، ولكن لا يأبهون لأحد حتى أن أم حبيبة لم تستطع الوصول إليه لإسعافه بالماء، إذ ضربوا وجه بغلتها وكادت تسقط عنها، وهذا ما ألزم الناس بيوتهم لا يخرج منهم أحد إلا ومعه سيفه، إذ اختل نظام الأمن في دار الهجرة، ودخل دار عثمان بعض أبناء الصحابة فيهم : عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير والحسن والحسين أبناء علي، ومحمد بن طلحة وغيرهم، وطلب منهم عثمان ألا يقاتلوا، وعزم عليهم في ذلك أشد العزيمة.
سارت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلى الحج، وطلب عثمان من ابن عباس أن يحج بالناس هذا العام، وكان على الباب مع أبناء الصحابة، فأراد أن يبقى مجاهداً إلا أن عثمان أصرّ عليه فخرج إلى الحج.
وصلت الأخبار إلى المدينة بأن الإمداد قد دنت من المدينة، وأن من جاء منها من الشام قد وصل إلى وادي القرى فخاف المنحرفون، وأرادوا دخول الدار على عثمان فمنعهم من فيها : الحسن بن علي، وعبدالله بن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص وغيرهم، فتسوروا الدار من خوخة بينها وبين دار عمر بن حزم، ثم أحرقوا باب الدار، وسيدنا عثمان يقسم على أبناء الصحابة أن يلقوا سيوفهم حتى ألقاها بعضهم، وهجم المنحرفون على الخليفة فضربه الغافقي بن حرب العكي بحديدة، ثم ضرب قتيرة بن حمران زوج الخليفة نائلة التي رفعت يدها تدافع عن زوجها فقطع أصابعها ثم ضرب الخليفة أخوه سودان بن حمران السكوني، وكذلك كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي فقتل رضي الله عنه، وقيل بل قتله عمرو بن الحمق، وقتل غلام لعثمان سودان بن حمران فقتل قتيرة الغلام، ثم قتل غلام آخر لعثمان قتيرة، ونُهبت الدار، كما نُهب بيت المال، وكان أمر الله قدراً مقدوراً. وكان قتل الخليفة الراشدي الثالث سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه في 18 ذي الحجة من عام 35 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبذا تكونه مدة خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً، وكان عمره إذ ذاك اثنتين وثمانين سنة.
وعاد الحجاج فوجدوا خليفتهم مقتولا رضي الله عنه، والأمن غير مستتب.
وسيدنا عثمان هو الذي اشترى بئر أرومة وجعلها للمسلمين، وجمع القرآن الكريم، وأول من وسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، استجابةً لرغبة رسول الله حين ضاق المسجد بأهله، وله من الفضائل الكثير رضي الله عنه.

ــــــــــــــ


مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه

رواية أبي سعيد مولى أبي أسيد الساعدي التي نقلها الطبري في "تاريخه" 3/390-414
الجزء الأول: سيدنا عثمان يجتمع بالوفد القادم من مصر محتجاً عليه:
"سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا عليه، فاستقبلهم وكان في قرية له خارجة عن المدينة، فلما سمعوا به أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه، وكره أن يقدموا عليه المدينة، فآتوه فقالوا له: أدع بالمصحف: فدعا بالمصحف، فقالوا له: افتح السابعة، وكانوا يسمون سورة يونس السابعة، فقرأنها حتى أتى هذه الآية: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل الله أذن لكم أم على الله تفترون}[يونس: 59]. فقالوا له قف: أرأيت ما حميت من الحمى؟ آلله أذن لك به أم على الله تفتري؟ فقال: أمضه نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وُلِّيتُ زادت في إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في إبل الصدقة. أمضه. فجعلوا يأخذونه بالآية فيقول: أمضه نزلت في كذا وكذا. والذي يتولى كلام عثمان… ابن ثلاثين سنة. ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج فعرفها فقال: استغفر الله وأتوب إليه، وقال لهم: ما تريدون؟ فقالوا: نأخذ ميثاقك وكتبوا عليه شرطاً، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم أو كما أخذوا عليه. وقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء. قال لا! إنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرضوا بذلك وأقبلوا معه إلى المدينة راضين. فقام فخطب فقال: إني والله ما رأيت وفداً في الأرض هم خير لحوباتي من هذا الوفد الذين قدوا علي. وقال مرة أخرى: خشية من هذا الوفد من أهل مصر، ألا من له زرع فليلحق بزرعه، ومن كان له ضرع فليحتلبه. ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب الناس، فقالوا: هذا مكر بني أمية".
هذا ما يستخلص من الجزء الأول من رواية أبي سعيد:
1- تحكيم كتاب الله بين سيدنا عثمان الوفد القادم من مصر، وهذا يظهر من نص آخر عن محمد بن سيرين، حيث يقول: "فعرض عليهم كتاب الله فقبلوه" وَبقِيَّت الشروط تظهر في رواية محمد بن سيرين حيث يقول: "واشترطوا جميعاً أن المنفي يُقلب، والمحروم يعطى، ويوفر الفي ويعدل في القسم، ويستعمل ذو القوة والأمانة".
2- لم يستطيع سيدنا عثمان أن يبرر كل أعماله لوفد مصر.
3- القضية الهامة والأساسية هي توزيع مال الفتوح.
الجزء الثاني: عثور الوفد على كتاب مهور بخاتم سيدنا عثمان يأمر بقتل بعض أفراد الوفد:
"ثم رجع الوفد المصريون راضين، فبينا هم في الطريق إذا هم براكب يتعرض لهم، ثم يفارقهم، ثم يرجع إليهم، ثم يفارقهم ويسبقهم. قالوا له:ما لك؟ إن لك لأمراً، ما شأنك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر. ففتشوه، فإذا هم بكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه، إلى عامله بمصر: أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا علياً، فقالوا: ألم تر إلى عدو الله؟ إنه كتب فينا بكذا وكذا وأن الله قد أحل دمه، قم معنا إليه. قال علي: والله لا أقوم معكم، فقالوا: فَلِمَ كتبت إلينا؟ فقال: وما كتبت إليكم كتاباً قط. فنظر بعضهم إلى بعض ثم قال بعضهم لبعض: ألهذا تقاتلون، أو لهذا تغضبون؟ فانطلق علي فخرج من المدينة إلى قرية، فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان، فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا، فقال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا عليّ رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو: ما كتبت ولا أمللت ولا علمت. وقد تعلموا أن الكتاب يكتب على لسان الرجل، وقد ينقش الخاتم على الخاتم، فقالوا فقد والله أحل الله دمك، ونقضت العهد والميثاق. فحاصروه".
وهذا ما يُستخلص الجزء الثاني من رواية أبي سعيد، فهو غاية الأهمية حيث إنه كشف حقائق مطموسة.
1- الرسول المرسل من قِبل عثمان -كما زعموا- أمره عجيب حين إنه تعَّرض للوفد ثم فارقهم ثم رجع إليهم، وكأنه يريد أن يقول لهم شيئاً أو يريد أن يلفت نظرهم إليه ليسألوه عما به، فهو ليس برسول عادي أرسل بمهمة سرية -كما هو شأن المرسلين- ويريد أن يبلغ هدفه دون لفت أنظار الناس إليه، بل هو يقصد أن يثير الشبهة، وكأنه يقول لهم: أسألوني ما بي وما معي؟ وهذا ما حصل فعلاً أن أوقف وسئل عما معه.
2- الكتب التي تلقاها الوفد من سيدنا على بن أبي طالب تحثهم على المجيء للمدينة المنورة ومعاداة عثمان، فسيدنا علي ينكر بعثه لهذه الكتب ويقول: "والله ما كتبت إليكم كتاباً قط". فهذا الأمر يظهر أن هناك مزورين كتبوا هذه الكتب، ولا يستبعد أنهم هم الذين أرسلوا الكتاب المزعوم بقتل بعض وفد المصريين.
3- نفي سيدنا عثمان الكتاب المزعوم، مما يدل أن الخاتم الذي مهر به الكتاب خاتم مزور يشبه خاتم سيدنا عثمان.
يظهر لنا من هذه الحقائق الثلاث أن وراء هذه الأحداث مؤامرة تحاك، ويختبىء ورائها رجال مزورون يريدون وقوع الفتنة.
الجزء الثالث: مناقشة سيدنا عثمان للوفد، ومنعهم الماء عنه:
"وأشرف عثمان ذات يوم فقال: السلام عليكم، فما سمع أحداً من الناس رد عليه إلا أن يرد رجل في نفسه، فقال: أنشدكم بالله هل علمتم أني اشتريت بئر رومه من مالي يستعذب بها، فجعلت رشائي منها كرشاء رجل من المسلمين؟ قيل: نعم. قال: فَعَلامَ تمنعونني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر؟ وقال: أنشدكم الله هل علمتم أني اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته في المسجد؟ قيل: نعم. فقال: فهل علمتم أن أحداً من الناس منع أن يصلي فيه قبلي؟ وقال: أنشدكم الله هل سمعتم نبي الله صلى الله عليه وسلم يذكر كذا وكذا -أشياء في شأنه- وذكر الله إياه أيضاً في كتابه المفصّل، ففشا النهي فجعل الناس يقولون: مهلاً عن أمير المؤمنين. وفشا النهي وقام الأشتر يومئذ أو في يوم آخر فقال: لعله قد مُكر به وبكم. فوطئه الناس حتى لقي كذا كذا.
ثم يقول أبو سعيد مولى أبي أسيد الذي يقص هذه القصة: فرأيته أشرف عليهم مرة أخرى فوعظهم وذكّرهم، فلم تأخذ فيهم الموعظة، وكان الناس تأخذ فيهم الموعظة في أول ما يسمعونها فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ فيهم".
هذا الجزء الثالث من رواية أبي سعيد:
وفيه إشارة إلى المؤامرة التي دبرت لسيدنا عثمان.
الجزء الرابع سيدنا عثمان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وانتظاره الموت
"ثم إنه فتح الباب ووضع المصحف بين يديه، وذاك أنه رأى من الليل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أفطر عندنا الليلة".
يُستخلص من الجزء الرابع من رواية أبي سعيد التالي:
رؤية سيدنا عثمان للنبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقوله له: "أفطر عندنا الليلة" واعتقاد سيدنا عثمان بالمنام الذي رآه، وتسليمه له. وهذا يوضح أمر سيدنا عثمان الصحابة والمدافعين بالذهاب إلى بيوتهم.
الجزء الخامس: مقتل سيدنا عثمان وبيان من قتله:
ودخل على عثمان رجل، فقال: بيني وبينك كتاب الله، فخرج وتركه. ثم دخل عليه آخر فقال: بيني وبينك كتاب الله، والمصحف بين يديه، فأهوى إليه بالسيف، فاتقاه بيده فقطعها -لا أدري أبانها أم قطعها ولم يَبِنْها- فقال: أما ولله إنها لأول كف خطت المفصَّل وأخذَت ابنة الفرافصة حليلها فوضعته في حجرها، وذلك قبل أن يقتل فلما اُشعر أو قتل تجافت عنه، فقال بعضهم: قاتلها ما أعظم عجيزتها، فعلمت أن أعداء الله لم يريدوا إلا الدنيا".
رواية سهم الأزدي التي رواها ابن عساكر في تاريخ دمشق:
قال ثور بن يزيد الرحبي: " أخبرني سهم أنه كان مع عثمان بن عفان يوم حُصر في الدار، فزعم أن ركب الشقاء من أهل مصر أتوه قبل ذلك فأجازهم، وأرضاهم، فانصرفوا.
"حتى إذا كانوا ببعض الطريق انصرفوا وخرج عثمان بن عفان فصلى إمّا صلاة الغداة وإمّا صلاة الظهر، فحصبه أهل المسجد، وقذفوه بالحصا والنعال والخفاف.
"فانصرف إلى الدار ومعه طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، ومروان بن الحكم، وأبو هريرة، والمغيرة بن الأخنس، في أناس لا أحفظ من ذكر منهم إلا هؤلاء النفر، فأشرفوا على ظهر البيت، فإذا هم بركب أهل الشقاء قد دخلوا المدينة، وأقبل ناس حتى قعدوا على باب الدار، عليهم السلاح. فقال عثمان لغلام له يقال له وثاب: خذ مكتلاً من تمر.. فانطلق بها إلى هؤلاء القوم، فإن أكلوا من طعامنا فلا بأس بهم، وإن شفقت منهم فدعهم وارجع، فانطلق بالمكتل، فلما رأوه رشقوه بالنبل، فانصرف الغلام وفي منكبه سهم، فخرج عثمان ومن معه إليهم ، فأدبروا وأدركوا رجلاً يمشي القهقرى فقلت له: ما القهقرى؟ قال: ينكص على عقبيه كراهية أن يُولى، فأخذناه أخذاً فأتيناه به عثمان بن عفان فقال: يا أمير المؤمنين إنَّا والله ما نريد قتلك، ولكن نريد معاتبتك، فأعتب قومك وأرضهم، قال: يا أبا هريرة فلعلهم يردون ذلك؛ فخلوا، قال: فخلينا سبيله.
"وخرجت عائشة أم المؤمنين فقالت الله الله يا عثمان في دماء المؤمنين؛ فانصرف إلى الدار.
فلما أصبح صلى بنا الغداة، فقال: أشيروا عليّ، فلم يتكلم أحد من القوم غير عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين أشير عليك بثلاث خصال فاركب أيهن أحببت: إما أن نهل بعمرة فتحرم عليهم دماؤنا. ويكون إلى ذلك قد أتانا مددنا من الشام -وقد كان عثمان كتب إلى أهل الشام عامة وإلى أهل دمشق خاصة: إني في قوم قد طال فيهم عمري واستعجلوا القدر، وقد خيروني بين أن يحملوني على شوارف إلى جبل الدخان، وبين أن أنزع لهم رداء الله الذي كساني، وبين أن أُقيدهم، ومن كان على سلطان يخطىء ويصيب، وأن يا غوثاه، ولا أمير عليك دوني- وإما أن نهرب على نجائب سراع لا يدركنا أحد حتى نلحق بمأمننا من الشام، وإما أن نخرج بأسيفنا ومن شايعنا، فنقاتل فإنا على الحق وهم على الباطل.
قال عثمان: أما قولك أن نهل بعمرة فتحرم عليهم دماؤنا؛ فوالله لم يكونوا يرونها اليوم عليهم حراماً لا يحرِّمونها إن أهللنا بعمرة. وأما قولك أن نخرج نهرب إلى الشام؛ فوالله إني لأستحي أن آتي الشام هارباً من قومي وأهل بلدي. وأما قولك نخرج بأسيافنا ومن تابعنا، فنقاتل فإنا على الحقوهم على الباطل؛ فوالله إني لأرجو أن ألقى الله ولم أهرق محجمة من دم المؤمنين.
فمكثنا أياماً صلينا الغداة، فلما فرغ أقبل علينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أبا بكر وعمر أتياني الليلة، فقالا لي: صم يا عثمان، فإنك مفطر عندنا، فإني أشهدكم أني قد أصبحت صائماً وأعزم على من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر إلا خرج من الدار سالماً مسلماً.
فقلنا: يا أمير المؤمنين إن خرجنا لم نأمنهم على أنفسنا، فائذن لنا فلنكن في بيت من الدار يكون فيه حماية ومنعة؛ فأذن لهم فدخلوا بيتاً، وأمر بباب الدار ففتح، ودعا بالمصحف فأكب عليه، وعنده امرأتاه ابنة الفرافصة الكلبية وابنة شيبة.
"فكان أول من دخل عليه محمد بن أبي بكر الصديق، فمشى إليه حتى أخذ بلحيته فقال: دعها يا ابن أخي فوالله إن كان أبوك ليلهف لها بأدنى من هذا، فاستحى فخرج وهو يقول: أشعرته وأخذ عثمان ما امتعط من لحيته فأعطاه إحدى امرأتيه، ثم دخل رومان بن وردان -عداده في مراد- رجل قصير أرزق مجدور هو في آل ذي أصبح، معه جرْز من حديد فاستقبله فقال: على أي ملة أنت يا نعثل؟ فقال عثمان: لست نعثل ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، فقال: كذبت، فضربه بالجرْز على صدغه الأيسر، فقتله. وأدخلته بنت الفرافصة بينها وبين ثيابها".
رواية الأحنف بن قيس التي رواها الطبري في "تاريخه" 3/510-512:
قال الأحنف: "قدمنا المدينة ونحن نريد الحج، فإنا لبمنازلنا نضع رحالنا إذا أتانا آت فقال: قد فزعوا وقد اجتمعوا في المسجد، فانطلقنا، فإذا الناس مجتمعون في نفر في وسط المسجد، وإذا علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، وإنَّا كذلك إذ جاء عثمان بن عفان فقيل: هذا عثمان قد جاء وعليه مليئة له صفراء قد قنّع بها رأسه، فقال: أههنا علي؟ قالوا: نعم، قال: أههنا الزبير؟ قالوا: نعم، قال: أههنا طلحة؟ قالوا: نعم، قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يبتع مربد بني فلان غفر الله له،
فابتعته بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفاً، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله قد ابتعته. قال: اجعله في مسجدنا، وأجره لك، قالوا: اللهم نعم.
وذكر أشياء من هذا النوع.
قال الأحنف: فلقيت طلحة والزبير، فقلت: من تأمراني به وترضيانه لي؟ فإني لا أرى هذا الرجل إلا مقتولا. قالا: علي، قلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم. فانطلقت حتى قدمت مكة، فبينا نحن بها إذ أتانا قتل عثمان، وبها عائشة أم المؤمنين فلقيتها، فقلت: من تأمرينني أن أتابع قالت: علي، قلت: تأمرينني به وترضينه لي؟ قالت: نعم، فمررت على علي بالمدينة فبايعته ،ثم رجعت إلى البصرة، ولا أرى الأمر إلا قد استقام، فبينا أنا كذلك إذ أتاني آت فقال: هذه عائشة وطلحة والزبير، قد نزلوا جانب الخريبة فقلت: ما جاء بهم؟ قالوا: أرسلوا إليك يدعونك يستنصرون بك على دم عثمان، فأتاني أفظع أمر أتاني قط، فقلت: إن خذلاني هؤلاء، ومعهم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم لشديد، وإن قتالي رجلاً ابن عم رسول الله صلى الله علي وسلم قد أمروني ببيعته لشديد، فلما أتيتهم، قالوا: جئنا لنستنصر على دم عثمان رضي الله عنه قتل مظلوماً، فقلت: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أقلت لك: من تأمرينني به، فقلت: علي، فقلتُ: أتأمرينني به وترضينه لي؟ قلت: نعم؟ قالت: نعم، ولكنه بدل، فقلت يا زبير يا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا طلحة أنشدكما الله أقلت لكما ما تأمراني؟ فقلتما: علي، فقلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ فقلتما: نعم، قالا: نعم ولكنه بدلْ، فقلت: والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقاتل رجلاً ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرتموني ببيعته".
ما يستخلص من الروايات الثلاث
1- رد سيدنا عثمان بن عفان كثيراً من التهم الموجهة إليه، واستغفر عن بعض أعماله التي أقر بأنها خطأ عمله، وبذلك رضي عنه الثائرون، حيث إنه وعدهم بتصحيحها.
2- لم يرسل عثمان إلى عامله في مصر أي كتاب يحرضه على قتل الثوار، وذلك لأن عثمان لم يغير وعده لهم.
3- كان باستطاعة عثمان مقاتلة الخارجين وردهم، ولكنه لم يُرد إهراق الدم في الدفاع عن نفسه، ولم يرد ترك المدينة، بل رضي أن يقتل لرؤية رأها في المنام.
4- كان بجانب عثمان الصحابة الأولين يوالونه ويشدون أرزه، وأبناؤهم أيضاً.
5- لم يكن يطمع طلحة والزبير في الاستيلاء على الخلافة بعد عثمان، لأنهما كانا يريان أن علياً هو الأصلح لها. وهذا هو رأي السيدة عائشة.
6- خروج السيدة عائشة وطلحة والزبير يطالبون بدم عثمان لاعتقادهم أنه قتل مظلوماً.
7- هناك عدد من أهل المدينة ينقمون على عثمان لأمور مادية، لأنه أراد أن يمنعهم من المشاركة في الفتوح.
8- إن بين الثائرين على عثمان من هم مدفوعون بالغيرة على الدين.
9- هناك أيدٍ خفية تحرك الأمور من وراء الستار لتوقع الفرقة بين المسلمين، فهي التي صاغت الكتب على لسان الصحابة، وهي التي زورت الكتاب المرسل إلى عامل عثمان في مصر، وهي التي كانت تستعجل الأمور.
10- كان بين هؤلاء الثوار رجال من الصحابة كمحمد بن أبي بكر، ولعل منهم: عمار بن ياسر، ولكن الأمر لم يبلغ بهم حد الاشتراك في القتل.

ــــــــــــــ




فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه



1- كيف بدأت الفتنة


إن التجارب الصعبة في حياة كل أمة ينبغي أن تبقى حيةً في سجلات ذاكرتها؛ لأنها ـ في الغالب ـ تحمل كمّا من الاعتبار والدروس أكبرَ مما تحمله التجارب واللحظات التاريخية الناجحة، فالتجارب الصعبة غالبا نتاجٌ لركام من السلبيات في الجسد الذي عانى منها، وربما كانت هذه السلبيات راجعةً إلى افتقاد جسد الأمة للحصانة ضد التآمر ومحاولات الهدم، أو راجعةً إلى التخالف في توجُّهات البِنَى التي يتكون منها المجتمع، بحيث يتحول التعاضُدُ والتعاون بينها لتحقيق هدف معين إلى تنافس وتَخَالُفٍ، فتصبح محصلة جهود المجتمع معه صفرا أو شيئا أقل من الصفر.
والفتنة التي وقعت أواخر عهد الخلفاء الراشدين - وتسمى أحيانا بالفتنة الكبرى - واحدةٌ من التجارب الصعبة الأليمة التي عاشتها الأمة الإسلامية. ومع أثر هذه الفتنة السيئ على مسيرة المسلمين التاريخية، وظهورها كحادث غريب وسط الكثير من الإنجازات الإسلامية المجيدة التي أنتجها عصر الراشدين ـ مع هذا كله لا ينبغي نسيانُها، أو غضُّ الطرف عنها، أو تأويل ما جرى فيها على اعتبار أن تاريخ المسلمين تاريخٌ معصوم. بل يجب أن نحاول تصوير أحداثها بدقة، لنكون أكثر إدراكا لذاتنا، بَعِيدِينَ عن التمجيد الكاذب، ولنحرص على سد الثغور الذاتية ومعالجة العيوب الداخلية، أكثر من حرصنا على سب المتآمرين ولعن الحظوظ العاثرة!
إن دراسة ما خلَّفه عصر الراشدين من نجاح باهر في طرق الحكم والإدارة، وسياسة الفتح والانتشار، وتطوير المجتمع والدولة حتى بدا نموذجًا عظيمًا هذه الدراسة لا تقل أهمية عن دراسة نماذج الاختلاف السياسي، والتقاتل الداخلي الذي حدث في الفتنة الكبرى؛ لاستجلاء الفائدة واستهداف العبرة، لا لإحياء المعارك التاريخية والوقوف عندها وسفح العبرات وإراقة الحسرات على أطلالها.
لقد كره الإسلام الفتن أشد الكراهية، فأمر القرآن باتقائها، وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من شرورها؛ لأنها تصيب قدرة العقلاء أنفسهم بالشلل تجاه ما يرون ويسمعون، فيعجزون وهم أصحاب العقل والحِلم عن تمييز الحق من الباطل والصواب من الخطأ، وهذا موت محقق للمجتمع كله لو لم تتداركه عناية الله!
وقد شملت الفتنة جزءا من خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وجميع خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى تنازل الحسن بن علي لمعاوية عن الخلافة في عام الجماعة، فاستقرت الأمور، وهدأت الفتنة، وإن تركت جراحا عميقة، وآثارا ونتائج سيئة.
ولم يكن هذا الحادث الضخم - أي الفتنة - منزوعا من سياق تاريخي غريب عنه تماما، بل كانت له جذوره ومقدماته وأسبابه وبواعثه فيما سبقه من أحداث، كما تهيأ له المناخ المناسب في الطبيعة القاسية لكثير من العرب البدو الذين دخلوا في الإسلام مع الداخلين، دون أن تُتاح الفرصة الكافية لتأديبهم بأدب الإسلام وخُلقه.
إن التجارب الصعبة في حياة كل أمة ينبغي أن تبقى حيةً في سجلات ذاكرتها؛ لأنها ـ في الغالب ـ تحمل كمّا من الاعتبار والدروس أكبرَ مما تحمله التجارب واللحظات التاريخية الناجحة، فالتجارب الصعبة غالبا نتاجٌ لركام من السلبيات في الجسد الذي عانى منها، وربما كانت هذه السلبيات راجعةً إلى افتقاد جسد الأمة للحصانة ضد التآمر ومحاولات الهدم، أو راجعةً إلى التخالف في توجُّهات البِنَى التي يتكون منها المجتمع، بحيث يتحول التعاضُدُ والتعاون بينها لتحقيق هدف معين إلى تنافس وتَخَالُفٍ، فتصبح محصلة جهود المجتمع معه صفرا أو شيئا أقل من الصفر.
والفتنة التي وقعت أواخر عهد الخلفاء الراشدين - وتسمى أحيانا بالفتنة الكبرى - واحدةٌ من التجارب الصعبة الأليمة التي عاشتها الأمة الإسلامية. ومع أثر هذه الفتنة السيئ على مسيرة المسلمين التاريخية، وظهورها كحادث غريب وسط الكثير من الإنجازات الإسلامية المجيدة التي أنتجها عصر الراشدين ـ مع هذا كله لا ينبغي نسيانُها، أو غضُّ الطرف عنها، أو تأويل ما جرى فيها على اعتبار أن تاريخ المسلمين تاريخٌ معصوم. بل يجب أن نحاول تصوير أحداثها بدقة، لنكون أكثر إدراكا لذاتنا، بَعِيدِينَ عن التمجيد الكاذب، ولنحرص على سد الثغور الذاتية ومعالجة العيوب الداخلية، أكثر من حرصنا على سب المتآمرين ولعن الحظوظ العاثرة!
إن دراسة ما خلَّفه عصر الراشدين من نجاح باهر في طرق الحكم والإدارة، وسياسة الفتح والانتشار، وتطوير المجتمع والدولة حتى بدا نموذجًا عظيمًا هذه الدراسة لا تقل أهمية عن دراسة نماذج الاختلاف السياسي، والتقاتل الداخلي الذي حدث في الفتنة الكبرى؛ لاستجلاء الفائدة واستهداف العبرة، لا لإحياء المعارك التاريخية والوقوف عندها وسفح العبرات وإراقة الحسرات على أطلالها.
لقد كره الإسلام الفتن أشد الكراهية، فأمر القرآن باتقائها، وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من شرورها؛ لأنها تصيب قدرة العقلاء أنفسهم بالشلل تجاه ما يرون ويسمعون، فيعجزون وهم أصحاب العقل والحِلم عن تمييز الحق من الباطل والصواب من الخطأ، وهذا موت محقق للمجتمع كله لو لم تتداركه عناية الله!
وقد شملت الفتنة جزءا من خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وجميع خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى تنازل الحسن بن علي لمعاوية عن الخلافة في عام الجماعة، فاستقرت الأمور، وهدأت الفتنة، وإن تركت جراحا عميقة، وآثارا ونتائج سيئة.
ولم يكن هذا الحادث الضخم - أي الفتنة - منزوعا من سياق تاريخي غريب عنه تماما، بل كانت له جذوره ومقدماته وأسبابه وبواعثه فيما سبقه من أحداث، كما تهيأ له المناخ المناسب في الطبيعة القاسية لكثير من العرب البدو الذين دخلوا في الإسلام مع الداخلين، دون أن تُتاح الفرصة الكافية لتأديبهم بأدب الإسلام وخُلقه.

ــــــــــــــ


2- أسباب الفتنة الحقيقية


لم تكن أسباب الفتنة وبواعثها ـ كما ظهرت في شكلها البسيط ـ ترجع إلى غضب جماعة من الرعية من تصرفات الخليفة أو عماله على الولايات، بل تعُودُ إلى تغيرات اجتماعية عميقة ظلت تعمل في صمت وقوة لا يلحظها كثير من الناس، حتى ظهرت على ذلك الشكل العنيف المتفجر في النصف الثاني من خلافة عثمان، وبلغت قمةَ فورانها في الثورة التي أدت إلى استشهاده، ولم تنته بقتله، بل ظلت تأثيراتها وظلالها تنسحب على الحياة الإسلامية في الفترة التي تلت ذلك.
لقد كانت نفس تلك الأسباب وراء تململ عمر بن الخطاب من رعيته وتململهم منه في أواخر حياته، وكانت وراء قتل عثمان، كما كانت وراء بعض تصرفات علي بن أبي طالب لما استُخلف، ووراء فشلِ سياسته في العراق، ووراء امتناع معاوية عن بيعته، والصراع بينهما.
إن التغيير الهائل الذي أحدثه الإسلام في خريطة العالم المحيط به: في عقائده ونظمه ونفسيته لم يكن ليمر دون أن يعكس آثاره بصورة أو بأخرى على الإسلام نفسه، ممثَّلا في دولته وفي مجتمعه، وممثلا بصفة خاصة في القادة والرواد الذين حملوا أكثر مِنْ سواهم أعباءَ هذا الانقلاب الضخم.
ولقد كان اغتيال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أول ظواهر هذا الانعكاس الخطير، وكان نذيرا واضحا بأن ردود الفعل لتلك الفتوحات الواسعة التى طوَّرت من طبيعة الدولة الإسلامية، قد بدأت تنفّذ قانونها وسلطانها، خاصة مع عدم حدوث تغير في أسلوب الحكم يواكب هذا التطور.
(( المقصود به أنهم لم يكونوا يحتاطون من الناس ومن المسلمين الجدد لأن بعضهم قد دخل في الإسلام على دغل وخوف وهو يريد الكيد له من الداخل فلم يكن لهم حرص ولا غير ذلك كبقية الأمراء في العالم ))
وجاء الفتح بمشكلاته: من ثراء طارئ، ودنيا حافلة بالإغراء، واختلاط هائل بين أجناس وأمم وتقاليد طوّرت في المجتمع الإسلامي، وخلقت بمرور الوقت مناخا متوترا، خاصة من جانب هؤلاء الذين كان حظهم من تزكية الإسلام للنفس ضئيلا وما حصلوا عليه من التربية الإيمانية ناقصا، في جوّ نما فيه دور القبائل العربية، ورفعت العصبية القبلية رأسها، حتى بدت رواسب الجاهلية طافية فوق سطح المجتمع.
كلُّ هذا أسهم في إضافة نقاط سوداء إلى الثوب الإسلامي الأبيض، خاصة مع موت الكثير من الصحابة الكبار، وانتشار العديد منهم بعيدًا عن عاصمة الخلافة.
وقد ساعد هذا الاختلال في صورة المجتمع المسلم لهذا العهد على تشجيع الدسائس وإنجاح المؤامرات، كهذه التي كان وراءها تلك الشخصية الغامضة عبد الله بن سبأ.
لقد عاش الإسلام أول عهده في مكة مطارَدا، فكان لا يُقبل عليه حينئذ إلا من تعلقت نفوسهم بالحق ولم تبال أن ينالها الأذى من ذلك، ولم تطمع أن تنال مغنما دنيويا من وراء إيمانها بالله ورسوله.. وفي المدينة كافح المسلمون وسط غابة من الشرك وأهله، حتى لم يكن أحد يتبع هذا الدين المطارَد المحاصَر رغبة في غنيمة أو بحثا عن رياسة..
أَمَا وقد انتصر المسلمون، ففتحوا مكة، وأرغموا أنف اليهود، وأخضعوا القبائل العربية النافرة بالجزيرة فقد أصبح في الانضمام إليهم مغنم.. بل صار هذا المغنم شيئا رائعا وضخما حين سَحَقَ الصحابةُ ومن ثبت معهم جموع المرتدين، ثم امتد بهم الأمر ليواجهوا الفرس والروم ويغنموا منهم ما لا يُحصى من الغنائم.
إن هناك فرقا عميقا بين نفس دخلت في دين الله ـ تعالى ـ لأنه الحق الذي يرضاه الله، وترى فيه ذاتها سابحة في عالم من النقاء، ومسبِّحة مع مَنْ يسبح من الخلق، فلا تستطيع أن تعيش إلا بالحق وله هناك فرق بين هذه النفس وبين نفس دخلت الدين في زحام الداخلين، وأخرى جذبتها الأضواء الباهرة والربح الدنيوي الذي صار المسلمون يجنونه في جولاتهم وملاحمهم.
إن النفس التي دخلت الدين من أجل النفع تميل مع النفع حيث مال، وتسير معه حيث سار، والتي دخلت في زحام الداخلين لا تتقن اختيار ما ينفعها عند ربها، فتنجرف مع كل تيار، وتميل مع كل فتنة.
وقد تدفقت خيرات الدنيا على المسلمين مع موجات الفتوح القوية، فاتسع الثراء اتساعا هائلا، وصارت الثروة كأنها تهاجر من وطن إلى وطن، وتسافر من يد إلى يد. والثراء الضخم المفاجئ لا تنجو من أثره السالب إلا نفوس أفراد قلائل، هم خاصة المؤمنين المتميزة، وكانوا - على أية حال - قلة في المجتمع، وبقيت الكثرة الكاثرة عرضة للتغير والتعلق بالدنيا، بل التصارع عليها.

ــــــــــــــ



3- طبيعة المجتمع في عهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه


ومع حرص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على الفصل بين الجيوش المسلمة الفاتحة وبين أهل البلاد المفتوحة، فقد ازداد اختلاط المسلمين بالأعاجم مع مرور الوقت، ولكلِّ فريق عاداتُه وأعرافه، وكان لابد من تبادل التأثير والتأثر، فالبدوي الذي قضى حياته بين الخيام والأغنام غير الرومي والفارسي اللذَيْن عاشا في المدن العامرة ووسط الأرض الخضراء والحدائق الغنّاء، والعربي الذي عوّدته الحياة الصبر والحسم غيرُ الأعجمي الذي علّمته حياته العبث واللين.
لقد كان الزمن كفيلا بأن يخلط الأمم بعضها ببعض خلطا عجيبا، في هذه المنطقة من العالم التي شغلتها دولة الإسلام أيام الراشدين، وكان لهذا أثره الكبير في إحداث تفاعلات اجتماعية في الأعماق والأغوار البعيدة للمجتمع، كانت الثورة على سلطة المدينة أيام عثمان إحدى تجلياتها.
في زمن الخلافة الراشدة، وبعد أن ظهر تأثير الفتوحات الاقتصادي والاجتماعي، حدث تطور تاريخي هائل؛ إذ اتسع سلطان المدينة - اتسع من حدود هذه المدينة المحصورة حتى شمل جزيرة العرب كلها وممالك العراق والشام ومصر وإفريقية وأرمينية وبلاد فارس وبعض جزر البحر الأبيض المتوسط؛ فتحولت الحكومة الإسلامية من دولةِ مدينةٍ، أي دولة حدودُها محصورة بمدينة A City state إلى دولة عالمية A World state...
وما دامت طبيعة الدولة قد تحولت، وبدأ التغير في عناصر المجتمع، فقد كان من الواجب أن يتغير أسلوب الحكم، وتتطور أداته، حتى تصبح ملائمة لحاجات الظرف الجديد، ولكن الأسلوب الذي كانت تحكم به الدولة المدينةَ - مع عظمته لو كان عالم البشر مثاليا - ظل هو الأسلوب الذي يراد أن تسير به الدولة العالمية، فحصل صدام كان لابد أن يقع، وظهرت العقبات، وأطلت المشكلات برءوسها، وتوالت الأزمات التي جعلت الأيام الأخيرة من خلافة عثمان - رضي الله عنه - مكدرة أي تكدير!
كان عمر - رضي الله عنه - يمنع أعلام المهاجرين من قريش من الخروج من المدينة، وضيق عليهم في ذلك، حتى في الغزو، ويقول: "إني أخاف أن تروا الدنيا وأن يراكم أبناؤها". فلما ولي عثمان لانَ لهم، فانتزع الحقوق انتزاعا، ولم يعطل حقا، فأحبوه على لينه، ولم يشتد في معاملتهم كما كان يشتد عمر. ولم تمض سنة من إمارة عثمان حتى سمح لهم بالانسياح في الأرض، والانطلاق حيث شاءوا إرضاء لهم، وتوسلا بمقامهم بين العامة إلى تسكين الأمور واتقاء الفوضى.
فلما رأوا الأمصار، ورأوا الدنيا، ورآهم الناس، واتخذ رجال منهم أموالا في الأمصار، وكثرت أملاكهم، وبنوا المساكن والبيوت لأنفسهم في الأمصار - انقطع إليهم الناس، وثبتوا على ذلك سنوات، حتى أصبح كل قوم يحبون أن يلي صاحبهم الخلافة، وصاروا يتقربون إليهم، وطمع كل قوم في ذلك، حتى ينالوا بمن يؤيدونه مكانة ودرجة، فكان ذلك أول ضعف دخل على المسلمين، وأول فتنة كانت في العامة، فاستعجلوا موت عثمان، واستطالوا حياته..

3- طبيعة المجتمع في عهد أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه


وهكذا تغير المجتمع في عهد عثمان، أما هو - رضي الله عنه - فلم يتغير، ولم يبتعد عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن سنة الشيخين أبي بكر وعمر، وإنما أطمع الناس فيه لينُه وحبه لأقربائه وكرمه في العطاء.
لقد فقد أمير المؤمنين عثمان رصيدا بشريا ثمينا، كان سندا للخلفاء من قبله، وذلك حين ازداد انتشار كبار الصحابة في الأمصار، وفي نفس الوقت كثر الموالي والأرقّاء في المدينة، مما شجع أصحاب الأهواء والضلال على الاحتجاج والاعتراض على أمير المؤمنين، وهو ما تطور إلى الأحداث الأليمة التي استُشهد فيها أمير المؤمنين عثمان.
جاءت الفتوحات أيام الراشدين فحملت العرب والمسلمين إلى الأمصار يجاهدون في سبيل الله، فمنهم من أقام في الثغور، ومنهم من استقر في البلاد التي مُصِّرت ليكون قريبا من ساحات القتال، وهناك يَبتني دارا، ويتخذ أسرة لنفسه، وليس هؤلاء كلهم من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين اهتدوا بهديه، وساروا على نهجه، وإنما كثير منهم من الأعراب - من تميم وكندة وقضاعة وكلب وباهلة وعبد القيس وبكر بن وائل - وكانت لهم في الفتوحات يد، فكانوا يشعرون بأن لهم منزلة لا تقل عن منزلة السابقين الأولين الذين جاهدوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ونصروا الدين في مواقفه الصعبة.
وفي الحقيقة، لم يكن الخير والتقوى في هذا المجتمع وقفا على الصحابة رضي الله عنهم - كما لم يكن الصحابة أنفسهم على درجة واحدة من الإيمان والتقوى، وإن كانوا جميعا عدولا أنقياء أمناء على الدين.. وجاءت آفة هذا المجتمع من أجلاف البدو الذين لم ينتفعوا من تهذيب الإسلام وتأديبه للنفس البشرية بالقدر الكافي، فعلمتهم حياة البادية والبيئة الخانقة كراهيةَ الحياة المستقرة، وقلةَ اتقاء الفتن؛ إذ لا يدركون خطرها الماحق، أو لا يهتمون بذلك أصلاً.
نظّم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العطاء المالي للمسلمين على أساس تفضيل السابقين إلى الإسلام، وأصحاب المواقف العظيمة في الجهاد المبكر في سبيل الله، ومن كانوا قريبين إلى نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلبه، كالعباس بن عبد المطلب وأمهات المؤمنين. وقد دل ذلك على مبلغ عناية عمر بهؤلاء النفر الذين يزيد الناس وينقصون هم، فهم الأسوة في المجتمع، وموضع الاقتداء لدى هذه الجماهير الحاشدة التى تُقبل على الإسلام. وعلى هذا المقياس سيأتي يوم قريب أو بعيد لا يصبح فيه وجود لهذه الصفوة في المجتمع، وبالتالي يتساوى الناس في العطاء.
ولم يكن تفضيل السابقين إلى الإسلام على غيرهم عند عمر تقليلا من حق القوى الاجتماعية والسياسية الجديدة المتمثلة في رجال القبائل ذوي الوفرة العددية والنجدة، الذين أطاحت أسيافهم بعروش كسرى وقيصر، لكن السابقين إلى نصرة دين الله ـ تعالى ـ أقبلوا على الإسلام مبكرا، وحملوا دعوته وقت أن كفرت به الدنيا من حولهم، وضحوا في سبيله، وحاربتهم الدنيا، فصبروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تصبر الجبال، حتى نصره الله، ثم بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - وانتشار الردة والتنبؤ، قاتلوا وصبروا مثل صبرهم الأولِ، حتى منّ الله عليهم بنصره، ولولاهم بعد فضل الله تعالى - ما كان فتح ولا غزو، وهم قادة الجيوش الفاتحة، ولولاهم بعد كرم الله تعالى - ما كان فيء ولا غنيمة.
وبرغم ذلك، فقد أدى توزيع العطاء على أساس السابقة في الإسلام والقرابة من النبي - صلى الله عليه وسلم إلى إثارة ضغائن القبائل، التي نظرت إلى قريش على أنها استأثرت بالحكم والثروة معا، خاصة أنه لا ينكَر فضل هذه القبائل في الجهاد والغزو وتوفير الغنائم والفيء في حروب فارس والروم.
وقد كان أمير المؤمنين الملهَم عمر يشعر بذلك، فكان يرى إمكانية التسوية بين الناس في العطاء بأن يزيد في عطاء الأقل ليلحق بالأكثر، وعبر عن ذلك بقوله: "والله لئن بقيت إلى العام المقبل لأُلحقن آخر الناس بأولهم، ولأجعلنهم رجلا واحدا ".
ولكن عمر لم يعش لينفذ خطته تلك، وورث عثمان تلك الأوضاع التى تفجرت في منتصف خلافته على نحو شديد القسوة.
إن تغيرا كبيرا طرأ على حياة الناس بعد السنوات الأولى من عصر أمير المؤمنين عثمان؛ فالفتوح توقفت تقريبا؛ لأنها كانت قد وصلت إلى حد يجب أن تقف عنده قبل أن تُستأنف، فلما توقفت ظهر تأثير طبقة جديدة من الناس على مسرح الحوادث، هي طبقة الأعراب الذين ارتدُّوا من قبل عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد كان أبو بكر بعيدَ النظر جدا حين رفض أن يرسل هؤلاء للمشاركة في الفتوح بعد أن رجعوا إلى الإسلام. وكان عمر بعيد النظر أيضا حين تشدد في منع إرسالهم ولم يتساهل إلا في أحيان، وكان لا يؤَمِّرُهم. أما عثمان التقي الحَيِيُّ فقد اضطر إلى إرسال القبائل البدوية إلى الفتوح، ومعظمها من أهل الردة، وأحسن الظن بهم، فقد توسعت رقعة الفتح حتى لم يكن ممكنا أن يعتمد الفتح على الصحابة وحدهم مع القبائل التى حَسُنَ إسلامها وتمسكت بالدين.

ــــــــــــــ


4- بداية الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه وأسبابها الخفية


ووجد عثمان الحاجة ماسَّة لإشراك القبائل البدوية في تثبيت الفتوح التي أتمها السابقون الصادقون، فهرولوا إليها وهمهم الغنيمة والمال والرقيق. ولئن كان في تاريخ الفتوح عيب أو ملمَزٌ فإنه يأتي من هؤلاء، ولا يأتي من السابقين الأولين الذين ذهبوا إلى الفتوح نصرةً للدين وتأييدا له، لا سعيا وراء غنيمة، أولئك الذين قتل منهم في المواقع والحروب عدد كبير من سادتهم وفضلائهم، ولم يكن هناك بعد غنائم يطمعون فيها؛ بل عدو هائل القوة يُخْشَى فتكه وقوته.
وبدأ دور قبائل الأعراب ينمو، وتشعر بقوتها وقيمتها في المجتمع، وأصبحت كل قبيلة ترى أن دورها لا يقل عن دور قريش في الفتوح، وأخذوا يبحثون لأنفسهم عن دور على مسرح الأحداث، وفي صنع القرار، فظهرت العصبية القبلية من جديد، وأخذت نقمتهم على قريش ومكانتها تزداد يوما بعد يوم.
لقد حرك تفضيل أهل السابقة من المهاجرين والأنصار في العطاء كما فعل عمر، واختصاص قريش بالإمارة كما في عهد عثمان حرك ذلك كوامنَ الحقد والحسد في قلوب ضعاف الإيمان، وجعل القبائل تَغَصُّ من قريش ومكانتها، وتشكو من نفوذها، فالقبائل بنزعتها البدوية التى تكره الحكم المركزي لم ترض يوما عن سيادة قريش، ندرك ذلك في فلتات الألسن وخفايا الأنفس، فها هو رجل من عبد القيس يقول للزبير بن العوام في البصرة: "يا معاشر المهاجرين، أنتم أول من أجاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايعتم رجلا منكم، والله ما استأمرتمونا في شيء من ذلك، فرضينا واتبعناكم، فجعل الله - عز وجل - في إمارته بركة، ثم مات رضي الله عنه - واستخلف عليكم رجلا منكم، فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلّمنا، فلما توفي الأمير جعل الأمر إلى ستة نفر، فاخترتم عثمان، وبايعتموه من غير مشورة منا..
يعني الدخولُ في الإسلام أن يلقيَ الداخلُ على عتبة بابه كلَّ ميراث الجاهلية الجائر، ولا يأخذَ من تجربته السابقة إلا ما يتناسق مع الدين ويتناسب مع الفطرة، وقد حدث هذا مع الصحابة تماما، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقاوم روح الجاهلية بقوة وشدة، ويرسّخ في نفوس أتباعه كراهية هذه الروح ومقاومتها.
ومع كل هذا فقد دخل في الإسلام أقوام لم يتخلصوا من الميراث الجاهلي، فانبنت تصرفاتهم في الإسلام كما في الجاهلية - على العصبية العمياء والسعي وراء الفتنة وإثارة الخلافات.. فهذا يتعصب لقومه وذاك لموطنه، وذلك يمتدح بلاء قومه وأهله في الفتوح ويلوم الآخرين لأنهم لم يحققوا مثل إنجازهم، وكأنهم صنعوا النصر وحدهم!
إن الذي يسير في الحياة بهذه الروح قد يعمى عن كثير من الحق، وقد لا يكون سيره في طريقٍ ما إلا اندفاعا وراء تعصبه، ولن يتأخر عن التضحية بأمن الأمة كلها وسلامتها إذا وجد سبيلا لمناصرة من يتعصّب له. وقد كان هذا هو شأن من تعصبوا للزبير وطلحة في حياة عثمان رضي الله عنهم فحلت عصبية القبائل وأهل الأمصار لهؤلاء النفر من الصحابة محل عصبيتهم لأقوامهم؛ إذ رجوا أن يجدوا نفعا من وراء ذلك.
وفي الجهة الأخرى كانت القوى القديمة في البلاد المفتوحة قد تحطمت أمام جيوش الإسلام، ومع أنهم ظلوا مندهشين مما لحقهم من الهزيمة، إذ أشبه ما جرى لهم حلما سريعا في ليلة صائفة!! مع ذلك فإن المستفيدين من سلطة الروم والفرس الزائلة كانوا يتمنون لو سنحت لهم فرصة للثأر، لذلك استغلوا وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقاموا بمحاولات حربية لاسترداد بعض ما سُلب منهم، لكنهم فشلوا تماما، وكان متوقَّعا إزاء ذلك أن يتحولوا إلى المؤامرات والدسائس، التي كان لها دور واضح في بعض الأحداث التي تلت عصر الراشدين.
أفضل مناخ تعمل فيه الدسائس والمؤامرات هو وجود الشقاق والخلاف في الجبهة الداخلية للمجتمع، ووجود طوائف في الأمة تفتقد الحس نحو اتقاء الفتن، وتندفع وراء الفعل دون تقدير للعاقبة..
وقد قيل إن نُذُر الخلاف التي بدأت تظهر على سطح المجتمع الإسلامي في أيام عثمان بن عفان قد دفعت بيهودي يمني من أهل صنعاء، اسمه عبد الله بن سبأ وكنيته ابن السوداء، إلى أن يدعي الإسلام، ويهاجر من موطنه إلى المدينة بقصد الكيد للمسلمين وضرب بعضهم ببعض.
قال الرواة: إن ابن سبأ أخذ يتنقل بين الأمصار يبث سمومه، ويستغل الخلاف الموجود في صفوف المجتمع، وقاد محاولات للتشويه والطعن في الخليفة وولاته. وقيل: إنه كسب أثناء ذلك بعض الأنصار، كما أثار البعض ضد أمير المؤمنين عثمان وولاته.
وهناك شك كبير في قدرة شخص واحد على تدبير كل هذه المكائد، وطبيعة الأمور تقطع بوجود أياد عديدة شاركت في صنع الدسائس والمؤامرات، ولعل ابن سبأ على رأسها0
كان نظام حكم الراشدين فريدا في عصره، بل نموذجا رائعا للعلاقة الصحيحة بين السلطة والأمة، فهو حكم يقوم على الشورى والمساواة والعدل، في حين كان الحكم الشائع في ذلك العصر حكم استبداد وسيطرة لفئة على فئة.. حتى شَكْلُ الاقتصاد في حكم الراشدين كان فريدا ومتميزا، ونموذجا طيبا منضبطا لدورة المال في الدولة، فهو اقتصاد مبنيٌّ على توزيع مال الأمة على أفرادها جميعا، سواء منهم المقاتل في جبهات القتال، والمقيم الذي لا يستطيع القتال لسبب من الأسباب. ولم يكن ذلك الاقتصاد مألوفا آنذاك..
إنه حكم الراشدين في زهده وتواضعه وورعه، وفي تحمله الأمانةَ وحرصه على مصالح الرعية، فليس بين يدي الخليفة جيش أو شرطة أو جهازُ أمنٍ خاص للدفاع عنه، ولا يسخّر إمكانات الدولة لحماية عرشه. والخليفة لا يأخذ بالظن، ولا يقتل بالشبهة، ولا يتتبع عورات الناس، ولا يكشف سترهم، فهو يحسن الظن بهم، ويعاملهم على حسب ما يظهرونه، ويكِل إلى الله بواطنَهم وما يكتمونه.
مبادئ سامية، وقيم رفيعة، وانتصارات رائعة، واتساع عظيم وسريع للدولة لم يكن العالم في ذلك الوقت يتخيله، فإذا به واقعا يُعاش، والخليفة التَّقِي في المدينة ما زال يسيّر دفة السفينة، دون أن تتجبر نفسه بما حققه الله على يد جنوده من انتصارات، ودون أن يجعل هذه الإنجازات مجدا شخصيا يدوس به رقاب العباد...

ــــــــــــــ


5- اغتيال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه


بينما الناس في ظل دولة الإسلام يعيشون هذا الجو المشرق بالصفاء، المليء بالعدالة والإنصاف، إذ فاجأهم حادث أليم، هو مقتل أمير المؤمنين عمر بيد أعجمي، فكان ذلك الحادث صدمة عنيفة روّعت المسلمين، وغيرت من شعور كثير منهم تجاه الأعاجم: مَنْ أسلم منهم ومَنْ لم يسلم، بعدما ظهرت أصابع الأعاجم ملطخة بدماء عمر..
لقد اشتكى أبو لؤلؤة إلى أمير المؤمنين عمر أن سيده المغيرة بن شعبة يكلفه أكثر مما يستطيع، فرأى عمر أن دفع درهمين في اليوم ليس شيئا كثيرا على رجل يجيد ثلاث صنائع كأبي لؤلؤة، فبيَّت العبد شرا، وأعد خنجرا له نصلان، ضرب به أمير المؤمنين وهو بين يدي ربه في الصلاة، فذهب شهيدا.
وبقي الحادث ليس أكثر من حقد وغل في قلب هذا العبد، إلا أنه كشف عن أخطار يمكن أن تأتي من جهة بعض الموالي الذين عاشوا في قلب دولة الإسلام بعد أن فتح المسلمون بلادهم‏، لذا أسرع عبيد الله بن عمر في فورة الحزن على أبيه الراحل وقتل الهرمزان وجُفينة النصراني وابنةً لأبي لؤلؤة..
لقد كان مصرع الخليفة العادل مفاجأة محزنة للمسلمين، وسارة لغيرهم ممن وقفوا يقاومون الفاتحين، وفور سماع الفرس والروم خبر مقتل عمر ظنوا أن وفاته هي فرصتهم لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الفتوحات، لكنهم فشلوا في ذلك تماما.
لقد غلب الشابُّ الأمويُّ عثمان بن عفان عصبيةَ بني أمية مبكرا، وأسرع بالاستجابة لصوت الحق الذي نادى به الرسول الهاشمي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فما ترك عثمان الحقَّ لأن الذي يدعوه إليه رجل من بني هاشم، الذين ينافسون عائلته على الشرف والرئاسة في مكة.
وظل عثمان طوال حياته في كتيبة الحق، ينشر معهم الخير، ويشيع الفضيلة، ويقاوم الوثنية والعصبية الجاهلية. وكم كان قريبا من النبي القائد صلى الله عليه وسلم وموضع ثقته طوال حياته، مجاهدا معه، وملاصقا له. وبعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم بقي عثمان قريبا من صاحبيه أبي بكر وعمر مساعدا ومستشارا أمينا.
وبعد وفاتهما جاء الدور على عثمان ليتولى بنفسه إمارة المؤمنين، متحملا هذه المسئولية الصعبة بعد أن اتسعت الدولة الإسلامية، وانفردت في العالم كأقوى قوة بشرية في هذا العصر.
لقد تولى الخليفة الراشد الثالث الأمرَ، وحَمَلَ الأمانة، وأعطى عزمه الرشيد لمسئولياته الجسام، ومنهجُه في ذلك الرفق واللين، والعمل على راحة الرعية، وإيثار الآخرة الباقية على الدنيا الفانية.
وكان حياء عثمان الشهير مصحوبا بميل واضح نحو الرفق، وكراهية التشديد على الناس، وإن كان هذا مفيدا للنفوس السوية المستقيمة، فإن النفوس النكدة التي لم تُهذَّب رغباتها وتطلعاتها بالدين، ولم تؤدَّب سلوكياتها على ضوء الشريعة هذه النفوس تعده ضعفا وقلة خبرة..

ــــــــــــــ


6 – مؤامرة قتل الخليفة الراشدي عثمان رضي الله عنه


لقد مرت الأعوام الستة الأولى من خلافة عثمان على خير وجه، حتى حقق المسلمون فيها الكثير من الإنجازات الرائعة، مثل: تثبيت الفتوحات في البلاد التي انتفضت عقب وفاة الفاروق عمر، وفتح بلاد جديدة، وبناء الأسطول الإسلامي..
أما ما بقى بعد ذلك من سنوات الخلافة الراشدة، فقد تحولت الريح الباردة الهادئة فيها من اعتراضات عادية إلى تمرد على الخليفة وولاته إلى عاصفة أخذت تتجمع شيئا فشيئا، وينادى بعضها بعضا حتى تحولت إلى إعصار كُتب على عثمان الخليفة الشيخ أن يواجهه وحده، في محنة هبطت بها شراسة المتآمرين إلى السفح، وارتفع بها تسامح الخليفة الشهيد وحكمته إلى القمة..!!
لقد غلب الشابُّ الأمويُّ عثمان بن عفان عصبيةَ بني أمية مبكرا، وأسرع بالاستجابة لصوت الحق الذي نادى به الرسول الهاشمي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فما ترك عثمان الحقَّ لأن الذي يدعوه إليه رجل من بني هاشم، الذين ينافسون عائلته على الشرف والرئاسة في مكة.
وظل عثمان طوال حياته في كتيبة الحق، ينشر معهم الخير، ويشيع الفضيلة، ويقاوم الوثنية والعصبية الجاهلية. وكم كان قريبا من النبي القائد صلى الله عليه وسلم وموضع ثقته طوال حياته، مجاهدا معه، وملاصقا له. وبعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم بقي عثمان قريبا من صاحبيه أبي بكر وعمر مساعدا ومستشارا أمينا.
وبعد وفاتهما جاء الدور على عثمان ليتولى بنفسه إمارة المؤمنين، متحملا هذه المسئولية الصعبة بعد أن اتسعت الدولة الإسلامية، وانفردت في العالم كأقوى قوة بشرية في هذا العصر.
لقد تولى الخليفة الراشد الثالث الأمرَ، وحَمَلَ الأمانة، وأعطى عزمه الرشيد لمسئولياته الجسام، ومنهجُه في ذلك الرفق واللين، والعمل على راحة الرعية، وإيثار الآخرة الباقية على الدنيا الفانية.
وكان حياء عثمان الشهير مصحوبا بميل واضح نحو الرفق، وكراهية التشديد على الناس، وإن كان هذا مفيدا للنفوس السوية المستقيمة، فإن النفوس النكدة التي لم تُهذَّب رغباتها وتطلعاتها بالدين، ولم تؤدَّب سلوكياتها على ضوء الشريعة هذه النفوس تعده ضعفا وقلة خبرة..
لقد مرت الأعوام الستة الأولى من خلافة عثمان على خير وجه، حتى حقق المسلمون فيها الكثير من الإنجازات الرائعة، مثل: تثبيت الفتوحات في البلاد التي انتفضت عقب وفاة الفاروق عمر، وفتح بلاد جديدة، وبناء الأسطول الإسلامي..
أما ما بقى بعد ذلك من سنوات الخلافة الراشدة، فقد تحولت الريح الباردة الهادئة فيها من اعتراضات عادية إلى تمرد على الخليفة وولاته إلى عاصفة أخذت تتجمع شيئا فشيئا، وينادى بعضها بعضا حتى تحولت إلى إعصار كُتب على عثمان الخليفة الشيخ أن يواجهه وحده، في محنة هبطت بها شراسة المتآمرين إلى السفح، وارتفع بها تسامح الخليفة الشهيد وحكمته إلى القمة..!!
إنما بلغت دولة الإسلام في خلافة أبى بكر وعمر الذروة في العزة، وكانت مضرب الأمثال في الفلاح الإنساني وسعادة المجتمع؛ لأن أبا بكر وعمر كانا يكتشفان بنور الله ـ عز وجل ـ خبايا السجايا في أهلها، وعناصر الرجولة في الرجال، فيوليانهم القيادة، ويبوئانهم مقاعد السيادة، ويأتمنانهم على أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهما يعلمان أنهما مسئولان عن ذلك بين يدى الله ـ عز وجل.
وقد سار على هذا النهج الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ فلم يولّ من أقاربه إلا من ولاه الخليفتان من قبله، أو ثبتت كفايته وتفوقه، فحققوا إنجازات ضخمة، ورفعوا راية الإسلام بما فتحوه من بلاد جديدة، وما قاموا به من نشر الأمن والعدل وتعاليم الإسلام في هذه البلاد المفتوحة، فعم الرخاء في جميع بلاد الإسلام، ونَعِمَ الناس بالخيرات والثـراء الذي لم يشهـدوه من قبل.
ولما جاء علي بن أبي طالب إلى الخلافة ولَّى هو أيضا من يثق فيه من أقاربه، ممن يراهم أهلا لتسيير الأمور فيما ولاهم عليه من البلاد.
وقد كانت ولاية الكوفة وولاية البصرة وولاية مصر صاحبة النصيب البارز في الاعتراض على أمير المؤمنين، أما ولاية الشام فكانت سياسة معاوية بن أبي سفيان فيها من الحكمة بمكان، حتى لم يرتفع منها صوت يعترض على عثمان ـ رضي الله عنه.
وتعدى الاعتراض أمراء الولايات ليشمل آخرين ممن ولاهم عثمان مسئوليات أخرى في الدولة الإسلامية، كمروان بن الحكم الذي ولاه عثمان الديوان.
كان عمر بن الخطاب يعرف بنظرته الملهَمة حب عثمان لأقاربه، كما عرف ذلك في علي، وكان يخشى إن تولى أحدهما خلافة المسلمين أن يصل به بره بأهله إلى تفضيلهم على من سواهم وتقريبهم عمن عداهم، وحملهم على رقاب الناس، فحذرهما ذلك عند وفاته وفي وصيته لهما.
غير أن عثمان بعد مضي فترة من خلافته، وعليا ـ رضي الله عنه ـ منذ بداية استخلافه ـ ولّيا أقاربهما، فولّى علي في خلافته ابن عمه قثم بن العباس على مكة، وعبيـد الله بن العباس على اليمن، وعبد الله بن عباس أخاهما على البصرة، وولَّى ربيبه وابن زوجته محمد بن أبي بكر على مصر، وولَّى صهره وابن أخته جعدة بن هبيرة على خراسان، كما كان على عسكره ابنه محمد ابن الحنفية، وكان علي نفسه بالكوفة، وقد ناب عنه في الحج سنة ست وثلاثين عبد الله بن عباس، وسنة سبع وثلاثين قثم بن عباس، وسنة ثمان وثلاثين عبيد الله بن عباس، وهؤلاء أكثر ممن استعملهم عثمان وهو يلي بلاد الإسلام كلها، مع أن عليا لما رفض معاوية وأهلُ الشام بيعته لم يكن يَحْكم سوى العراق والمشرق والحجاز، ولم يدم له حكم مصر ولا استقام له حكم الحجاز.
كانت الكوفة من أعظم الأمصار شأنا في عصر الراشدين، اختطها سعد بن أبي وقاص لمائة ألف مقاتل، وكانت هذه المدينة أكثر الأمصار اعتراضا وشكاية في ولاتهم، فكانت أول مصر نزغ الشيطان بينهم في الإسلام. فقد أتعبت هذه المدينة من قبل عمر بن الخطاب، فولى عليها ستة ولاة في فترة قصيرة ـ على الرغم من دقة عمر في اختياره وشدته في متابعة عماله ـ وكان أول وال عليها لعثمان: سعد بن أبي وقاص، لوصية عمر بذلك، فظل عليها سنة وأشهرا، ثم وقع بينه وبين عبد الله بن مسعود عامل الخراج خلاف، فعزل عثمانُ سعدًا، وولى مكانه الوليد بن عقبة سنة ست وعشرين، فظل أميرا عليها خمس سنين وليس على داره باب، وأدخل على أهل الكوفة خيرا كثيرا، فكان أحب الناس إليهم وأرفقهم بهم، حتى دبر له بعض المنحرفين منهم مؤامرة شهدوا فيها شهادة زور بأنه شرب الخمر، فأمر عثمان بجلده وعزله وولَّى مكانه سعيد بن العاص سنة ثلاثين. وحاول سعيد أن يقوم بعدة إصلاحات اجتماعية، نتج عنها انتشار الإشاعات على عثمان وولاته، ثم أحدثوا بعد ذلك أعمال شغب وتمرد انتهت بمنعهم سعيدا من دخول الكوفة، وعزلوه وولوا أبا موسى الأشعري مكانه، ثم خرج منهم بعد ذلك جماعة من المنحرفين على عثمان، فكان التغيير في الولاة استجابة سريعة لرغبات الناس وظروف إقليمهم، ولم يستعمل عثمان حقه في التغيير للولاة مُبادِئًا.
من السمات الواضحة في حكم الراشدين حرصهم على مصلحة الأمة حتى آخر أنفاسهم في الحياة، ولا يشغلهم عن ذلك ثقل الموت وشدته، فأبو بكر يوصي في لحظاته الأخيرة بدعم الجيوش المجاهدة على جبهة العراق، وعمر يوصي وهو يودع الدنيا باختيار خليفة من بين من بقي من كبار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وبأن يتولى سعد بن أبي وقاص أمر الكوفة؛ لأنه حين عزله من قبل لم يعزله عن عجز أو خيانة، وذكر هذا في وصيته ليدفع عنه أي تهمة.
فاستجاب عثمان لوصية عمر، وسارع في تنفيذها، فكان أول عامل استعمله وبعث به إلى الكوفة، وعزل المغيرة بن شعبة، وجعل مع سعدٍ عبد الله بن مسعود على الخراج. وقد حدث خلاف بين سعد وابن مسعود حول دَيْنٍ لبيت المال كان على سعد، فلما رُفع إلى عثمان عزل سعدا وولى على الكوفة الوليدَ بن عقبة.
عزل عثمان سعدَ بن أبي وقاص عن الكوفة، لا شكًّا في أمانته أو كفايته، ولكنه استكثر أن يتنازع اثنان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في بلد كالكوفة هما أميراه، وأهل البلد يفتحون إلى الجدال والخصام كل باب، ولا يهمهم أن تثور الفتن والنزاعات.
وأمّر عثمانُ الوليدَ بن عقبة مكان سعد، فقدم الوليد الكوفة سنة ست وعشرين من الهجرة، فأحسن معاملة أهلها، حتى أحبه الناس، وكانت سيرته فيهم أحسنَ سيرةٍ طيلة سنوات إمارته عليهم، ولم يتخذ لداره بابا حتى خرج من الكوفة، فما كان يحول بينه وبين الناس أحد، وكان يدخل عليه من شاء في ليل أو نهار.
ولأن بعض النفوس لا تهدأ إلا إذا اضطربت الأمور من حولها، فقد قام بعض الأشرار بالانتقام من الوليد لأنه أقام الحد على أبنائهم، وذلك بتدبير مؤامرة لعزله، فشهدوا عليه زورا بشرب الخمر، ونجحت مؤامرتهم، فعُزل الأمير الصالح عن الكوفة بعد جلده، وتولى مكانه سعيد بن العاص.
سعيد بن العاص اسم جديد يظهر في سماء الكوفة بعد أن عُزل الوليد بن عقبة.. اسم جديد يتولى إمارة المدينة المشاكِسة التي دعا عليها عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص والوليد ابن عقبة بسبب ظلمهم وافترائهم على أمرائهم..
ولما قدم سعيد الكوفة صعد المنبر فخطب فيهم، وزجرهم وتوعدهم، ثم نزل وسأل عن البلدة وأحوالها، ووضْع الناس بها، حتى عرف حالهم واضطراب أمرهم، فكتب إلى أمير المؤمنين في ذلك، فرد عليه بعدة تعليمات لإصلاح الوضع بها، فشرع سعيد في تنفيذ الإصلاحات، وبدأ بوجوه الناس وسادتهم من أهل القادسية والبلاء في فتوح هذه البلاد، وأرسل إليهم، فلما اجتمعوا عنده قال لهم: " أنتم وجوه الناس، والوجه ينبئ عن الجسد، فأبلغونا حاجة ذي الحاجة".
وأدخل معهم من يُحتاج إليه، ثم جمع القراء والعلماء واختصهم لنفسه، وجعلهم من أهل مجلسه وسمره. وسار سعيد بن العاص على هذه السياسة الرشيدة في الإدارة، وبث الجيوش والسرايا لاستكمال الفتوحات في طبرستان والباب حتى بلغ أذربيجان..
وسارت الأمور على ما يرام حتى سنة ثلاث وثلاثين الهجرية، حيث قام بعض المنحرفين بالكوفة بأعمال شغب انتهت بتسييرهم إلى الشام. وأصبحت الكوفة وكأنها حطب يابس اشتعلت فيه النيران، فانتشرت الشائعات بالقدح والذم في ولاة عثمان، بل وفي عثمان نفسه؛ لأنه هو الذي اختارهم وولاهم.
ولم يكن يدور في خلد سعيد أن يكون هذا هو نتاج محاولاته الإصلاحية، فكتب إلى أمير المؤمنين يخبره، ويستشيره في الأمر، فجمع عثمان أهل المدينة وعرض عليهم الأمر.
كانت ولاية البصرة إحدى الأمصار الإسلامية ذات الشأن في عصر الراشدين، واستقر مقام المسلمين بمنازلها في المحرم من سنة سبع عشرة للهجرة، ولم يكن حال أهل البصرة أفضل كثيرا من أهل الكوفة مع عمال عمر، فقد شكا بعضُ أهلِها عاملَهم المغيرةَ بنَ شعبةَ إلى الخليفة، واتهموه بالزنا، فعزله عمر وولى مكانه أبا موسى الأشعري سنة سبع عشرة للهجرة، فظل واليا عليها عدة سنوات، ثم صرفه عمر إلى الكوفة حين عزل عمار بن ياسر عنها، وطلب أهل الكوفة من أمير المؤمنين عمر أن يوليه عليهم، وولى مكانه على البصرة عمر بن سراقة المخزومي، ثم رد عمر أبا موسى إليها، فظل أبو موسى على البصرة وعلى صلاتها إلى أن مات عمر.
ولما ولي عثمان أقره عليها، فظل أبو موسى الأشعري واليا عليها سنوات، ثم عاد أهل البصرة فاتهموا أبا موسى وشكوه إلى عثمان، وقالوا: قد أكل أرضنا، وأحيا أمر الجاهلية فينا، فعزله عثمان سنة تسع وعشرين للهجرة.
واستعمل عثمان على البصرة عبد الله بن عامر بن كُرَيز، وهو ابن خمس وعشرين سنة، فكان فيهم حسن السيرة، مجاهدا ميمون النقيبة، ولم يزل واليا عليها حتى قتل عثمان، وقد حقق أعظم الإنجازات، فوصلت الفتوحات على يديه إلى أقصى المشارق، وانتهت بتقويض ملك الإمبراطورية المجوسية ومقتل يَزْدَجِرْد الثالث آخر ملوكهم.
ها هي روح شابة تنال ثقة أمير المؤمنين عثمان، فيدفع بها إلى الصفوف الأولى من تحمّل المسؤولية، فيتولى عبد الله بن عامر أمر المواجهة مع فارس وأمر إدارة شؤون البصرة ذات الموضع الاجتماعي المعقّد. وكم كانت كفاية عبد الله وقدراته تنمّ عن موهبة فذّة في الإدارة والجندية، وإنجازاته البارزة تثبت ذلك، فقد فتح خراسان كلها، وأطراف فارس وسِجِسْـتان وكَرمان حتى بلغ غَزْنة، وفي عهده قُتل يَزْدَجِرْد آخر ملوك الفرس، الذي كان يفر هاربا في البلاد أمام جيوش عبد الله بن عامر حتى قتل.
ثم رجع ابن عامر بعد أن فتح هذه البلاد العظيمة، فقيل له: ما فتح الله على أحد مثل ما فتح عليك: فارس وكرمان وسجستان وخراسان، فقال: " لا جرم، لأجعلن شكري لله على ذلك أن أخرج معتمرا من موقفي هذا فأحرم بعمرة من نيسابور"، ووفى بنذره، وفرق أموالا كثيرة في أهل المدينة.
ومن منجزات عبد الله بن عامر أيضا أنه أتم حفر نهر الأبلة، ذلك المشروع الضخم الذي ابتدأ في ولاية سلفه أبي موسى الأشعري، وحفر غيره من الأنهار التي زودت مدينة البصرة بالماء اللازم لها، واتصلت تجارتُها بالأقاليم المجاورة فدفع ذلك نموها وازدهارها.
وأسهم عبد الله بن عامر في تطوير البصرة بسياسته التي هدفت إلى تشجيع العمران بالمدينة، بمنح الإقطاعات للأشخاص ليتنامى الإنتاج، واتخاذ الأسواق وتأسيسها بالمدينة، فقام بشراء عددٍ من الدور وبنى في موضعها سوقا، لاسيما أن سوق المربد لم تعد قادرة على سد الحاجات الجديدة للمدينة.
تعد مصر أحد مواطن القوة الإسلامية ومصادر ثراء المسلمين منذ توجه إليها عمرو بن العاص من قيسارية بفلسطين لفتحها في أواخر سنة ثماني عشرة للهجرة، واكتمل فتحها سنة إحدى وعشرين، واستمر عمرو واليا عليها حتى وفاة عمر.
ولما ولي عثمان الخلافة أقر عَمرا على مصر في صدر إمارته، يدير أمورها، ويسوس شؤونها، وكان عمرو يُحكم قبضته عليها، مما دفع بعض الأشرار والمنحرفين إلى أن يشكوه إلى عثمان، ولم يكن عثمان يعزل أحدا إلا عن شكاية أو استعفاء من غير شكاية؛ فنقل منه خراجَ مصر، وولى عليه عبد الله بن سعد بن أبي السرح لمؤهلاته الشخصية.
ولم يكتف هؤلاء الأشرار بذلك حتى سعوا بين عمرو وعبد الله بن سعد، وأوقعوا الخلاف بينهما، فبلغ ذلك عثمانَ فعزل عَمْرًا وجعل مصر كلها لابن أبي السرح، وقدم عمرو المدينةَ مُغضَبًا.
وبذلك نجحت مكيدتهم في عزل عمرو عن مصر، فخلا لهم الجو وعاثوا فيها فسادا، وبثوا أفكارهم الهدامة بين الناس، وظهرت أولُ بوادر الفتنة في تحريض محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر الناسَ على ذم عثمان وواليه ابن أبي السرح، أثناء الخروج إلى معركة ذات الصواري، وأكثرا من الكلام فيهما، فقد حرضا الناس حتى أفسدا أهل تلك الغزوة، فزجرهما عبد الله بن سعد بن أبي السرح وتوعدهما، ولولا خشيته من غضب أمير المؤمنين لعاقبهما عقابا شديدا.
وقد شجع ذلك من في حلوقهم غصة على عثمان، حتى علت الأصوات المنخفضة، وخرجت الفتن المختبئة، وخرج الناس على الخليفة، وذهبت جماعة منهم إلى المدينة، وكان ما كان من حصارهم له، ثم قُتل شهيدا ـ رضي الله عنه وأرضاه.
الشام منذ أيامِها الأولى في ظلال الإسلام وهي أعظم ولايات دولة الراشدين شأنًا، ففيها موطنٌ كبير للقوة الإسلامية، وامتدادٌ هام لدولة الإسلام إلى الشمال يمثل ظهرا للفتوح في جهات أخرى عديدة.
وقد تولى عثمان - رضي الله عنه - الخلافةَ ومعاوية أميرٌ على الشام، فأقره عليها لِمَا علم فيه من كفاية ونباهة، ولاستعمال أبي بكر وعمر له من قَبْلُ، ولِمَا منحه الله من صفات أهَّلتْه للقيادة والحكم والإدارة، فاستطاع بحسن سياسته أن يدير الشام إدارة حكيمة، حيث أحكم سيطرته عليها، فسهلت له قيادتها، وجعل منها أقوى ولاية إسلامية حينئذ، فنَعِمَتْ معه رعيته بالخير والبركة، وبرزت إنجازاته في هذه الولاية بوضوح.

ــــــــــــــ


7- شخصية معاوية رضي الله عنه


ولم يكن معاوية ـ رضي الله عنه ـ يدع شيئا يزعزع استقرار بلاده، أو يهدد أمن ولايته إلا قضى عليه في مهده ودون مساعدة من الخليفة، إلا ما كان من أمر الخلاف مع أبي ذر ومنهجه، حيث استعان بأمير المؤمنين عثمانَ لما أعيتْه الحيَل، فأعانه. وعموما كانت رعيتُه أكثرَ الأمصارِ طواعيةً لأميرها، فلم تظهرْ فيها الفتنة، ولم يجد مثيرو الفتنة لهم فيها مكانا، بل إن معاوية عرض على أمير المؤمنين عثمان أن يخرج معه إلى الشام عندما حدثت الفتنةُ، أو أن يرسل لحمايته بالمدينة بعضَ أجناد الشام، ولكن أمير المؤمنين رفض ذلك كلَّه. ولما جاءهم نبأ حصاره خرج جيش منهم لنصرته، ولكن جاءهم خبر مقتله قبل أن يصلوا إلى المدينة.
"الناس معادن كمعادن الفضة والذهب..." (رواه مسلم وأحمد).
كان معاوية بن أبي سفيان رجلاً معدنُه الذهبُ في الإدارة والإمارة، ولعله ورث ذلك عن قومه من بني أمية الذين كانوا من زعماء مكة في الجاهلية...
لقد كانت شخصية معاوية الأموي في ظل الإسلام جديرة بأن تحقق إنجازات بارزة إذا أتيحت له الفرصة، وقد انفتح الباب أمامه واسعا حين ولاه عمرُ بعضَ الشام إلى أن أصبح واليا على الشام كله، وكذلك حين وثق فيه عثمان فأقره في موضعه، وسمح له بتنفيذ بعض المشاريع التي كان يعارضها عمر، خوفا على المسلمين.
لقد كان جند الشام تحت قيادة معاوية في طليعة جيوش الجهاد والفتوح الظافرة الداعية إلى الله بأخلاقها وسيرتها وحكمة قادتها وصدق إسلامهم، فانتصروا على عدوهم في البر والبحر، كما كان تأسيس الأسطول الإسلامي والفتوح البحرية الأولى من عمل معاوية الذي ألح على الخليفة الرفيق عثمان كي يقوم بها، حتى سمح له أمير المؤمنين بذلك، ففتح قبرص، وغزا مضيقَ القسطنطينية.
وقد حفظ معاوية وجندُه الشامَ - بفضل الله - وحمى سواحلَها من غارات الروم ومحاولاتهم لاستردادها، بل كان له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف تسمى الصائفة.

ــــــــــــــ


8- محاولة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه رأب الصدع


في فترة حكم الراشدين كانت الخلافة في المدينة مفزع الأمراء دائما إذا اعترضتهم مشكلة أو نابتهم نائبة، فكتب سعيد بن العاص إلى أمير المؤمنين عثمانَ يخبره باعتراضات أهل الكوفة وشغبهم بعد تنفيذ الوصايا التي أمر بها.
فلما جاء الكتاب إلى المدينة أمر عثمان مناديه أن ينادي في الناس: الصلاة جامعة، ليستشيرهم في هذا الأمر الغريب، فاجتمع إليه أهل المدينة، وأخذ يعرض عليهم الأمر من كتاب سعيد إليه يصف الوضع بالكوفة، ومقالة السوء التي شاعت ضده وضد ولاته.
كل هذا والناس تعجب مما تسمع، حتى فرغ عثمان من حديثه، فقالوا له: "أصبتَ يا أمير المؤمنين، فلا تسعفهم في ذلك، ولا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها".
فلما سمع منهم ذلك وموافقتهم له أوصاهم قائلا: " يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا، فقد دبت إليكم الفتن ". ونزل من فوق منبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مهموما، ثم أوى إلى منزله، وأخذ يفكر في كيفية علاج ذلك الخلل الاجتماعي، وبالفعل حاول العلاج، وكانت لهذه المحاولة نتائجها ـ وإن كان ذلك في إطار ضيق.
حاول عثمان علاج الخلل الاجتماعي الذي جرى في الكوفة، وعمل على محاصرته ليمنع استفحاله وامتداد أثره إلى مواضع أخرى من بلاد المسلمين، وذلك في إطار سياسته العامة القائمة على تقديم أهل السابقة والدين، فأراد أن يزيد عددهم في الكوفة، ويعزز أوضاعهم بها، ويوازن الاتجاه القَبَلِيَّ بها، فاقترح لذلك أن ينتقل من شاء من الصحابة إلى العراق، وأن يتخذوا بها معايش ثابتة؛ وذلك بأن يشتروا لهم أراضي هناك؛ إما بأموالهم السائلة أو باستبدال أرض من أهل العراق بما يمتلكون في الحجاز، فسُرَّ بذلك الصحابة، وفتح الله عليهم به أمرا لم يكن في حسابهم، ووجدوا فيه فرجا لهم، وسمح لهم بالانتشار في مناطق العالم الإسلامي.
وكان ذلك نقلة كبيرة عن سياسة الفاروق عمر الذي حجزهم بجواره لحاجته إليهم، ولتخوفه من تشعب الأمر بانقسام الناس حولهم إن جاوروهم بالأمصار، وخشي من فتنتهم بهم… ومعنى ذلك أن بواعث الفتنة التي ظهرت بالعراق خاصة الكوفة، كانت تعود إلى أسباب اجتماعية وسياسية، وليس مجرد النقمة على ولاة عثمان لأنه ولى أقاربه كما يظن الكثيرون.
في فترة حكم الراشدين كانت الخلافة في المدينة مفزع الأمراء دائما إذا اعترضتهم مشكلة أو نابتهم نائبة، فكتب سعيد بن العاص إلى أمير المؤمنين عثمانَ يخبره باعتراضات أهل الكوفة وشغبهم بعد تنفيذ الوصايا التي أمر بها.
فلما جاء الكتاب إلى المدينة أمر عثمان مناديه أن ينادي في الناس: الصلاة جامعة، ليستشيرهم في هذا الأمر الغريب، فاجتمع إليه أهل المدينة، وأخذ يعرض عليهم الأمر من كتاب سعيد إليه يصف الوضع بالكوفة، ومقالة السوء التي شاعت ضده وضد ولاته.
كل هذا والناس تعجب مما تسمع، حتى فرغ عثمان من حديثه، فقالوا له: "أصبتَ يا أمير المؤمنين، فلا تسعفهم في ذلك، ولا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها".
فلما سمع منهم ذلك وموافقتهم له أوصاهم قائلا: " يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا، فقد دبت إليكم الفتن ". ونزل من فوق منبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مهموما، ثم أوى إلى منزله، وأخذ يفكر في كيفية علاج ذلك الخلل الاجتماعي، وبالفعل حاول العلاج، وكانت لهذه المحاولة نتائجها ـ وإن كان ذلك في إطار ضيق.
حاول عثمان علاج الخلل الاجتماعي الذي جرى في الكوفة، وعمل على محاصرته ليمنع استفحاله وامتداد أثره إلى مواضع أخرى من بلاد المسلمين، وذلك في إطار سياسته العامة القائمة على تقديم أهل السابقة والدين، فأراد أن يزيد عددهم في الكوفة، ويعزز أوضاعهم بها، ويوازن الاتجاه القَبَلِيَّ بها، فاقترح لذلك أن ينتقل من شاء من الصحابة إلى العراق، وأن يتخذوا بها معايش ثابتة؛ وذلك بأن يشتروا لهم أراضي هناك؛ إما بأموالهم السائلة أو باستبدال أرض من أهل العراق بما يمتلكون في الحجاز، فسُرَّ بذلك الصحابة، وفتح الله عليهم به أمرا لم يكن في حسابهم، ووجدوا فيه فرجا لهم، وسمح لهم بالانتشار في مناطق العالم الإسلامي.
وكان ذلك نقلة كبيرة عن سياسة الفاروق عمر الذي حجزهم بجواره لحاجته إليهم، ولتخوفه من تشعب الأمر بانقسام الناس حولهم إن جاوروهم بالأمصار، وخشي من فتنتهم بهم… ومعنى ذلك أن بواعث الفتنة التي ظهرت بالعراق خاصة الكوفة، كانت تعود إلى أسباب اجتماعية وسياسية، وليس مجرد النقمة على ولاة عثمان لأنه ولى أقاربه كما يظن الكثيرون.
لا ريب أن الاجتهاد السياسي لعثمان كان يتوخى تهدئة الأوضاع في الكوفة، والإقلال من خطر الخلل الاجتماعي بها، لكن نجاحه في ذلك بدا محدودا، إذ وجد الذين لا سابقة لهم والطارئون على الكوفة والأعرابُ أنه ليست لهم مكانة أدبية ولا مادية في المجتمع، وإنما ذلك لأهل السابقة والفضل، فأخذوا يعيبون التفضيل، ويجعلونه فجوة، وهم يخفون ذلك ولا يكادون يظهرونه؛ لأنه لا حجة لهم، ولو أعلنوه لثار الناس عليهم؛ فكان إذا لحق بالكوفة لاحِقٌ من أعرابيٍّ أو عبدٍ محرَّرٍ، أعجبه كلامهم، وانضم إليهم، حتى قويت شوكتهم، وظلوا على احتجاجهم على عثمان وولاته، يثيرون من حولهم الإشاعات، وكانوا في زيادة يوما بعد يوم، والناس في نقصان حتى غلب الشر، وحدث التمرد بالكوفة.

ــــــــــــــ


9- اعتراضات مردودة


وزاد من انتشار التمرد أن عثمان لما اقترح على الصحابة أن يشتروا أرض العراق بما لهم من أرض وأسهم بالمدينة وغيرها من أرض الجزيرة العربية، محاولة منه لزيادة عدد الصحابة بالعراق ليوازن الاتجاه القَبَلِيَّ بها، حدث ما لم يكن متوقعا، فقد التف رجال القبائل حول هؤلاء الصحابة، وجعلوا منهم مراكز قوى يتطلعون بها إلى مركز الخلافة…
أضف إلى ذلك أن نظام العطاء الذي سنه عمر كان سببا في زيادة تذمر القبائل في العراق؛ إذ إنه رتب الناس في العطاء بحسب قرابتهم من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسابقتهم في الدين، وهؤلاء جميعا من قريش؛ مما أدى إلى تفضيل قريش في العطاء، فكان أن نقمت القبائلُ على قريش استئثارَها بالفيء وكثرةَ الأموالِ بأيديها.
كان إنشاء الأسطول البحري الإسلامي الأولِ واحدا من إنجازات عهد عثمان بن عفان الكبيرة، وها هو الأسطول يخرج في أولى مهامه الحربية، يشترك فيه جنود المسلمين من مصر والشام، للاشتباك مع الأسطول الروماني الذي دانت له السيطرة في البحر المتوسط أو بحر الروم زمنا طويلا..
واحتفل البحر بالأسطول الإسلامي بمنظره المهيب في معركة ذات الصواري، غير أن نفوسا تلوثت بالدنيا وبالحقد على المسلمين أبت إلا أن يشتمل العُرس على مقدمات لحزن طويل، فمحمـد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر شاركا في معركة ذات الصواري سنة إحدى وثلاثين مع جيش عبد الله بن سعد بن أبي السرح، الذي خرج من مصر، فأخذا يبثان في الناس أكاذيب وأفكارا ضالة، تزعم أن عثمان غيّر وبدل وخالف أبا بكر وعمر، وأن دم عثمان حلال.
واتهماه بأنه استعمل عبدَ اللهِ بنَ سعدٍ الذي كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أباح دمه، ونزل القرآنُ بكفره، وبأنه نزع أصحابَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستعمل سعيدَ بنَ العاص وعبدَ الله بنَ عامر.
وأخذا يتكلمان بذلك وغيره في أهل تلك الغزوة، وبلغ عبدَ الله بن سعد ما يحدثان به الناس، فاستدعاهما وقال لهما: لا تركبا معنا، ومنعهما من الركوب مع جيشه، فركبا في مركب ليس فيه أحد من المسلمين، ولما كان وقتُ لقاء العدو، كانا أقل المسلمين قتالا وأقلهم حماسا، فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكّمه.. وعثمان فعل وفعل، حتى أفسدا أهلَ تلك الغزوة.
لن تستطيع أن تحصل على الحقيقة كاملة حول شخصٍ ما إذا كان أعداؤه هم الذين يكتبون تاريخَه، خاصة إذا كانت لهذه الشخصية مشاركات في أحداث متشابكة، اختصم فيها الناس، وتوزعوا فرقا، كالذي جرى في الفتنة...
ولعل هذا ينطبق بصورة واضحة على مروان بن الحكم، ذلك الشاب الأموي الذي نال ثناء العديد من رجال عصره، كما نال ثقة أمير المؤمنين عثمان، فولاه رئاسة الديوان، واتخذه كاتبا لرسائله الخاصة...
وقد كانت تولية عثمان لمروان وأشباهه من بني أمية ـ كعبد الله بن سعد بن أبي السرح الذي ولاه مصر، وعبد الله بن عامر الذي ولاه البصرة، ومعاوية بن أبي سفيان الذي استبقاه أميرا على الشام ـ كان هذا مثارا للاعتراض على الخليفة، مما استغله الثائرون على عثمان، بل ضخّموه.
وليس مروان بعيدا عن أن يوصف بالسوء فحسب، بل كان به - فوق ذلك - العديد من الفضائل والمواهب القيادية، ولم تكن تولية عثمانَ له مجاملة على حساب المسلمين..
لقد كان مروان نائبا بالمدينة، فإذا وقعت معضلة جَمَعَ مَنْ عنده من الصحابة فاستشارهم فيها، وعَمِلَ بما أجمعوا عليه.
ومروان هو الذي جمع الصِّيعانَ (مفردها صاع، وهو كيل معروف)، فأخذ بأعدلها فنُسب إليه الصاع، فقيل: صاع مروان، وهى ليست بصاع مروان، إنما هى صاع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم.
إن من لوازم الرئاسة، ومن شروط الشرف والمنزلة بين الناس أن يَرْخُصَ المال عند الإنسان، فيمنَحه بسخاء يدٍ، ويعطيَه بكرم نفسٍ. فإذا زُيِّن ذلك بالتقوى والإيمان صار للكرم وللسخاء معنى عند الله تعالى وعند الناس.
وقد كان الإمام التقي العادل عثمان بن عفان من هؤلاء السادة الكرماء، الذين رخُص المال عندهم، فبذله في سبيل الله، ووصل به أهلَه وإخوانَه..
إلا أن ذلك لم يعجب الطائفة المعترضة على الخليفة، الثائرةَ عليه تستعجل وفاته، فاتهموا عثمانَ بسوء التصرف في مال المسلمين، والإنفاقِ من بيت المال على ذويه وأقاربه.
لقد كان عثمان ليِّنا مع أهله، رفيقا بأقاربه، كما كان ليِّنا مع الناس جميعا، بل إن ذوي رحِمِهِ وأقاربَه أولى برِفْقِهِ ولينه. وما أكثر ما كان عثمان ينفق لتجهيز الجيوش، والإعداد للغزو في وقت لم تكن للإسلام فيه شوكة، فلما قامت للإسلام دولة، وكانت الفتوحات، وجاءت الغنائم والفيء، أصبحت الدولة في أوج قوتها وثرائها، وكان أن أنفق عثمان على أقربائه، وأعطاهم من ماله هو يتقرب إليهم ويصلهم.
وكان مما فعله معهم أنه قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطيه منهم، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آلَ الحكمِ رجالَهم عشرةَ آلافٍ عشرةَ آلافٍ، فأخذوا مائةَ ألفٍ، وأعطى بني عثمان مثلَ ذلك، وقسَّم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب.
وزعم المعترضون أن الخليفة يمنحهم من مال المسلمين، وصاروا يعترضون على تصرفاته المالية، فإذا زوّج ابنه من ابنة الحارث بن الحكم، وزوّج ابنته من ابن مروان بن الحكم، وجهَّزهما من خالص ماله الذي كان واسعًا ووفيرا في الجاهلية والإسلام - قالوا: إنه جهزهما من بيت مال المسلمين!!
وإذا اقترض رجل بضعةَ آلافٍ من بيت المال ـ وكان من حق المسلمين أن يقترضوا من بيت مالهم ـ قالوا: إن الخليفة منحه إياها بغير حق!
وإذا توسع في المراعى التي كانت الدولة في عهد "عمر" تحميها لإبلِ الصدقةِ ولتنمية الثروة الحيوانية، قالوا: إنه حَمَى الحِمَى لكي يسمِّن إبلَه وماشيتَه..!!
ولقد حدث أن وَلَّى الخليفة الحارثَ بنَ الحكم أمانةَ سوقِ المدينةِ، واستغل الحارث وظيفته، فراح يشترى النوى ويحتكره، ولم يكد الخليفة يعلم بهذا حتى استدعاه إليه وسفَّهه، ثم عزله من فوره، فهذه أيضا نسجوا منها اتهاماتٍ..!!
وكانت الأرض البُور التي لا تجد مَنْ يزرعها ويستثمرها تملأ البلاد، لاسيما في ريف العراق، فراح الخليفة يُقطِع القطائع نفرًا من أثرياء الصحابة الذين يمكِّنُهم ثراؤهم من الإنفاق عليها واستثمارها، فنسجوا من ذلك اتهاما..!!
وكان أمينُ بيتِ المالِ عبد الله بن أرقم قد تقدمت به السنُّ، كما وقع خلاف هادئ بينه وبين الخليفة، فرأى الخليفة أن يولي مكانه زيدَ بنَ ثابتٍ، فأطلق المرجفون المتمردون قولتَهم بأن الخليفة عزل ابن أرقم لأنه عارض إسرافَه، مع أنه ولَّى مكانه زيدَ بنَ ثابتٍ الذي ائتمنه أبو بكر وعمرُ على جمع القرآن...
ومن قبلهما ائتمنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على كتابة الوحي.
كانت الأُخُوَّةُ في الله هي الجامع الأول الذي وحّد هؤلاء الصحابة من أقوام مختلفين وقبائل شتى، فصنعوا نسيجَ المجتمع الإسلامي الأولِ، الذي رافق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رحلة الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ والجهاد في سبيله..
ومع عظمة النفوس البشرية لهؤلاء الرجال، وسُمُوِّ أغراضِها وأهدافها، لم يكن منتظَرًا منهم أن يكونوا معصومين من الخطأ عصمةَ نبيِّهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ لذا لا نعجب أن تقع بينهم بعض الخلافات الطفيفة، لكنهم كانوا دائما يعتصمون بمعاني الأخوَّة في دين الله ـ تعالى ـ ما لم تتدخل يَدٌ شيطانيةٌ تزوِّر الحقائقَ وتضخِّم الأحداثَ.
لقد أشاع المعترضون أن الخليفة عثمانَ وقف موقفا اتسم بالشدة تجاه بعض الصحابة الأجلاء: فنفى أبا ذر الغفاري، وضرب عبدَ الله بنَ مسعود ومنع عنه عطاءه، وضرب عمارَ بنَ ياسر.
إن الزهد في الحياة، والأخذ منها بما يسد الضروريات أو يكاد ـ منهج في الحياة ترتضيه بعض النفوس، وتجد لديها إمكانية كبيرة للصبر عليه.. وهذا شيء لا عيب فيه، غير أن قليلين هم الذين يقدرون على هذا. كما أن الزهد بهذه الصورة ليس هو المنهج الوحيد الذي يمكن أن يعيش المسلم به في ظلال الإسلام الحنيف، فيمكن أن يكون الزاهد ذا ثوبٍ حسنٍ ومنزلٍ رحْبٍ متسعٍ، يأكل من الطيبات التي أحلها الله، ولا يحرّمها على نفسه ولا على الناس ـ كل هذا دون أن تكون الدنيا غايتَه، ودون أن يسرف على نفسه، أو يستطيل على عباد الله بنعمة الله.
وقد كان الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري ممن مالوا إلى الزهد بصورته الشديدة، فأخذ نفسَه بالعزائم الشديدة، وحرمها الكثيرَ من متعها، واكتفى من الدنيا بما يبلغه المسير إلى نهايتها.
ولم يكتف أبو ذر باختيار سبيل الزهد الذي اختاره، فأضاف إلى ذلك انتقاداتٍ شديدةً أخذ يوجهها إلى هؤلاء الذين توسعوا في متع الدنيا، فكان يقوم في الناس في الشام ويقول: " يا معشر الأغنياء واسُوا الفقراءَ.. بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار تُكْوَى بها جباهُهم وجنوبُهم وظهورُهم ". وكان ينتقد عُمَّالَ عثمانَ لذلك، وينكر عليهم توسُّعَهم في المراكب والملابس.
وانتشر كلام أبي ذر هذا حتى شكا الأغنياءُ ما يَلْقَوْنَ من الناس بسببه إلى معاوية، وكادت أن تقع الفتنة، لولا أن معاوية تدارك الأمر وكتب إلى أمير المؤمنين عثمان في ذلك، فأمره بأن يُرسل أبا ذر إليه مكرما، ومعه دليل في طريقه، ويزوده بالزاد، ويَرفق به.
فلما بلغ أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ المدينةَ، لقي الخليفة، فتحادثا برفق ومودة، واختار أبو ذر ـ بعد أن أحس أن تيار الفتوح قد غير الناس كثيرا ـ أن يعيش وحده في منطقة الرَّبَذة خارج المدينة، فزوَّده أميرُ المؤمنين عثمانُ بما يلزمه.
وعاش هناك منفردا حتى أدركه الأجل المحتوم، فمات وحده كما أخبره الرسول المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم.
وقد حاول الثائرون على عثمان ـ رضي الله عنه ـ استغلالَ هذا الموقف، زاعمين أن الخليفة نفى أبا ذر بسبب اعتراضه عليه وعلى ولاته، وهو أمر لم يفعلْه الخليفة الصالح على الإطلاق.
إن الأخوَّة والصحبة لا تمنعان من إقامة الحق والحرص عليه، فإذا كان عثمان بن عفان وعمار بن ياسر رفيقَيْن اصطحبا في خدمة الإسلام، فإن الخليفة لن يسمح لنفسه أن تُجامِل عمارا إذا كان الحق في غير صفه..
وها هو ذا عمار بن ياسر يتشاتم هو ورجل من المسلمين في لحظة غضب، فيعاقبهما الخليفة؛ إذ حوى كلامُهما قذفا وخوضا غاضبا في الأعراض أو ما يشبهه.
ومرة أخرى يرسل عمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص إلى أمير المؤمنين ليأتيهما المسجدَ يراجعانه في بعض أعماله، لكن عثمان كان في انشغال عنهما، فانصرف سعد، وألح عمارٌ على مقابلته، ولم يتيسر للخليفة لقاؤه، فبعث إلى عمار مع رسول له يطلب تأجيل اللقاء به، لكن عمّارا لم ينصرف، فتناوله رسول الخليفة وآذاه بغير أمر عثمان..
ولعل نفس عمار أول الأمر كانت غاضبة من الخليفة، لكنه مع مرور الوقت تيقن أن عثمان حسن النية، جاد في حفظ حدود الدين، حتى لقد أشفق عمار على عثمان حين حاصره الثائرون، وقال: "يا سبحان الله!! أتمنعون الماء عمن اشترى بئر رومة، ووهبها المسلمين؟!".
وذهب المعترضون على الخليفة يصنعون من هذا الموقف تهمة كبيرة للخليفة المؤمن عثمان!
"بايعنا خيرَنا ولَمْ نأل" ـ أي لم نقصر ـ هذا هو رأي ابن مسعود في عثمان، فما تولى الخلافة إلا وهو خير الموجودين وأجدرهم بها، كما يرى أكثر الصحابة.. وقد تولى عبد الله بن مسعود خراج الكوفة أيام عثمان حين كان سعد بن أبي وقاص أميرا عليها، فاختلف سعد وابن مسعود على قرض اقترضه سعد من بيت المال، فعزل عثمانُ سعدا وأبقى ابن مسعود.
إلى ذلك الوقت لم يكن بين ابن مسعود وخليفته إلا الصفو وكل خير، فلما عزم عثمان على تعميم مصحف واحد في العالم الإسلامي يُجْمِعُ أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أنه هو المصحف الكامل الموافق لآخر عَرْضة عُرض فيها كتاب الله ـ عز وجل ـ على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل وفاته، ودّ ابنُ مسعود أنْ لو كُلِّف هو بذلك، وأحب أن يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى، فجاء عمل أمير المؤمنين على خلاف ما كان يودُّه ابنُ مسعود في الحالين، فاختير زيدُ بن ثابت ليرأس بعضَ الصحابة في نسخ المصحف الذي جُمع أيام أبي بكر، وزيدٌ أولى بهذا الأمر؛ فقد اختاره أبو بكر من قبل لما هو أكبر من هذا العمل، وهو جمعُ القرآن في مصحفٍ واحدٍ.
وقد كان عثمان يعلم ـ كما يعلم سائر الصحابة ـ مكانةَ ابنِ مسعود وعلمَه وصدقَ إيمانه، وكان الخليفة على حق حين ألغى المصاحف الأخرى كلها، ومنها مصحف ابنِ مسعود، فذلك أبقى لوحدة الأمة، وراد للاختلاف في كتاب الله تعالى، وكان جمهور الصحابة في كل ذلك مع عثمان.
ومع أن هذا خلاف وارد بين البشر، بل خلاف مشروع بين العقول، إلا أن مَنْ لا يفهمون ذلك ممن قاموا يعترضون على الخليفة أشاعوا أن عثمان ضرب ابنَ مسعود ومنع عنه عطاءه.
الاجتهاد باب من الأبواب التي يقوى بها تفاعل الدين مع الحياة والناس، إذ إن الزمان مع تغيره والحياة مع تطورها يقذفان الناس بقضايا جديدة وأمور لم تسبق لهم من قبل، فيتعامل عقل العالم مع روح الدين والقرآن والسنة ونصوصهما في محاولة الوصول إلى الحق.
وقد كان الخلفاء الراشدون جميعا يملكون أهليـة الفتوى والقدرة على الاجتهاد، وكانت لأبي بكر وعمر اجتهاداتهما الكثيرة.
غير أن الثوار الذين قاموا في وجه الخليفة عثمان سلبوه هذا الحق، واتخذوا بعض فتاواه سلاحا يُشْهِرونه للثورة عليه والتشهير به، بل شككوا في فضله وسابقته في الجهاد والإيمانِ بالله ورسوله.
لقد راحوا يتصيدون للخليفة الراشد ما حسبوه - بسوء تدبيرهم وخيبة فألهم - طعنًا سينال من ورع الخليفة وحسن طاعته لله ولرسوله، أو من قدره في نفوس المؤمنين والصالحين.
قالوا: إن الخليفة وحد المصاحف كلها في مصحف واحد، وجمع المصاحف الأخرى وأحرق أوراقها.
وقالوا: إن الخليفة تَرَكَ قصرَ الصلاة بمنى أثناء حجه، بينما كان الرسول وصاحباه يقْصرون الصلاة.
وقالوا: إن الخليفة لم يُقم حدَّ القتل على عبيدِ الله بنِ عمر.
وقالوا: إن الخليفة ردَّ الحَكَمَ بنَ أبي العاص، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد نفاه.
وقالوا: إن الخليفة علا على درجة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المنبر، وقد انحطَّ عنها أبو بكر وعمر.
على أن الخليفة ـ رضي الله عنه ـ أمام المعارضة الأخرى النزيهة التي واجه بها أصحابُه بعضَ قراراته، لم يقف موقفَ المستعلِي على الرأي، ولا المستكبر عن الحق، بل وقف على ملأ من المسلمين في يوم الجمعة، يعترف بما عساه يكون وقع فيه من أخطاء، ويرفع ضراعته إلى الله مستغفرا وتائبا، باكيا ومبكيا جميعَ الذين كانوا هناك يستمعون إليه وينصتون..!!
وأمام موقفه العظيم هذا، تبددت الموجة الأولى من الهجوم على المدينة، ذلك الهجوم الذي كان المتمردون قد انطلقوا به من مصر، حيث كان يقيم العديد من القبائل اليمنية التي شاركت في الردة من قبل، وبقِيتْ على همجيتها الجاهلية، ولم يكن للنظام والاستقرار الاجتماعي في تفكيرها موضع.
لقد كان سجلا من الأعمال الرائعة هذا الذي كتب فيه صحابة محمد صلى الله عليه وسلم خُطا مسيرتهم.. وجاء مَن بعدهم يُجِل ويحترم هذه المنزلة والمكانة الخاصة للصحب الكرام، خاصة السابقين منهم إلى نصرة الدين والعمل به وله. وكان الخليفةُ الراشدُ عثمانُ من هؤلاء السابقين، بل من خاصَّتِهم، فحضر أعظم المشاهد، ووقف في نصرة الدين ومؤازرة الرسول أجلَّ المواقف..
لكن عندما اشتعلت أصوات الاعتراض على الخليفة، لم يترك الثائرون بابا للعيب فيه إلا لمزوه منه، وعابوا عليه من خلاله، حتى حاولوا أن يَقلِبوا الحقائقَ، فاجتهدوا في التقليل من قيمة سَبْق عثمان إلى طاعة الله ورسوله ونصرة الدين، فقالوا: لم يحضر بدرا، وانهزم يوم أحد، وغاب عن بيعة الرضوان..
وقد زرعوا هذه الافتراءاتِ في نفوس الناس؛ حتى إن رجلا من أهل مصر جاء ليؤدي فريضة الحج، ورأى مجلسا لقريش، فسأل عن شيخهم، فأخبروه بأنه ابن عمر، وأخذ يسأله عن هذه الأمور التي صدَّقها هذا الرجل المسكين.
فأخذ ابن عمر يبين له، ويزيل مِنْ رأسه هذه الشبهات بقوله: " أما فراره يوم أحد فأَشهدُ أن الله عفا عنه، وغفر له، وأما تغيُّبه عن بدر فإنه كان تحته بنتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانت مريضة فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: إن لك أجرَ رجلٍ ممن شهد بدرا وسهمَه.. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعزَّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عثمان ..".
إن العناية التي بذلها عظيما الإسلام أبو بكر وعمر، وأتمَّها أخوهما وصِنْوُهما ذو النورين عثمان مِنْ جمعِ القرآن وتثبيتِه وتوحيدِ رسمِه، كان لهم بها أعظم المنة على المسلمين، وبها حقق الله وعده بحفظ كتابه كما قال سبحانه: ( إنا نحن نزلنا الذِّكْرَ وإنا له لحافظون) [ الحجر: 9].
وقد تولى الخلافةَ بعد هؤلاء الشيوخ الثلاثة أمير المؤمنين عليّ فأمضى عملهم، وأقر مصحف عثمان برسمه وتلاوته، وفي جميع أمصار ولايته، وبذلك انعقد إجماعُ المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام به أبو بكر وعمر وعثمان هو من أعظم حسناتهم.
وقد حاول بعض الناس أن يلوموا عثمان ـ رضي الله عنه ـ على أمره بإحراق المصاحف الأخرى، فقال لهم علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه: " لو لم يصنعه عثمانُ لصنعتُه أنا!".
ومما لا ريب فيه أن البغاة على عثمان أنفسَهم، وهم الذين أثاروا حوله هذه الفرية، كانوا في خلافة علي يقرأون مصاحف عثمان التي أجمع عليها الصحابة وعليٌّ منهم.
إن من الفقه بالإسلام أن تُفهَم روحُه جيدا عند النظر في نصوصه، وقد كان الخليفة الفقيه عثمان ابن عفان يراعي ذلك، فقد قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في منى عام حجة الوداع، واستمر العمل على ذلك، حتى قصر عثمان نفسُه في خلافته عدة مرات..
وفي السنة السادسة من خلافته سمع أمير المؤمنين عثمان أن الناس افتتنوا بالقَصْرِ، وقصروا الصلاةَ في منازلهم دون أن يكون مرخصا لهم القصرُ، فرأى أن السُّنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة، فصلى بمنى وأتمَّ صلاتَه..
ومع أن بعض الصحابة أنكروا عليه تركَ القصرِ برفقٍ وأدبٍ، وأتمُّوا الصلاة مثله، خوفا على الأمة من اختلاف الكلمة إلا أن المتآمرين والثائرين أخذوا يروِّجون بين الناس أن عثمان ابتدع في الدين، وترك ما كان يفعله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحباه.
في السنة الثالثة والعشرين للهجرة أصاب خنجرُ أبي لؤلؤة النصرانيِّ المجوسيِّ الأصلِ أميرَ المؤمنيـن العـادلَ عمرَ بن الخطاب في مقتل، فأصيب المسلمون من ذلك بحالة من الذهول؛ إذ رأوا أميرَهم الصالحَ الذي فتح الله الدنيا على يديه يُقتَل بهذه الصورة الحاقدة، وطاش عقلُ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ حين رأى الدم ينزف من جسد والده، فأمسك نفسه حتى نَفَذَ أمرُ الله في أبيه، ثم ثارت ثائرتُه فحمل سيفه، وراح يقتل كلَّ مَنْ ظن أنه متواطئ مع أبي لؤلؤة في جريمته، فقتل الهرمزانَ، وجُفينة النصراني، وابنة أبي لؤلؤة المجوسي، وهدد وتوعد بأنه سيقتل كلَّ من شارك في هذه الجريمة، مما سبب حالة فوضى بالمدينة..
عندها قام إليه سعد بن أبي وقاص، ونزع السيف من يده، وحبسه في داره، حتى ينظر الخليفة الجديد في شأنه، إذ ليس لأحد حقٌّ في إقامة الحدود ومعاقبة المشتركين في الجريمة إلا الإمام ونائبه.
فلما وَلِي عثمان ـ رضي الله عنه ـ استشار الصحابةَ في هذه القضية الشائكة، فاختلفت آراؤهم فيها، لكن لم يعطل حَدَّ الله، ودفع عبيدَ اللهِ إلى ابن الهرمزان ليقتله بأبيه، فمكَّنه منه على مَسْمَعٍ ومرأى من جموع الصحابة، وكفلوا له حرية اتخاذ القرار، وضمنوا له تنفيذه، لكن ابنَ الهرمزانِ ـ صاحبَ الحقِّ ـ عفا عن عبيد الله، وسَعِدَ الجميعُ بذلك.. عندئذ قام عثمان ـ تدفعه سجيَّتُه في الكرم ـ بدفع الدية من ماله الخاص، فرضي الجميع. ومع هذا أشاع مثيرو الفتنة أن الخليفة عطّل حد الله!!
عجيب أمر هؤلاء المنحرفين!! إنهم يبحثون عن أي شيء يفعله الخليفة لينسجوا حوله الأكاذيب، فعندما زاد درجات المنبر وعلا فوقه حتى يسمعه ويراه الحاضرون، قالوا: علا على درجة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكي يسمع عامةُ الناس ذلك وغيرَه فيكرهوه لمخالفته للرسول ـ صلى الله عليه وسلم.
لقد كان مسجدُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضيقَ المساحة في عصر النبوة وخلافة أبي بكر، وكان من مناقب عثمان في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه اشترى من ماله مساحة من الأرض وسع بها المسجد النبوي عندما ضاق بالمصلين ، ثم وسعه أميرُ المؤمنين عمر فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب. ثم ازداد بعد ذلك عدد سكان المدينة وقاصديها فوسَّعه أميرُ المؤمنين عثمانُ مرة أخرى، وجعل طولَه ستين ومائةَ ذراعٍ وعرضَه خمسين ومائةَ ذراعِ، وجدد بناءه...
فاتساعُ المسجد، وازديادُ المصلين فيه، وبُعد أمكنة بعضِهم عن منبر الخطابة، يجوز أن يكون من ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه. فإن صح أنْ علا عثمانُ على درجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليسمعه ويراه الحاضرون.. فهل في هذا ما يُحِلُّ انتهاكَ حرمته ودمه؟!
عجيب أمر هؤلاء المنحرفين!! إنهم يبحثون عن أي شيء يفعله الخليفة لينسجوا حوله الأكاذيب، فعندما زاد درجات المنبر وعلا فوقه حتى يسمعه ويراه الحاضرون، قالوا: علا على درجة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكي يسمع عامةُ الناس ذلك وغيرَه فيكرهوه لمخالفته للرسول ـ صلى الله عليه وسلم.
لقد كان مسجدُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضيقَ المساحة في عصر النبوة وخلافة أبي بكر، وكان من مناقب عثمان في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه اشترى من ماله مساحة من الأرض وسع بها المسجد النبوي عندما ضاق بالمصلين ، ثم وسعه أميرُ المؤمنين عمر فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب. ثم ازداد بعد ذلك عدد سكان المدينة وقاصديها فوسَّعه أميرُ المؤمنين عثمانُ مرة أخرى، وجعل طولَه ستين ومائةَ ذراعٍ وعرضَه خمسين ومائةَ ذراعِ، وجدد بناءه...
فاتساعُ المسجد، وازديادُ المصلين فيه، وبُعد أمكنة بعضِهم عن منبر الخطابة، يجوز أن يكون من ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه. فإن صح أنْ علا عثمانُ على درجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليسمعه ويراه الحاضرون.. فهل في هذا ما يُحِلُّ انتهاكَ حرمته ودمه؟!
كان لابد للتغيرات الاجتماعية العميقة التي طرأت على بنية المجتمع، وظلت تعمل في صمت وقوة لا يلحظها كثير من الناس ـ كان لابد لها أن تظهر وتعلن عن نفسها وعن آثارها السلبية في المجتمع، وكان لابد لأسباب الفتنة وبواعثها التي كانت تعمل تحت السطح أن تطفو وتقفز على السطح، وقد حان الوقت للمتآمرين أن يحصدوا ما زرعوه؛ فظهرت بوادره في تمردٍ بالكوفة، وتمردٍ بالبصرة، وتمردٍ بمصرَ.
ونشط المتآمرون، فأوسعوا الأرضَ إذاعةً لإشاعات مغرضة، حتى بلغ صداها المدينةَ عاصمةَ الخلافة، فأوفَدَ الخليفةُ عثمان وفدًا يتقصَّى الحقائق، يذهب إلى الأمصار ويحقق في الأمر، ويرفع إليه بيانا عن حقيقة الوضع بها. ورجع الوفد ورفع بيانه إلى أمير المؤمنين كاشفا له زيفَ هذه الإشاعات وكذبَها وسلامةَ موقفِ ولاتِه وبراءةَ ساحتِهم.
ولم يكتف أمير المؤمنين بما قاله ونقله وفد التحقيق، بل أرسل إلى ولاته بالأمصار يدعوهم للتشاور معه وتدارس الموقف، وقد انتهى الاجتماع بتوصية عثمانَ أمراءَه بالرفق بالرعية، وإعطاءِ كلِّ ذي حق حقَّه. فكان ـ رضي الله عنه ـ يؤثر العافية والمسالمة في مواجهة زعماء الفتنة، على الرغم من علمه بما يدبرونه، فكان كثيرا ما يقول: " والله إن رَحَى الفتنةِ لدائرةٌ؛ فطوبَى لعثمان إن مات ولم يحركْها..."، فكانت هذه سياسته في مواجهة الفتنة؛ مما جعل بعض الناس يتهمونه تارةً بالضعف، وتارةً بأنه لم يكن حازما مع الثوار..
ولم يرتدعْ مثيرو الفتنة، وتمادوا في غيهم حتى نجحت فتنتُهم في بعض الأمصار، فخلعوا واليَ الكوفة، ونجح الثائرون في مصر في خلع واليهم والاستيلاءِ عليها، وجهَّزوا لزحفهم الأول على المدينة الذي تبدد أمام موقف الخليفة العظيم وحكمته.
كان لابد للتغيرات الاجتماعية العميقة التي طرأت على بنية المجتمع، وظلت تعمل في صمت وقوة لا يلحظها كثير من الناس ـ كان لابد لها أن تظهر وتعلن عن نفسها وعن آثارها السلبية في المجتمع، وكان لابد لأسباب الفتنة وبواعثها التي كانت تعمل تحت السطح أن تطفو وتقفز على السطح، وقد حان الوقت للمتآمرين أن يحصدوا ما زرعوه؛ فظهرت بوادره في تمردٍ بالكوفة، وتمردٍ بالبصرة، وتمردٍ بمصرَ.
ونشط المتآمرون، فأوسعوا الأرضَ إذاعةً لإشاعات مغرضة، حتى بلغ صداها المدينةَ عاصمةَ الخلافة، فأوفَدَ الخليفةُ عثمان وفدًا يتقصَّى الحقائق، يذهب إلى الأمصار ويحقق في الأمر، ويرفع إليه بيانا عن حقيقة الوضع بها. ورجع الوفد ورفع بيانه إلى أمير المؤمنين كاشفا له زيفَ هذه الإشاعات وكذبَها وسلامةَ موقفِ ولاتِه وبراءةَ ساحتِهم.
ولم يكتف أمير المؤمنين بما قاله ونقله وفد التحقيق، بل أرسل إلى ولاته بالأمصار يدعوهم للتشاور معه وتدارس الموقف، وقد انتهى الاجتماع بتوصية عثمانَ أمراءَه بالرفق بالرعية، وإعطاءِ كلِّ ذي حق حقَّه. فكان ـ رضي الله عنه ـ يؤثر العافية والمسالمة في مواجهة زعماء الفتنة، على الرغم من علمه بما يدبرونه، فكان كثيرا ما يقول: " والله إن رَحَى الفتنةِ لدائرةٌ؛ فطوبَى لعثمان إن مات ولم يحركْها..."، فكانت هذه سياسته في مواجهة الفتنة؛ مما جعل بعض الناس يتهمونه تارةً بالضعف، وتارةً بأنه لم يكن حازما مع الثوار..
ولم يرتدعْ مثيرو الفتنة، وتمادوا في غيهم حتى نجحت فتنتُهم في بعض الأمصار، فخلعوا واليَ الكوفة، ونجح الثائرون في مصر في خلع واليهم والاستيلاءِ عليها، وجهَّزوا لزحفهم الأول على المدينة الذي تبدد أمام موقف الخليفة العظيم وحكمته.
بدأت نُذُرُ السخط على عثمان تتجمع في العراق، وظهرت بذور الشر أول ما ظهرت في الكوفة، تلك المدينة التي أعْيَتْ من قبلُ عمرَ بنَ الخطاب، وكَثُرت اعتراضات أهلها على ولاتهم في عصره...
وغلب الشرُّ بهذه المدينةِ محاولات عثمانَ لعلاج الخللِ الاجتماعيِّ بها بتفضيل أهل السابقة والفضل وتقديمهم على من سواهم واختصاصهم بمجلسه، فكَثُر الكلام عن الوالي سعيد بن العاص والخليفةِ على ألسنة العوامِّ، أولئك البدو الذين دانوا بالإسلام حديثا، ولم يتأدبوا بمنهجه.
وظهرت بوادر الفتنة في دار الإمارة بمجلس أميرِهم سعيد بن العاص، عندما أثار بعضُهم فتنةً لأسباب واهيةٍ، مما كاد يهدد بالاقتتال بين مختلف القبائل، فأقسم سعيد ـ الذي نجح في تهدئة الأمور ـ ألا يجالسه هؤلاء السفهاءُ مرةً أخرى؛ فلما انقطع رجاؤهم من مجلس سعيد قعدوا في بيوتهم يذيعون الاتهاماتِ له ولعثمانَ، حتى لامه أهل الكوفة في أمرهم وتركِه إياهم، فاعتذر إليهم بأن الخليفة أَمَرَه ألا يحرك ساكنا في هذه الفتنة، فكتب أشراف أهل الكوفة إلى الخليفة يطلبون إخراجَ هؤلاء النفر من قادة الشغب عن الكوفة، فسيَّرهم عثمان إلى الشام وبها معاوية بن أبي سفيان. واختُلف في أمرهم بعد ذلك، فقيل: إنهم أظهروا صلاحا بعد مدة من استصلاح معاوية لهم، وقيل: بل تمادوا في غيهم وأحقادهم على قريش وما آلت إليه من عزٍّ وسؤْددٍ وغنى وثروة مما لم تنلْه قبائلُهم؛ فأعيا أمرُهم معاوية فأخرجهم من دمشق، وأوكل بهم عامله على حِمْصَ عبدَ الرحمنِ بنَ خالدٍ بنِ الوليدِ، فعنَّفهم حتى استقاموا، وأعلنوا توبتهم، وآثروا الإقامة بجواره، وكان ذلك سنة ثلاث وثلاثين للهجرة.
ظل عبد الله بن عامر واليا على البصرة كخير أمير في ولايته، يرفق بهم، ويسهر على راحتهم، ويذلل لهم الصعاب، إلى أن شكا المسلمون وأهل الذمة على السواء من حُكَيْم بن جبلة وكان لصًا خطيرًا أفسد في الأرض حتى وصلت شكواهم إلى أمير المؤمنين، فأمر عبدَ الله بن عامر بحبسه، ومن كان مثلَه فلا يخرجنَّ من البصرة حتى يُؤْنَسَ منه رشدٌ وتوبة، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها.
وبعد مضي ثلاث سنين من إمارة ابن عامر، وفي أثناء تنقل ابن سبأ بين الأمصار قدم البصرة، ونزل على هذا اللص عند قبيلته عبد القيس، واجتمع إلى ابن سبأ نفر فأخذ يبث فيهم سمومَه، ويطرح لهم أفكاره ولم يصرحْ، فقبلوا منه واستعظموه، وتبع مذهبَه قـومٌ منهم لهـم قلوبٌ لا يفقهون بهـا، وكثيرٌ ممن طاشت عقولهم…
وبلغ ابنَ عامر أن في عبد القيس رجلا نازلا على اللص المفسد حُكَيْم بن جبلة، فأرسل إليه وسأله: ما أنت؟ فأخبره أنه رجل من أهل الكتاب، رغب في الإسلام، ورغب في جوارك. فقال: ما يبلغني ذلك، اخرج عني، فخرج حتى أتى الكوفةَ، فأُخرِج منها فاستقر بمصر، وجعل يكاتبهم ويكاتبونه في البصرة والكوفة، ويتردد الرجال بينهم في كل بلد طُرِد منها ولا يستطيع دخولها.
كثير من الناس ينتظرون أن يحصدوا ثمار قرابتهم أو معرفتهم بالسلاطين والأمراء في صور مختلفة، أولها أن يضعوهم في المناصب العالية، ولو لم تكن عندهم القدرات والمواهب اللازمة لذلك، فإذا لم تتحقق آمالُهم انقلبوا أعداء شرسين لأصحاب السلطة، ليس مناصرةً للحق، ولكن حقدا وحزنا على آمالهم التي تبخرت!!
وقد كان هذا هو موقف محمد بن أبي حذيفة من أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فقد مات والدُه أبو حذيفة بن عتبة شهيدا في العام الحادي عشر من الهجرة يوم اليمامة، فحَنَا عليه عثمانُ وكفله يتيما، ورباه في كَنَفِه، وحفظ فيه ذكرى أبيه الشهيد، فلما شب محمد أطمعَه رفقُ عثمان الذي كان قد تولى الخلافة، فسأله أن يوليه بعض المناصب، لكن الخليفة الراشد لم يره أهلا لذلك، فكان أنْ أعلن محمدُ بن أبي حذيفة الحرب على عثمان، وأخذ يؤلِّب الناس في مصر ضده.
وكذا فعل محمد بن أبي بكر، ذلك الرجل الذي كان أبوه أكبرَ مَنْ خَدَمَ الإسلامَ مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسكَّن فتنة الردة، وحفظ الله به الدين في أول تجربة صعبة للمسلمين بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم.
ذهب محمد ومحمد إلى مصر ليؤلِّبا القبائلَ العربية هناك على عثمان، ولم يمنعْهما من ذلك ما كان فيه أهلُ مصر من جهاد الروم في موقعة ذات الصواري سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، فأخذا يحرِّضان الناسَ حتى أفسدا أهلَ تلك الغزوة، وعابا عثمان أشد العيب، فأرسل عبدُ الله بنُ سعد إليهما ينهاهما أشدَّ النهي، وكتب إلى عثمان بخبرهما: " إن محمدا قد أفسدَ عليَّ البلاد هو ومحمد بن أبي بكر "، فرد عليه عثمان: " أما ابن أبي بكر فإنه يوهب لأبيـه وعائشـة، وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وربيبي وهو فرخ قريش". فكتب إليه ابن سعد: "إن هذا الفرخ قد استوى ريشُه ولم يبق إلا أن يطير"!
وتواصل في مصر مع ذلك دور بعض المشبوهين من أهل الكتاب ممن انْدسُّوا في صفوف المسلمين، وربما كان على رأسهم هذا الشخصُ الغامضُ ابنُ سبأ، ونجح هؤلاء في التأثير على القبائل اليمنية التي جاءت في الجيش الفاتح لمصر. وراسل هؤلاء المشبوهون أتباعَهم ومَنْ انْخدع بهم في الكوفة والبصرة.
وفي سنة خمس وثلاثين من الهجرة كانت الشائعات حول الخليفة وولاتِه قد تردَّدت في نواحي الدولة الإسلامية، حتى وصلت إلى المدينة نفسِها، وكان المثيرون للفتنة طائفتين هما:
رجال من قبائل البدو المخدوعةِ الذين لا يقدِّرون عواقبَ الأمور، ويودُّون جَنْيَ المكاسب بإثارة الشر ضد قريش وسلطتها، ومعهم أفراد من قريش شبابٌ لا حلم لهم ولا عقل، نَقِمُوا على الخليفة عدمَ إعطائه إياهم المناصبَ الرفيعة.
والطائفة الثانية: هي مجموعة المنْدَسِّين من أهل الكتاب في الصف المسلم بقصد الشر والسوء..
والتقت أهداف الطائفتين في منتصف الطريق، وسلكوا لتحقيق أغراضهم كلَّ سبيل، حتى وضعوا كتبَ الاعتراض ضد الخليفة على ألسنة أمهات المؤمنين.
ها هو الخليفة عثمان يبذل ما في وسعه وطاقته من أجل أن يستوعب الفتنةَ، ويُخْمِدَ نارَها، قبل أن تشتعل فتحرق كل شيء، فأرسل إلى الأمصار ببعض رجالِ مُجتمعِهِ ذوي الثقة والاحترام بين الناس للتحقيق فيما يثيره أهل الأمصار ضد ولاتهم، فقد بلغتْ أنباءُ تمردِ الكوفة والبصرة ومصر أهلَ المدينةِ، فراحوا يسألون عثمان عن ذلك، فقال: "ما جاءني عن ولاتي إلا السلامة، وأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا عليَّ "، فأشاروا عليه أن يبعث رسلا من عنده للتحقق من هذه الشكاوى والمظالم المزعومة..
وبالفعل اختار الخليفةُ من أفراد هذه المهمة محمدَ بنَ مسلمةَ ـ الذي كان أمير المؤمنين عمرُ يأتمنه على محاسبة ولاته والتفتيش على الأقاليم وتقصّي أحوال الناس في كل بلد ـ وكانت وجهته الكوفة.
واختار عبدَ الله بن عمر ـ البقيةَ الصالحة من آل الخطاب، والإمامَ الفقيه الورع، الذي عرضت الإمارة عليه أكثر من مرة، ورفضها في كل مرة ـ وكانت وجهته الشام.
واختار عمارَ بن ياسر ـ المجاهدَ العظيم المبرور، بطل الأيام العصيبة في فجر الإسلام ـ ووجهته مصر.
واختار أسامةَ بنَ زيد ـ الحِبَّ ابنَ الحِبِّ، الذي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتهيأ للقاء ربه وهو يقول: " أَنْفِذُوا بَعْثَ أسامةَ " ـ وكانت وجهته البصرة.
اختار هؤلاء على رأس جماعة عَهِدَ إليهم بالسفر إلى الأقاليم والتحقق من مسلك كل والٍ وأميرٍ.
ووصل أولئك السفراء المبعوثون من الخليفة إلى الأمصار، وأخذوا يحققون في المظالم المزعومة والإشاعات بكل نزاهة وحياد، فرجعوا جميعا من مهماتهم عدا عمار بن ياسر الذي طال مُكثُه في مصر، وزعم الرواة أن أتباع ابنِ سبأ استطاعوا أن يستميلوه إليهم!!
وقدّم كل وفد تقاريره وما شهده، وما سمعه، فما كان هناك خطأ واحد يستوجب عزلَ أميرٍ!! وقالوا للخليفة: "ما أنكرنا شيئا، ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامُّهم".
تعامل عثمان مع رعيته وعماله على الأمصار تعاملَ الأبِ الرحيم مع بنيه المحببين إلى قلبه، فأراد أن يجمع الأمةَ كلَّها حوله، بل أن يضعها في حِضنه الدافئ، لذلك لما اعترضت الأمصار على ولاتها دعا الخليفةُ ولاتَه إلى اجتماعٍ لتدارُس الأمر والتشاور فيه بعد انقضاء موسم الحج سنة أربع وثلاثين من الهجرة، وحضر عمرو بن العاص للمشاورة والاستفادة من رأيه..
فاستشار الخليفة ولاته، فأشار عليه سعيدُ بن العاص بالشدة على الثائرين الذين يتأكد من تآمرهم، وأشار عليه عبـد الله بـن سعد بن أبي سرح بأن يأخذ من الناس الذي عليهم إن أعطاهم الذي لهم. وقال معاوية: إن الرأي عنده حسنُ الأدب معهم. بينما قال عمرو بن العاص: أرى أنك قد لِنْتَ لهم؛ وتراخَيْتَ عنهم، وزِدْتَهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريق صاحبيك (أبي بكر وعمر)، فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إن الشدة تنبغي لمَنْ لا يألو الناسَ شرا، واللين لمن يَخْلُفُ الناسَ بالنصح، وقد فرشتَهما جميعا اللينَ".
وانتهى الاجتماعُ بوصيةِ عثمان أمراءَه بالرفق بالرعية، حتى تسكن الأمور، وتعود الأحوال إلى طبيعتها، لكنه كان يشعر بالزحف الحثيث لفتنة قاسية تمنى لو مرّت بسلام، ولو كان هو نفسُه ضحيةً لذلك.
ثم نهض، ونهض الأمراء إلى بلادهم بعد أن أقرهم على أعمالهم، وصَحِبَه معاوية وعبدُ الله بن سعد في عودته إلى المدينة، لكن الكوفة ومصر ثارتا ضد والييهما، ودعا معاوية الخليفة ليخرج معه إلى الشام حيث القوة والمنعة، لكنه رفض ذلك.
تعامل عثمان مع رعيته وعماله على الأمصار تعاملَ الأبِ الرحيم مع بنيه المحببين إلى قلبه، فأراد أن يجمع الأمةَ كلَّها حوله، بل أن يضعها في حِضنه الدافئ، لذلك لما اعترضت الأمصار على ولاتها دعا الخليفةُ ولاتَه إلى اجتماعٍ لتدارُس الأمر والتشاور فيه بعد انقضاء موسم الحج سنة أربع وثلاثين من الهجرة، وحضر عمرو بن العاص للمشاورة والاستفادة من رأيه..
فاستشار الخليفة ولاته، فأشار عليه سعيدُ بن العاص بالشدة على الثائرين الذين يتأكد من تآمرهم، وأشار عليه عبـد الله بـن سعد بن أبي سرح بأن يأخذ من الناس الذي عليهم إن أعطاهم الذي لهم. وقال معاوية: إن الرأي عنده حسنُ الأدب معهم. بينما قال عمرو بن العاص: أرى أنك قد لِنْتَ لهم؛ وتراخَيْتَ عنهم، وزِدْتَهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريق صاحبيك (أبي بكر وعمر)، فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إن الشدة تنبغي لمَنْ لا يألو الناسَ شرا، واللين لمن يَخْلُفُ الناسَ بالنصح، وقد فرشتَهما جميعا اللينَ".
وانتهى الاجتماعُ بوصيةِ عثمان أمراءَه بالرفق بالرعية، حتى تسكن الأمور، وتعود الأحوال إلى طبيعتها، لكنه كان يشعر بالزحف الحثيث لفتنة قاسية تمنى لو مرّت بسلام، ولو كان هو نفسُه ضحيةً لذلك.
ثم نهض، ونهض الأمراء إلى بلادهم بعد أن أقرهم على أعمالهم، وصَحِبَه معاوية وعبدُ الله بن سعد في عودته إلى المدينة، لكن الكوفة ومصر ثارتا ضد والييهما، ودعا معاوية الخليفة ليخرج معه إلى الشام حيث القوة والمنعة، لكنه رفض ذلك.
لما فرغ أمير المؤمنين من اجتماعه مع وُلاته للتشاور في موسم الحج، صحبه معاوية في الطريق إلى المدينة وهو في طريقه إلى الشام.
فلما قدماها جمع عثمان كبار الصحابة، فقام معاوية وانتهز الفرصة، ناصحا لهم، قائلا: أنتم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ وخِيرَتُهُ في الأرض، وولاةُ أمر هذه الأمة، لا يطمع في ذلك أحدٌ غيرُكم، اخترتم صاحبَكم عن غير غلبة ولا طمع، وقد كَبِرتْ سنُّه، وَوَلَّى عمرُه، ولو انتظرتم به الهَرَمَ كان قريبا؛ مع أني أرجو أن يكون أكرمَ على الله أن يبلغ به ذلك، وقد فَشَتْ (أي: انتشرت) قَالَةٌ خِفْتُها عليكم، فما عتبتم فيها من شيء، فهذه يدي ولا تُطْمِعُوا الناسَ في أمركم، فوالله إنْ طمِعوا فيها لا رأيتم منها أبدا إلا إدبارًا".
فنهره عليّ بن أبي طالب، فقال عثمان: "صدقَ ابنُ أخي، وأنا أخبركم عني وعما وَلِيتُ: إن صاحِبَيَّ اللذَيْنِ كانا قبلي ظلما أنفسَهما ومَنْ كان منهما بسبيلٍ؛ احتسابًا، وإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعطي قرابته، وأنا في رهطٍ أهلِ عَيْلةٍ وقلةِ معاشٍ، فبسطت يدي في شيء من ذلك لما أقوم به فيه، ورأيت أنَّ ذلك لي؛ فإنْ رأيتم ذلك خطأً فرُدُّوه، فأمري لأمركم تَبَعٌ" فقالوا: قد أصبْتَ وأحسنْتَ.
- يا أمير المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك مَنْ لا قِبَلَ لك به، فأهلُ الشام أهلُ طاعة ونجدة..
- " أنا لا أبيع جوار رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ بشيء، وإن كان فيه قَطْعُ خَيْطِ عُنُقِي".
هكذا جرى الحوارُ بين معاوية بن أبي سفيان والخليفة الصالح عثمان بن عفان، ولعل وجهةَ النظر الأولى كانت تضمن حمايةَ الخليفةِ، لكنها كانت ستُعرّض الدولةَ لخطرِ الانشقاق، وربما أسهمت في إثبات التهم الباطلة الموجهة إلى أمير المؤمنين، والخليفةُ رجل زاهد في البقاء في الحياة، فهو يحمل فوق ظهره أكثر من ثمانين عامًا، ويدري أن الدنيا قصيرٌ أمدُها.. كما داعبَتْ خيالَه بُشرى الشهادةِ التي بشره بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوق جبلِ أُحُد..
ويبدو أن معاوية كان رجلَ هذه اللحظة من الزمن؛ حيث أضحى الناس ـ كثيرٌ منهم ـ في حاجة إلى سلطان يجمعهم بالقوة واللين معا، ويقرّبهم إليه ويحتاط منهم، ويقدم القوةَ في مواضعَ على الِّلين والرفقِ..
وأشار معاوية على الخليفة بأن يرسل إليه من جنود الشام مَنْ يَحْميه، لكن عثمان خشي أن يضيّق على أهل المدينة معايشَهم وأرزاقَهم، فأبَى ذلك أيضا..
فقال معاوية بعد أن فاض به الكيل: والله يا أمير المؤمنين، لتُغتَالَنَّ أو لتُغْزَيَنَّ!! فقال بثبات: حسبي الله ونعم الوكيل.. فمضى معاوية إلى الشام بعد أنْ أوصى بخليفته جماعةً من كبار الصحابة..
كأنهم كانوا على موعد، بل هم بكل تأكيد كانوا على موعد، أولئك هم الثائرون في مصر والكوفة والبصرة، إذْ لم يُعجِبْهم قرار الخليفة بالإبقاء على الوُلاة، فاتجهوا إلى المدينة ليعترضوا على عثمان نفسه، وفي نفوسهم ما فيها من البحث عن موضع قدم لهم ولأقوامهم، ومزاحمة قريش ورجالها في الحكم والسلطان..
وجاءوا الحجاز في رجب من سنة خمس وثلاثين من الهجرة يُظهرون أنهم يريدون العمرةَ، وفي نيتهم مناظرةُ الخليفة ومناقشتُه لإثبات خَطَئِهِ ومجاوزته الحقَّ والصوابَ، وبالرغم من أن الخليفة يَدري أن هذه ليست هي الوجوه التي تأتي بخير، فإنه أذن لهم في الحوار معه ومناقشةِ ما عندهم، وأبدى رأيَه أمام جموع الصحابة وسكانِ أهل المدينة، وأقنعهم في جوٍّ من الحرية، ورد على كل شُبهاتهم. وبالرغم من طلبِ جماعةٍ من الصحابة معاقبةَ هؤلاء المتمردين وتأديبَهم، فإن الخليفة صَفَحَ عنهم، فرجعوا إلى بلادهم.
وأمام موقفه هذا، تبددت الموجة الأولى من الهجوم على المدينة، ولكن كان هذا الزحفُ الأولُ على عاصمة الخلافة نذيرًا بزحف آخر، وعاصفةٍ أشدَّ، تسرق من المسلمين الاستقرار والطمأنينةَ الاجتماعية العميقة التي حققها الإسلام لهم، وبادرةً لأعاصير أخرى مدمرة زاحفة.
واقتنع الخليفة من هذه التجربة بأنه لم يَعُدْ من حقه أن يتنازل عن ذرةٍ من هيبة الدولة وسلطانها، ومهما يكن هناك من مآخذ؛ فإن إقرار هذا السلطان هو الواجب الأول والأهم أمام الفوضى الجارفة، التي لم تتمثل في التهجم على شخصِ الخليفة، ومجابهته بقبيح القولِ وفاحشِ السِّبابِ فحسْب، بل تمثلت في تهديد الدولة بقوة السلاح..‍‍‍‍!!
وعندها تزدحم تمامًا صور الثبات الباهر للخليفة، وناهيك عن مواقفه العظيمة!!
ومع أن صوتَ الفتنة كاد أن يخمد أو يهدأ كثيرًا بعد لقاء الخليفة مع الثائرين، إلا أنهم اتفقوا على أن يعودوا إلى المدينة مع الحجاج في شوال من سنة 35 هـ؛ فعادوا لا ليناقشوا عثمانَ ولكن لحصارِه والاعتداءِ عليه وتَنْحِيَتِهِ..

ــــــــــــــ


10- حصار الخليفة عثمان رضي الله عنه واستشهاده

وتمضي الأحداثُ مسرعةً، لا ترحم الناسَ ولو بقليل من البطء؛ فلم تمض ثلاثة أشهر على رجوع الثائرين من المدينة، حتى أعد المنْدَسُّون وسط الصفوف وأصحابُ الأيادي المشبوهة ـ للعودة.
وفي شهر شوال سنة خمس وثلاثين كانت عودتُهم في صفة الحجيج، حتى تلاقى حول المدينة الثُوَّارُ من الأمصار، وعسكروا خارجها، فلما سمع أهلُ المدينة بذلك لم يأذنوا لهم بدخولها، وعسكر الصحابة ليمنعوهم من ذلك، في محاولة لمنع انتشار الحريق، وأرسل كبارُهم أولادَهم ليكونوا قريبين من الخليفة.. فخرجت وفود من الثوار المنحرفين ليكلموا كبار الصحابة في دخول المدينة، فرفضوا جميعًا دخولَهم وزجروهم؛ فلما يَئِسُوا من دخولِها تظاهروا بالانصراف عنها وأنهم راجعون إلى بلدانهم، وبدأوا في الرحيل حتى اطمأن أهل المدينة فانصرفت جموعُهم، وسار الثوار أيامًا راجعين ثم كرّوا عائدين إلى المدينة، ودخلوها على حين غفلةٍ من أهلها، وحاصروا دار عثمان، وسألوا الخليفة عن أمر الكتاب المزعوم، الذي برع ابنُ سبأ وأتباعُه في تَلْفِيقِه، واتهموا الخليفة بأنه أرسله إلى والي مصر يأمر فيه بقتلهم. وبالرغم من أنه تبرأ من ذلك، فإنهم أصروا على المواجهة.
وبدأ الحصار وعثمان يخرج من داره فيصلي بالناس، ويصلون هم وراءَه، ويَغْشَى مَنْ يشاء وهم في عينِه أَدَقُّ من التراب، وظل يصلي بالناس ثلاثين يوما حتى شددوا عليه الحصار ومنعوه من الصلاة في المسجد، وتجرءوا عليه حتى ضربوه بالحَصَى، فأغمي عليه ـ كل هذا ولم يطلب عثمان النجدة من الأمصار، ولم يعمل باقتراحات الصحابة لاستنقاذه من أيدي الثائرين، بل طالب الناسَ بكفِّ أيديهم، ووطَّد نفسَه على الصبر والمحافظة على كرامة الدولة ومبادئ الحكم في الإسلام. ولم يُقَصِّرْ في بذل أيِّ جهدٍ لإقناع هؤلاء المتمردين بإلقاء سلاحهم، فكان لا يَمَلُّ من محاورتِهم لعلهم يتخلَّوْن عن غَيِّهم، ويعودوا إلى رشدهم، لكن الأحداث تصاعدت حتى وقعت الخطيئةُ الكبرى، ونشبت الأنياب الغادرة في جسد الخليفة الشهيد، وقتلوه مظلوما ـ رضي الله عنه.
حرص الثوار على التفريق بين الخليفة وبين أهل المدينة، لينفردوا به وينفّذوا ما يشاءون من مخططاتهم دون اعتراض، فلما ضربوا أمير المؤمنين عثمان بالحَصَى، وشُجَّ رأسُه وهو على المنبر، وسقط مغشيًا عليه، واحتُمِلَ إلى داره ـ تفاقم الأمر وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، وألجأُوه إلى داره، وضيَّقوا عليه، وأحاطوا بداره محاصِرين له، ولزم كثيرٌ من الصحابة بيوتَهم، خاصة عندما منع البُغاةُ أميرَ المؤمنين من الصلاة، فصلى بالناس أميرُهم الغافقيُّ الذي دان له المنحرفون المصريون والكوفيون والبصريون بعد ثلاثين يوما من بَدْءِ الحصار..
عندئذ تفرق أهل المدينة في مزارعهم، ولزموا بيوتهم، فكان لا يخرج أحد ولا يجلس إلا وعليه سيفُه يمتنع به من القوم، وكانت مدةُ الحصار أربعين يوما، وفيهن كان قَتْلُ البغاة لعثمان، ومَنْ تعرض لهم أَعْمَلُوا فيه السلاحَ، وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يَكُفُّون أهلَ المدينة ويمنعونهم أن يجتمعوا.
وكانت طائفة من أبناء الصحابة قد سارت إلي أمير المؤمنين عن أمر آبائهم، منهم: الحسن والحسين ابنا الإمام علي، وعبد الله بن الزبير ـ وكان أميرَ الدارِ ـ وعبدُ الله بنُ عمر، وغيرهم، وصاروا يُحَاجُّون عنه ويناضلون دونَه، يمنعون أن يصل إليه أحد منهم. واعتزل الآخرون رجاء أن يجيب عثمانُ أولئك الثوارَ إلى واحدةٍ من مطالبهم، ولم يقعْ في خاطر أحد أنَّ قَتْلَ الخليفة كان في نية الخارجين.
لم يكن يَخفى على الخليفة عثمان أن الحوار مع المعترضين واحدٌ من أهم الأساليب التي تكشف الحقائق، وتزيل أسباب الخلاف، لذا كان لا يغلق باب الكلام بينه وبين مَنْ يَعترض عليه حتى يجلِّي له الحقائق؛ فاستدعى الأشْتَرَ النَّخَعيَّ ممثلا عن الثوار، فقال له: يا أَشْتَر، ماذا يريد الناس منِّي؟ قال: ثلاثا ليس من إحداهن بُدٌّ؛ قال: ما هي؟ قال: يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرَهم، فتقول: هذا أمرُكم فاختاروا له مَنْ شئتم، وبين أنْ تَفتديَ مِنْ نفسك مَنْ قد ضربتَه أو جلدتَه أو حبستَه، فإن أبَيْتَ هاتَيْن فإن القومَ قاتِلُوك.
فقال له: لا والله لأَنْ أُقدَّم فتُضْرَبَ عنقي أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أَخْلَعَ قميصا قمَّصنيه اللهُ، وأتركَ أمةَ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَعْدُو بعضُها على بعض، ويولِّي السفهاءُ مِن الناسِ مَنْ يختارونه هم، فيقع الهَرْجُ (أي: القتل وفساد الأحوال واختلالها)، ويفسد الأمر.
"وأمَّا أنْ أُقِصَّ من نفسي، فوالله لقد علمتُ أن صاحِبَيَّ بين يديَّ (أبا بكر وعمر) قد كانا يعاقبان، وما يقوم بدني بالقصاص ( لضعفه وكبر سنه).
ثم قال: "وأما أنْ تقتلوني؛ فوالله لئن قتلتموني لاتتحابُّون بعدي أبدًا، ولا تُصَلُّون جميعًا بعدي أبدًا، ولا تقاتِلون بعدي عدوًا جميعًا أبدًا.
وطلبوا منه أن يعزل نوابَه عن الأمصار ويولِّي عليها مَنْ يريدون هم ـ وإن لم يعزلْ نفسَه ـ وأن يسلِّم لهم مروانَ بن الحكم ليعاقبوه، وقد اتهموا مروان بأنه هو الذي زوَّر على عثمانَ الكتابَ المزعومَ إلى مصر. فخشِيَ عثمان أن يسلِّم إليهم مروان فيقتلوه، فيكون سببا في قتل امرئ مسلم، وما فعل شيئا يستحق بسببه القتلَ.
وأما تولية مَنْ يريدونه هم على الأمصار، فعاقِبَةُ ذلك أنْ يولِّي السفهاءُ من الناس مَنْ يختارونه هم، فيقع الهَرْجُ ويفسد الأمر بسبب ذلك.
وقال لهم فيما قال: "وأي شيء إليَّ من الأمر إنْ كنتُ كلما كرهتم أميرًا عزلتُه، وكلما رضيتم عنه ولَّيْتُه.."؟!
فقام الأشترُ من عنده، وانطلق بردود عثمان إلى أصحابه من قادة الفتنة، وما هي إلا أيام حتى جاءوا لتنفيذ جريمتهم المشئومة.
وكان الخليفة قد استوثق من صحة موقفه من أحد أجلاء الصحابة، وهو عبد الله بن عمر الذي قال للخليفة: "لا تخلع قميصَ اللهِ عنك، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتَهم خلعوه أو قتلوه".
لم يستسلم عثمان لمطالب الثوار، ولم يسلّم لهم مصاير الإسلام، وأَبَى إلا أن يحفظ كرامة الدولة ومبادئ الحكم في الإسلام .
وطَّنَ أمير المؤمنين عثمان نفسَه على التضحية، وذلك هو ما يتفق مع طبيعة الأحداث، فلم يكن الثائرون على عثمان ممثِّلين للأمة لتجب عليه طاعتُهم وخَلْعُ نفسِه من الخلافة، ولم يكن زعماؤهم من السابقين إلى الإسلام، أو أهل الحَلّ والعَقْدِ الذين لهم حق الخلع والتأمير، بل كانوا جماعاتٍ من رجال القبائل الذين أنكروا تفضيلَ قريش عليهم في الحكم والعطاء، ومن المخدوعين بالدعاية السَّبَئِيّة النشطة التي تبغي الكيد للإسلام من وراء ستار، وتستهدف مسيرتَه في الفتح والجهاد..
وكان زعماؤهم رجالا لم يحسنوا فقه الإسلام في التغيير، أو ممن غاظهم بعضُ اجتهاداتِ عثمانَ أو أحكامه ضد بعض رجال عشائرهم ممن أقام عليهم الحدود الشرعية، ومَنْ أوى إلى هؤلاء وأولئك من الأعراب واللصوص وطلاب الدنيا الذين لا تتحقق أهدافهم في أجواء الاستقرار والأمن.
ولا يستقيم نظامٌ لجماعة ولا لدولة إذا كانت كلما أراد فريق من أبنائها تغيير أمير ثاروا عليه فخلعوه أو قتلوه..
وللإسلام منهجه في تغيير الأمير إذا كان جائرًا، فيتحتّم توافر الرغبة العامة من أولي النُّهَى وأهلِ الحل والعقد في هذا التغيير، ووجودُ القوة القادرة عليه، مع ضرورة ألا يؤدي ذلك إلى إحداث منكر أكبر منه وأشد خطرًا، مثلما حدث في هذه الفتنة الهوجاء.
كان الصحابة من المهاجرين والأنصار ـ رضي الله عنهم ـ يرون أنهم شركاء للخليفة في المسئولية وحماية المجتمع من الشرور والفتن، لذا شاركوا في محاولات تهدئة الأمور، وإبطال أصوات الاحتجاج الباطلة ضد الخليفة، وبذلوا في ذلك جهدا مضنيا، وتحملوا مع خليفتهم فوق طاقتهم.
وكانت الرياح التي يثيرها المتمردون من كل جانب تتحدى زورق الصحابة المستبسل، وتعصف بمحاولاتهم النبيلة.. بَيْد أنهم لم ييأسوا، وظلوا يغالبون العاصفة، ويُهدِّئون بحوارهم المقْنِع عالِيَ صوتِها، ولكن الفتنة كانت قد جاوزت كل الحدود، واستحكمت من قلوبٍ مريضةٍ وعقولٍ معطَّلةٍ، فلم يعد للحكمة ولا للإقناع مكان.
لقد شدد المتمردون حصارهم القاسي حول دار الخليفة؛ فمنعوا عنه زوارَه ومنعوا عنه الماء الذي تتفجر به "بئر رَومة" التي اشتراها ـ رضي الله عنه ـ من خالص ماله في أوائل أيام الهجرة إلى المدينة، وجعلها هدية منه للمسلمين!!
في ظل هذه الغيوم الكثيفة، والخطر المُحْدق بالخليفة، لم يتخلَّ الصحابة عن تقديم العون لخليفتهم، وشاركوه المحنة، وعرضوا عليه حلولاً واقتراحاتٍ لتجنيب الأمة هذا الخطر المحدق بها، فتقدم المغيرة بن شعبة إلى عثمان بهذا الرأي: "يا أمير المؤمنين، لقد نزل بك ما ترى.. وإني أشير عليك بثلاث، اخترْ إحداهن: إما أن تخرج فنقاتلهم، فإن معك قوة وعددا، وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن نفتح لك من خلف الدار بابا تخرج منه في غفلة منهم حيث تَحملك رواحلُك إلى مكةَ، فإنهم لن يستحلُّوا دمَك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام: فإنهم أهلُ الشامِ، وفيهم معاوية"..
وتزداد شدة الحصار، ويكاد المتآمرون يفعلون جريمتَهم النكراء، فيشير عبد الله بن الزبير بمثل ما أشار به المغيرة بن شعبة؛ والعجيب أن إجابة أمير المؤمنين تكاد تكون متماثلة في كلا الموقفين، ونلمح فيها ضمير المهاجر إلى الله وخلقَه وتصميمَه، ولا نلمح فيها مناورةً ولا حرصًا على الحياة، إذْ قال ـ رضي الله عنه ـ للمغيرة: ".. أما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلُّوني بها؛ فإني سمعت رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: يُلْحِدُ رجلٌ من قريش بمكة يكون عليه نصفُ عذابِ العالمِ، فلن أكونَ أنا إيّاه".
وأما الخروج إلى الشام، فقال: ".. لا والله، لن أفارق دارَ هجرتي ومجاورةَ رسول الله ما حَيِيتُ...".
وقال: "إني أستحْيِي أن أخرج من بينهم خائفا فيراني أهل الشام، وتسمع الأعداء من الكفار ذلك..".
وأما الخروج لقتالهم فقال: "والله لن أكون أولَ مَنْ يَخْلُف رسولَ الله في أمته بسفك الدماء..!! فإني أرجـو أنْ ألقَى اللهَ وليس يُراق بسببي مِحْجَمَةٌ (قدر قليل) من دَمٍ..!!
أيُّ ورعٍ، وأي جلالٍ هذا..؟؟ خليفة تتأجج من حوله الفتن، وتُحاك له المؤامرات، وهو لا يريد مهما تكن العواقبُ أن يواجه هذا التمردَ بقوة السيف، مكتفيا بالزجر والتهديد.. ومع مَنْ؟؟ مع أناس يهاجمونه بألسنة حِدادٍ، ويُحرّضون على خلعه وقتله!.. رجلٌ يحيط به بغاةٌ مسلحون يريدون رأسه، وأمامه فرص النجاة والخلاص، ثم يرفضُها جميعا؛ لأنها ستنال من هيبة الدولة ومكانتها، وستنال أيضا من كرامة هجرتِه وثوابها.. ؟؟!!
وفي أية سِنٍّ كان وهو يحملُ هذا الولاء الفَتِيَّ الشابَّ للهجرة ولِحَقِّها، ويرفعُ هذا اللواء للدفاع عن مكانة الدولة وهيبتها..؟! في سن تجاوزت الثمانين..!! إنه يرفض أيَّ نقص شكلي أو موضوعي للدولة وسلطانها ومبادئها، أو للهجرة وحقها ولو كان ثمن الرفض حياته..!!
وصل إلى مسامع البُغاة تحركُ جيوش الأمصار لنجدة الخليفة، فأصروا على حَصْرِهِ والتضييق عليه، حتى منعوا عنه الطعام والماء، بل والصلاةَ في المسجد، وتهددوه بالقتل، ولهذا ذكّرهم بتوسعتِه للمسجد النبوي من ماله ـ وهو أول من مُنِعَ من الصلاة فيه ـ وأنه وَقَفَ بئرَ رومة على المسلمين ـ ومُنِع الشُّربَ من مائها ـ وذَكَرَ لهم سابقتَه في الإسلام وأعمالَه مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ علَّ كلماتِه تنجح في كفِّهم عنه وردِّهم إلى الطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منهم. ولكنهم لجُّوا في طغيانهم يَعْمَهُون، وأبَوْا إلا الباطل والبقاء على ما هم عليه من البغْيِ والعدوان، ومضوا يلتمسون العلل التي يحتجُّون بها لتبرير قتله.
ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده، حتى اشتد عليه الحال، وضاق المجال، ونَفِدَ ما عنده من الماء، فاستغاث بالمسلمين في ذلك، فكان أسرعَهم نجدةً له عليُّ بن أبي طالب وأم حبيبة بنت أبي سفيان زوجُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي بادرت بنجدته، فنالها منهم شدةٌ عظيمة، ولم يبق لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في خُفْيَةٍ ليلاً.
ولَمَّا وقع هذا أعْظَمَه الناسُ جدًا، ولزِم أكثرُهم بيوتَهم، وجاء وقت الحج فخرجت السيدة عائشة لتبتعد عن جحيم الثائرين وحماقتهم، وأشرف عثمانُ على الناس محاوِلا أنْ يَصرف عنه مَنْ يريد القتال؛ كي لا يراق دَمٌ بسببه، ساعيا للنهوض بحق الأمة وهو محصور؛ فوَلَّى ابنَ عباس إمارة الحج، وأقسم عليه، فخرج بالناس إلى الحج، ورمى عثمانُ إلى الزبير بوصيته، وجمع أهلَ المدينة وودَّعهم، ولم يَدُرْ بِخَلَدِ أحد أن الثوار مُقْدِمون على قتل الخليفة.
لما اشتد الحصار على عثمان ـ رضي الله عنه ـ ورأى الصحابةُ بالمدينة ما آلَ إليه الأمرُ، هَبُّوا لنجدة خليفتِهم، لكن عثمانَ الرحيمَ كان أمرُه عجبًا، يمنع الصحابة من الدفاع عنه، ويرفض النجاةَ من سيوف قاتِلِيه، إذا كان ثمنُ هذه النجاة قطراتِ دمٍ تُرَاقُ من مسلم بريء..!!
يدخل عليه عليّ، متقلِّدًا سيفَه للدفاع عنه ويستأذنه في قتالهم.
ويرسل إليه الزبيرُ والأنصارُ في الإذن لهم بالدفاعِ عنه والقتالِ دونه.
ويبعث كبارُ الصحابة بأبنائهم ليدافعوا عنه ولِيَبْقَوْا في داره يَحْمُونَه.
ويأتي أبو هريرة شاهرًا سلاحَه في اهْتِيَاجٍ شديدٍ، ويُحمِّسُ الناسَ للقتال وللدفاع عنه..
فإذا بعثمان يَصيح في الصحابة الذين تجمّعوا حول دارِه ليواجهوا الثوار بالسلاح قائلا: "إن أعظمَكم عنِّي غناءً، رجلٌ كَفَّ يدَه وسلاحَه..!! "
وحين يَعلم أن عُصْبَةً من شباب المسلمين على رأسهم الحسنُ والحسينُ وابنُ عمر وعبدُ الله بن الزبير ومروان بن الحكم، ما زالوا عند داره قد أخذوا مكانَهم لحِراستِه، وشهروا سلاحَهم ـ يتفطَّر قلبُه أسى، ويدعوهم ويتوسل إليهم قائلاً: أناشِدُكم اللهَ، أسألُكُم بِهِ، ألا يُرَاقَ بسببي مِحْجَمُ دَمٍ..!!!
أحس عثمان ـ رضي الله عنه ـ بقرب أجله، وتيقن مِن تَحَقُّقِ موعودِ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ باستشهاده بين لحظة وأخرى، وهو يَرْقُبُ حضورَ هذا الأجلِ ولا يَرهَبُه؛ لذا أسرع ورمَى من فوق الدار بوصيته إلى أخيه الزبيرِ بن العوام، وكان مكتوبا فيها:
"هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم، عثمانُ بنُ عفانَ يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النَّارَ حقٌّ، وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القبور ليومٍ لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، عليْها يَحْيَا وعليْها يَموتُ وعليْها يُبْعَثُ إنْ شاء الله تعالى".
وجمع عثمانُ الناسَ لمَّا رأى تشديد المتآمرين الحصار عليه، وتيقن من دنُوِّ أجلِه، وعزم على المسلمين أنْ يَنصرفوا فلا يقاتلوا عنه، وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع على البغاة بسلطان الله، فقال: اخرُجُوا ـ رَحِمَكُم اللهُ ـ فكُونوا بالباب..
وأرسلَ إلى طلحةَ والزبير وعليّ وعِدَّةِ رجال من الصحابة أن يقتربوا منه، فلما اجتمعوا أشْرَفَ عليهم مِن الدار، وقال: "يا أيها الناس، اجْلِسوا، فجَلَسوا جميعا؛ أهلُ المدينة والطارئون عليها.. فقال: "يا أهل المدينة، إني أستودعُكم اللهَ، وأسألُه أن يُحسِنَ عليكم الخلافةَ من بعدي، وإنِّي والله لا أَدخل على أحدٍ بعد يومي هذا حتى يَقضيَ اللهُ فِيَّ قضاءَه؛ ولأَدَعَنَّ هؤلاء وما وراء بابي غيرَ مُعطِيهم شيئًا يتخذونه عليكم دَخَلاً في دين الله أو دنيا حتى يكون اللهُ ـ عز وجل ـ الصانعَ في ذلك ما أَحَبَّ ..".
وأَمَرَ أهلَ المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم، فرجعوا إلا الحسن بن علي، ومحمد بن طلحة، وعبد الله بن الزبير، وجماعة أمثالهم من أبناء الصحابة، فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم، وعاد إليهم ناسٌ كثيرٌ، ولَزِمَ عثمانُ الدارَ.
أحس عثمان ـ رضي الله عنه ـ بقرب أجله، وتيقن مِن تَحَقُّقِ موعودِ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ باستشهاده بين لحظة وأخرى، وهو يَرْقُبُ حضورَ هذا الأجلِ ولا يَرهَبُه؛ لذا أسرع ورمَى من فوق الدار بوصيته إلى أخيه الزبيرِ بن العوام، وكان مكتوبا فيها:
"هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم، عثمانُ بنُ عفانَ يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النَّارَ حقٌّ، وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القبور ليومٍ لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، عليْها يَحْيَا وعليْها يَموتُ وعليْها يُبْعَثُ إنْ شاء الله تعالى".
وجمع عثمانُ الناسَ لمَّا رأى تشديد المتآمرين الحصار عليه، وتيقن من دنُوِّ أجلِه، وعزم على المسلمين أنْ يَنصرفوا فلا يقاتلوا عنه، وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع على البغاة بسلطان الله، فقال: اخرُجُوا ـ رَحِمَكُم اللهُ ـ فكُونوا بالباب..
وأرسلَ إلى طلحةَ والزبير وعليّ وعِدَّةِ رجال من الصحابة أن يقتربوا منه، فلما اجتمعوا أشْرَفَ عليهم مِن الدار، وقال: "يا أيها الناس، اجْلِسوا، فجَلَسوا جميعا؛ أهلُ المدينة والطارئون عليها.. فقال: "يا أهل المدينة، إني أستودعُكم اللهَ، وأسألُه أن يُحسِنَ عليكم الخلافةَ من بعدي، وإنِّي والله لا أَدخل على أحدٍ بعد يومي هذا حتى يَقضيَ اللهُ فِيَّ قضاءَه؛ ولأَدَعَنَّ هؤلاء وما وراء بابي غيرَ مُعطِيهم شيئًا يتخذونه عليكم دَخَلاً في دين الله أو دنيا حتى يكون اللهُ ـ عز وجل ـ الصانعَ في ذلك ما أَحَبَّ ..".
وأَمَرَ أهلَ المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم، فرجعوا إلا الحسن بن علي، ومحمد بن طلحة، وعبد الله بن الزبير، وجماعة أمثالهم من أبناء الصحابة، فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم، وعاد إليهم ناسٌ كثيرٌ، ولَزِمَ عثمانُ الدارَ.
بعضُ الناس مرضَى النفوس يَفتحون أبواب الفتن على الخَلْقِ، ويموتون وتبقى الفتنُ يَصْلَى عبادُ اللهِ لهيبَها المُحرِقَ؛ وقد نَجِدُ هؤلاء المرضَى يُطوِّحون بسيوف التخويف في وجوه المسالمين في المواقف الحرجة، ظانِّينَ أنَّ ما يفعلونه بطولةٌ لا نظير لها، مع أنهم بذلك يفتحون أبوابا من الجحيم على أنفسهم وعلى الخلق، ويبوءون بإثمهم وآثام الخلق، مَثَلُهم في ذلك كَمَثَلِ الأشْقَى الذي حَمَلَ على ناقة النبي الكريم صالح ـ عليه السلام ـ حتى قتلها، فأهلكه الله هو ومَنْ كفر معه.
وقد نال المكانة البارزة في دنيا الأشقياء هؤلاء الذين امتدَّتْ أيديهم إلى الخليفة الراشد عثمانَ بن عفان ـ رضي الله عنه ـ فقتلوه؛ إذْ أضاعوا على الأمة خيرا كثيرا كانت تَجْنِيهِ في ظلال الخلافة الراشدة، وأوقعوا الشر في صفوفها بسبب هذا الدم الحرام الذي سفكوه..
لقد دخلوا عليه الدار جماعةً، وتمالأوا عليه؛ فمِنْهم مَنْ يضربه بنَصْل سيفِه، ومنهم مَنْ يلكزُه، وجاءه رجلٌ بمشاقِص (نصل عريض، أو سهم يُرمى به الوحش عند الصيد)، فضربه في تَرْقُوَتِه، فسالَ الدَّمُ على المصحف، وهُمْ في ذلك يهابون قَتْلَه. وكان عثمان ـ رضي الله عنه ـ شيخا كبيرًا، فغُشِيَ عليه.
ودخـل آخرون، فلما رأوه مَغْشِيًّا عليه جَـرُّوا بِرِجْلِه، فصاحتْ زوجته نائلةُ، وبناتُه، وجاء كِنانةُ بنُ بِشْرٍ التُّجِيبِيُّ مخترطا سيفَه ليضعَه في بطنه، ففادتْه نائلةُ، فقطَع يدَها، واتَّكأ بالسيف على صدر الخليفة الشهيد.
وقيل: إن كِنانةَ بن بشر ضَرَبَ جبينَه ومُقَدَّمَ رأسِه بعمود حديد، فخَرَّ لجَنْبَيْهِ، فضربَه سُودانُ بنُ حُمرانَ بعدما خَرَّ لجَنْبِه فقتـلَه. وأما عمرو بن الحَمِق فوَثَبَ على عثمانَ فجلسَ على صدره، وبه رَمَقٌ، فطعنَه تسعَ طعناتٍ.

ــــــــــــــ


11- الفتنة في عهد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه

بعد مقتل عثمان ـ رضي الله عنه ـ استقبل المسلمون أمرًا له وَجْهٌ وله ألوانٌ، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول..
فما زالوا بعليٍّ ـ رضي الله عنه ـ يَعْرِضُون عليه الخلافةَ حتى قَبِلَهَا، فتمَّت البيعةُ في ظل ظروف صعبة وحرجة في تاريخ الأمة الوليدة.
وهكذا حمل الإمام عليٌّ الحِملَ الكبيرَ ـ منصبَ الخلافةِ ـ فجاءتْه الخلافةُ مُثْخَنَةً بالجِراح، مثقلةً بالمتاعب؛ إذْ واجه المشكلاتِ منذ ولِيَهَا، خاصة بسبب رأيه في قسمة العطاء، وتأجيل القِصاص من قَتَلَةِ الخليفة، وعزله عُمَّالَ عثمان.
كل هذا سبَّبَ له المتاعب والمشاقَّ الجسامَ، فتحمَّلها في جَلَدِ الصابرين، وتعامل معها بضميرٍ بلغ الكمال في استقامته وتقواه؛ فأتت الأحداث والأهوال عاصفةً، بدءًا بموقِعَةِ الجَمَلِ، ومرورًا بحرب صِفِّين، وظهور الخوارج، وتغيُّرِ أوضاعِ خلافتِه بعد النهروان، وعصيان أهل الكوفة له وانتهاءً بمقتله ـ رضي الله عنه.
كل هذه الأحداث كافيةٌ أنْ تقتلع الجبال، لكن الإمام عليًا أَبَى أن يَحيد عن الحق برغم الأهوال، أبَى أن يتبع الهوى؛ ولْتَبْذُلِ الدنيا له كلَّ زينتها وبهجتها وإغرائها، فإنه لن يربط بها أملا ولا رجاءً؛ فإن طول الأمل يُنسي الآخرة.
ولقد أحاطت به العواصف والأعاصير لكي تُزِيغَه في ظلامها عن الطريق، أو تُفْقِدَه بعضَ رشدِه، أو تَشْغَلَه عن غاياته ومبادئه.. فما زاغ عن الطريق.. ولا فَقَدَ الرُّشْدَ.. ولا سَئِمَ صحبةَ مبادئِه.. وحين أدركه الموت وجده عملاقًا يحمل رايتَه..!!
تمت بيعة عليّ بن أبي طالب في ظل ظروف صعبة، إذْ كان الصحابة عند مقتل عثمان متفرقين في الأمصار، فلم يشهدوا البيعةَ، والذين شهدوا؛ فمنهم مَنْ بايَعَ، ومنهم مَنْ توقف حتى يجتمع الناسُ ويتفقوا على إمام، كسعد بن أبي وقاصٍ وسعيدِ بن زيد وعبـد الله بن عمر وأسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن سلام وأبي سعيد الخدري وكعب بن مالك والنعمان بن بشير وحسان بن ثابت ومَسْلَمَة بن مُخَلَّد، وأمثالِهم من أكابر الصحابة..
والذين كانوا في الأمصار عَدَلُوا عن بيعته أيضا إلى الطلب بدم عثمان، وتركوا الأمر حتى يكون شورى بين الناس لمن يولُّونه، وظنوا بعليّ سكوتا عن نُصرة عثمان من قاتِلِيه..
ثم اختلفوا في مواقفِهم بعد ذلك؛ فرأى عليٌّ أن بيعتَه قد انعقدتْ ولَزِمتْ مَنْ تأخر عنها باجتماع مَن اجتمع عليها بالمدينةِ؛ دارِ النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وموطنِ الصحابةِ، وأرْجَأَ الأمر في المطالبة بدم عثمانَ إلى اجتماع الكلمة واتفاقها، ليتمكن حينئذ من ذلك.
ورأى آخرون أن بيعته لم تنعقدْ؛ لافتراق الصحابة أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ بالآفاق، فلم يحضر البيعة إلا قليل، وهي لا تكون إلا بعلم واتفاق أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ، ولا تلزم بعقْدِ مَنْ تولاها من غيرهم، أو من القليل منهم.. وذهب إلى هذا معاوية وعمرو بن العاص وأمُّ المؤمنين عائشةُ والزبير وابنه عبد الله وطلحة وابنه محمد وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والنعمان بن بشير..
إلا أن أهل العصر الثاني مِنْ بعدِهم اتفقوا على انعقاد بيعة عليّ ولزومها للمسلمين أجمعين وتصويبِ رأيِه.. مع دفْعِ التأثيم عن كلٍّ من الفريقين.
المناصب عند بعض الناس غنيمةٌ، وعند بعضهم الآخـر حِمْلٌ ثقيل.. أمـا عنـد علي بن أبي طالب فقد كانت ـ في الظروف التي تولى فيها ـ أكثرَ من حِمْلٍ ثقيل، فالخليفة الشهيد عثمانُ لم تجف دماؤه بعدُ، والناس ـ وعلى رأسهم كثير من الصحابة ـ يَستعجلون قتل الْقَتَلَةِ.. والحزنُ يجتاح النفوسَ على عثمان اجْتِياحًا..
وقد سعى قَتَلَةُ عثمان في إتمام البيعة لعلي، ليُوقِعوا الخلافَ بين الصحابة، فنجحوا في ذلك، إذْ نَفِرَ جماعة من كبار الصحابة من البيعة لعليّ، لا غضًا من شأنه، ولكن تَخَوُّفًا من الدخول تحت سيطرة هذه العصابة دخولاً يتعذَّر الخروجُ منه. ومن هؤلاء الصحابة من المهاجرين والأنصار: عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقَّاص وصهيب بن سنـان الرومي وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وسلمة بن سلامة بن وقْش وأسامة بن زيد وعبد الله بن سلام والمغيرة بن شعبة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك ومَسْلَمة بن مُخَـلَّد وأبو سعيد الخدري والنعمان بن بشير ورافع بن خُدَيج وفُضالة بن عبيد، ناهيـك عمن فَرَّ مِنْ بني أميَّة بعد سيطرة الثُّـوار على المدينـة وقَتْلِ عثمـان، مثـل مروان بن الحكم والوليد بن عقبة وسعيد بن العاص وآخرين.
ولما عَظُمَتْ الفتنةُ وكان القتال بين عليّ وبين أصحاب الجمل، وبينه وبين أهل الشام تخلف عن الحرب كثيرٌ من المهاجرين والأنصار، وجمهورٌ من الصحابة لَزِمُوا بيوتهم.
كان أبو بكر الصدّيق يسوي بين الناس في تقسيم المال؛ الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير، فلما كلَّمه الناس ليفضِّل أصحابَ بدر، قال لهم: فضائلُهم عند الله، وأما هذا المعاش فالسويّة فيه خير من الأَثَرَةِ. فعمل بهذا طوال ولايته.
ولما ولي عمر فضَّل المهاجرين والأنصارَ في تدوين الدواوين وتقسيم العطاء. وسار عثمان من بعده على هذا النهج..
أما عليّ فقد أعاد في خلافته طريقةَ أبي بكر في تقسيم العطاء، فأعطى جميعَ الصحابة والمسلمين بالسويّة دون تفريقٍ بين مَنْ سَبَقَ إلى الإسلام، ومَنْ جاء متأخرا، وقسم ما في بيت المال على الناس، ولم يُفَضِّلْ أحدًا على أحد، وكان لا يدع في بيت المال شيئا يبيت به حتى يقسمه، وكان يكنس بيت المال بعد ذلك بيده، ثم يصلي فيه ركعاتٍ رجاءَ أن يشهد له يوم القيامة أنه لم يحبس فيه مالاً عن المسلمين.
لقد رأى ـ رضي الله عنه ـ أن التفاوتَ في العطاء من شأنه أن يَخلُق فرصًا لتراكم الثروات لدى بعض الأفراد، مما يشكل مع الزمن فتنةً في الدين وفسادا في الدنيا. وقد صار لكثيرٍ من الناس حدائق وممتلكات وتجارة عريضة وثروات وقصور جعلت منهم طبقة متميزة بثرائها ونفوذها عن سائر المسلمين.
ولم يزد عليّ فيما فعل على أن اتبع نَهْجَ أبي بكر، مما أغضب أشراف العرب لمساواتهم بالموالي في العطاء، فأثّر ذلك على علاقته بالناس. واعتبر بعضُ المؤرخين أن ذلك كان سببا في تفرق الناس من حوله، وانتهاج أهل العراق معه نهجًا جديدًا من الخذلان وترك النُّصرة.
كثير من الأعمال تحتاج في القيام بها إلى تَأَنٍّ وانتظارٍ للظرف المناسب، لذلك قد تختلف وجهاتُ النظر كثيرا بين أصحاب الطريقة الواحدة والمنهج الواحد بسبب مثل هذه المسائل، وهذا هو شأن الخلاف بين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وبين العديد من الصحابة، فقد كانوا يقولون بوجوب القصاص من قَتَلَةِ عثمان ويتعجلون تنفيذ ذلك، ولم يكن رأيُه مخالفا لرأيهم، غير أنه كان يرى التأنِّي والانتظارَ حتى تستقر الأمور، وتموت الفتنة في مواضعها، فقد كان أنصارُ البُغَاة قوةً لا يُستهان بها..
لم يكن علي ـ رضي الله عنه ـ أقلَّ من إخوانه الصحابة حرصا على إقامة الحد على القتلة، لكن هذه الخطوة كان يجب ـ فيما يرى هو ـ أن تَسبِقها خطوةٌ أخرى، هي تسكين الفتنة، حتى يستقر الحكم الجديد ويَشْتَدَّ عُودُه ويَقوَى على إقامة الحدود دون أن يتسبب ذلك في فتنة أكبرَ وأشدَّ هَوْلاً.
وإزاء موقفِه هذا من القصاص سَرَتْ في بعض النفوس مخاوفُ من مهادنة هؤلاء الثائرين السبئيّة فتموت القضية، كما هربت جماعات من بني أمية خشية أن ينالهم أذى من القتلة الآثمين، وحَالَ عليٌّ دون خروج قريش من المدينة، فَبِهِمْ يَتَقَوَّى على مَنْ خالَفَهُم، وبهجْرِهم المدينةَ يتركونها لسيطرة المنحرفين، وبدأ في اتخاذ ما يطمئنهم إلى جدّيته في التصدي للقتلة وإضعاف شوكتِهم؛ بإرجاع العبيد إلى مواليهم، والأعراب إلى أماكنهم، لكن الثائرين والأعراب ثاروا واعترضوا وامتنعوا عن ذلك، فأدرك كبارُ الصحابة خطورةَ الموقف وقوةَ بأْسِ السبئيّة في المدينة، وفكروا في حلول جديدة للقضاء عليهم، فاقترح طلحة على عليٍّ أن يوليه البصرة، واقترح الزبير أن يوليه الكوفة ليَقْدموا عليه بالخيل والجُنْدِ الكثيف ليُعيد الأمورَ إلى نصابِها، ولكنه استمْهَلَهُمَا حتى يرى رأيَه في شأن ولاةِ عهدِ عثمان ـ رضي الله عنه ـ والذي انتهى فيه إلى قرارٍ بعزلهم وتولية غيرهم.
أصبح طلحةُ والزبيرُ بعد دخول البصرة وفي أيديهما بيت المال والحرس، والناس معهما، ومن لم يكن معهما فَمَغْمورٌ مُسْتَسِرّ، وبلغ ذلك حُكَيْمَ بنَ جَبَلَةَ، فأقبل في خيْله على رجال فيمن تبعه مِن عبد القيس ومَنْ مال إليهم من ربيعة، ثم توجّهوا نحو دار الرّزق وهو يقول: لستُ بأخيه إن لم أنصرْه (يقصد عثمان بن حنيف)، وجعل يشتم أم المؤمنين عائشة، فسمعتْه امرأةٌ من قومه، فقالت: يا ابنَ الخبيثة، أنت أوْلى بذلك، فطَعنها فقَتَلَها، فغضبتْ عليه عبدُ القيس، ورجعوا وتركوه..
ومضى حُكَيْمُ بن جَبَلَةَ فيمن غزا معه عثمانَ بنَ عفانَ وحاصره من نزَّاع القبائل كلها، وعرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة، فاجتمعوا إليه، فانتهى بهم إلى الزَّابوقة عند دار الرزق، وقالت عائشة ـ رضي الله عنها: "لا تقتلوا إلا مَنْ قاتلكم، ونادُوا مَنْ لم يكن من قَتَلَةِ عثمان، فلْيَكْفُفْ عنا، فإنا لا نريد إلا قَتَلَةَ عثمان، ولا نبدأ أحدا".
فأنشَبَ حُكَيْمٌ القتالَ، ولم يهتم بالمنادِي، فقال طلحةُ والزبير: "الحمد لله الذي جمع لنا ثأرَنا من أهل البصرة، اللهمَّ لا تُبْقِ منهم أحدًا، وأَقِدْ منهم اليوم فاقتلهم".
فاقْتتلوا أشدَّ قتال، وقُتِلَ حُكَيْمُ ومَنْ معه، ولم يَنْجُ من الظالمين إلا حُرْقُوصُ بن زُهير في نفرٍ مِن أصحابه، فلجأوا إلى قومهم، ونادَى منادِي الزبير وطلحة بالبصرة: ألا مَنْ كان فيهم من قبائلكم أحدٌ ممن غَزَا المدينةَ فلْيَأْتِنَا بهم، فجيء بهم كما يُجاء بالكلاب فقُتلوا، فما أفلت منهم من أهل البصرة جميعا إلا حُرْقُوص بن زهير، فإنَّ بني سعد قبيلتَه منعوه، فمَسَّهُم في ذلك أمرٌ شديدٌ، حتى اعتزلوا.
وأقام طلحة والزبير ليس معهما بالبصرة ثأر إلا حُرْقُوص، وكتبوا إلى بقية الأمصار أن يفعلوا فعلتَهم، وأن يقتلوا مَنْ عندَهم من قَتَلَةِ عثمان. وقد ترك هذا الثأرُ نقمةً في قلوب القبائل التي قُتل أبناؤها.
وكانت هذه الوقعة لخمس ليالٍ بَقِين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين من الهجرة.
لم يكن الميراث الجاهلي قد انْمَحَى من نفوس القبائل التي دَخلت في الإسلام متأخرةً، لذا علا صوتُ النِّقْمة لديْها على جيش طلحة والزبير حينما قُتل أبناؤهم الذين شاركوا في الخروج على عثمان وحصاره وقَتْلِه..
وسيطرت الفوضَى على البصرة، وانْفَرَطَ عِقْدُ النظام بها، وهاج الناس وماجُوا بها، ولم يُفِد الأخذُ بالثأر بهذه الطريقة؛ لأنه لم يَقُمْ به الوالي الشرعيُّ نفسُه، بل قامت به طائفة صالحة من أبناء المجتمع، لا ترى بقيةُ المجتمع حقًا لها في أنْ تقوم به منفردةً عن السلطان.
وقد دفع الحالُ الزبيرَ إلى أن يقول: "إن هذه الفتنةُ التي كنا نتحدث عنها، فقال له خادمه: أتسمِّيها فتنةً وتقاتل فيها؟!! قال: ويْحك!! إنَّا نُبْصِرُ ولا نُبْصِرُ، ما كان أمرٌ قطٌّ إلا علمتُ موضعَ قدمي فيه، غيرَ هذا الأمر، فإني لا أدري أَمُقْبِلٌ أنا فيه أم مُدْبِرٌ!!
كان عزل عليٍّ لعمَّال عثمانَ على البلاد والأمصار شرارةً أشعلت نيران فتن جديدة، وأجَّجَتْها في أرجاء الدولة الإسلامية، حتى لم يعد النزاع بين أهل الفتنة وبين جمهور المسلمين، بل اشتبك أبناء المجتمع الواحد بعضه ببعض، وكان هذا في البداية خلافا في الرأي، ثم تدخلت شياطين الإنس حتى وقع الاقتتال..
لقد عزل عليٌّ عمَّالَ عثمان على الولايات الكبرى؛ مصر والشام والكوفة والبصرة، وقد دفعه إلى اتخاذ هذا القرار افتقادُ الثقة بينه وبين هؤلاء العُمال بفعل الدعاوى السبئيّة، ورغبته في تهدئة الثورة، فوجد أن من اللازم عزل هؤلاء، وإرسال عمال جدد على الأمصار يثق بهم.
وقد نصحه بعض الصحابة بعدم التسرع باتخاذ هذا القرار؛ إذْ سيضيف إلى رصيده مزيدًا من الأعداء في وقت يحتاج فيه إلى كل نصير.
وفي مطلع العام الجديد ـ السادس والثلاثين من الهجرة ـ أرسل عليٌّ وُلاته الجدد، فنجح بعضُهم وأخفق بعضُهم الآخر في تولي ولاياتهم. وحاول عليٌّ علاج الأمر؛ فكتب إلى أبي موسى الأشعري أمير الكوفة وإلى معاوية بالشام كتابَيْن يتعلقان بأمر البَيْعَةِ له، وقد بادر أبو موسى بأخْذِ البيعة له من أهل الكوفة، فأقره عليٌ عليها، لكن معاوية تأخر عن الجواب، ينتظر ما تؤول إليه الأمورُ، خاصة أمر العُصاة بالمدينة. وهكذا خضعت دارُ الهجرة مركزُ الدولة، والأمصارُ كلُّها لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب باستثناء الشام التي كان يُسَيِّرُ أمورَها معاوية الذي امتنع عن البَيْعة.
وأدرك عليٌّ أنَّ حَمْلَ معاوية على البيْعَةِ سِلْمًا غيرُ ممكن، فأخذ يُعِدُّ العُدَّةَ لحمله على البيعة جبرًا باعتباره خارجًا على طاعة الخليفة، وبينما هو يستعد لذلك، جاءتْه أخبارٌ أخرى مفزِعة من مكة تخبره بمَسِير أمِّ المؤمنين عائشةَ وجماعتِها إلى البصرة.
رجع عامل عليّ من الشام دون أن يتمكن من تولِّي الأمر، فكتب عليٌّ إلى معاوية يطالبه بالبيعة، فطلب معاوية مُهْلَةً من الرسول، ولم يكتب جواب رسالته، حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان، أي: في صفر سنة ست وثلاثين، دعا معاوية رجلاً من بني عبس فدفع إليه كتابا مختوما عنوانه: "من معاوية إلى عليٍّ "، ثم أوصاه بما يقول، وسرحه إلى عليّ مع رسوله، فلما دخل المدينة ورفع الكتاب للناس فرأوا عنوانه عَلِمُوا أن معاوية يأبَى البيعةَ، وقال رسوله لعلي: "إني تركتُ قوما لا يرضَوْنَ إلا بالْقَوَدِ، فقال علي: ممن؟ قال: من نفسِك، وتركتُ ستين ألفَ شيْخٍ يبكي تحت قميص عثمان وهو منصوبٌ لهم؛ قد ألبسوه مِنْبَرَ دمشقَ! فقال علي: منِّي يطلبون دَمَ عثمان؟!.. اللهم إني أَبْرَأُ إليك من دَمِ عثمان، نَجَا والله قَتَلَةُ عثمانَ إلا أنْ يشاء الله..!!
فخرج الرسول فاعترضه السبئيّة (أتباع عبد الله بن سبأ) مُثِيرُو الفتنةِ يَصيحون: هذا الكلبُ، هذا وافدُ الكلابِ، اقتلوه، فنادى الرجل: "يا آلَ مُضَرَ، فحَمَتْه مُضَرُ، وجعل يقول لهم: إني أحلف بالله ـ جلَّ اسمُه ـ ليَرِدَنَّها عليكم أربعةُ آلاف خصِيٍّ، فانظروا كم الفُحولة والرِّكاب"! والمُضَرِيُّونَ يُسكِتونه فلا يسكت. وجعل يَهتف بهم: لا والله لا يفلح هؤلاء أبدا، فلقد أتاهم ما يُوعدون، وقد حل بهم ما يَحْذَرونَ.. فمازال بهم حتى عرف الذل فيهم.
دارت مراسلاتٌ عديدة بين عليٍّ ومعاوية يطلب الأول من الآخر مبايعتَه بالخلافة، والإذعانَ لأوامره، باعتباره الخليفةَ الشرعيَّ الذي بايعه معظمُ الصحابة في المدينة، في حين يطلب الثاني من الأول القصاصَ من قَتَلَةِ عثمانَ ابنِ عمِّه أولاً باعتباره من أولياء دَمِهِ، وبعد ذلك ينظر في أمر بيعته.
ولم يكن موقفُ عليٍّ من القصاص موقفَ المُعَطِّلِ له، ولكنه كان يودُّ إرْجاءَ إقامةِ حدِّ الله الذي سيُقام حتما ـ حتى تتهيَّأ الظروفُ المناسبة، وتخمدَ نارُ الفتنةِ. ولكن معاوية تمسك بالقصاص أولا، وجعله شرطا لازمًا يسبق البيعة؛ لذا امتنع عن مبايعة عليٍّ، وأبَى خلافتَه؛ لأنه ظن فيه عدم الجدِّية في الانتصار لعثمان من قاتِليه، ومعاوية يرى لنفسه حقًا أصيلاً في القصاص من قَتَلَةِ عثمان؛ لأنه من أوليائه، والله ـ تعالى ـ يقول: ( ومَنْ قُتِلَ مظلومًا فقدْ جَعلْنا لِوَلِيِّهِ سُلطانًا فَلا يُسْرِفْ في القتْلِ إنَّه كانَ منصورًا ) [ الإسراء: 33 ]. ولم يَرَ في الامتناع عن البيعة خروجًا على الإمام؛ لأنه اعتقد أن بيعة عليٍّ لم تنعقدْ بعدُ؛ حيث لم تكن بإجماع أهل الحَلِّ والعَقْدِ.
أما أمير المؤمنين عليٌّ فهداه اجتهادُه إلى غير ذلك، إذْ رأى أن بيعته قد انعقدت، وأن الوالي ليس عليه إلا أن يُبايع هو وأهلُ مِصْرِهِ إذا بايع أهلُ المدينة، وقد بايعوا، فلماذا إذًا امتناعُه؟ وهل هو من أهل الشورى ليُؤْخَذَ رأيُه في البيعة؟
وقد عزله الخليفةُ المُبَايَعُ فلم يمتثل؛ فعُدَّ خارجًا على الإمام؛ لذا أخذ عليٌّ يُعِدُّ لقتال أهل الشام.
لما أرسل عليٌّ الولاةَ إلى الأمصار، إذا بواليه سهلِ بنِ حُنيف الذي أرسله إلى الشام ليخلف معاوية ـ يعود إليه وقد فشل في تَوَلِّي الأمر، وعليٌّ الذي عُرف بالشدة والحسم أبَى إلا الحق ـ كما رآه ـ فقرر قتالَ معاوية؛ وعَدَّ خلافَه بَغْيًا وخروجا عن الطاعة بعدما انعقدت بيعته بِمَنْ بايَعَ، فلزمت مَنْ لم يبايعْ.
وأرسل عليّ إلى أهل الأمصار يستنفِرُهم لقتال معاوية، وشرع في التهيُّؤ والتجهّز، وخطب في أهل المدينة ودعاهم إلى النهوض لقتال "أهل الفُرقة"، ولكنه رأى تثاقلا منهم عن الخروج معه، فلم يجبر أحدًا، وإنما سار بِمَنْ نَهَضَ معه.
وجاء إليه ابنُه الحسنُ ينصح بعدم الإقدام على القتال صونا لدماء المسلمين، فقال: "يا أبة، دَعْ هذا، فإن فيه سفك دماء المسلمين، ووقوع الاختلاف بينهم"، فلم يقبل منه ذلك، وأصرَّ على القتال، ورتَّبَ الجيشَ، ودفع اللواء إلى ابنه محمد بن الحنفيَّة، وولَّى عبدَ الله بن عباس ميمنتَه، وعمرَ بن أبي سلمة ميسرته، وجعل على مقدمته أبا ليلى بنَ عمرو بنِ الجراح ابنَ أخي أبي عبيدةَ، واستخلف على المدينة قثم بن العباس.
ولم يُوَلِّ أحدًا ممن خرج على عثمانَ، لا على الأمصار ولا على أجناد الجيش، وفيهم الأشِدّاء وذَوُو البأس.
ولم يبق شيء إلا أن يخرج من المدينة قاصدا الشام، حتى جاءه ما شغله عن ذلك كله، وهو خبر خروج عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة، فقرر أن يخرج أولا إلى العراق للقائهم.
قد يختَلِف اثنان في وجهات النظر، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجودَ بغضاء أو كراهية بينهما، وقد يذهبان أبعدَ من ذلك فيتصرّفان بناء على وجهات النظر المختلفة، وهذا أيضا ينبغي ألا يُورث حقدًا أو كراهيةً بين الطرفين..
وقد كان قَتْلُ عثمان ـ رضي الله عنه ـ فاجعةً، زاد من ألمها أنها وقعت في أيام الحج، حين كان أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤدِّين الفريضة قُربَى إلى الله، وفرارا من الفتنة، فلما بلغ الناسَ ـ وفيهم أمهات المؤمنين ـ أن عثمان قُتِلَ، أقاموا بمكة، واستأذن طلحة والزبير عليا في العمرة، فأذِنَ لهما، فخرجا إلى مكة، وتبعهم خلق كثير وجَمٌّ غفيرٌ من بني أمية وكل من أغضبه قَتْلُ عثمان، وتساقَطَ الهُرَّابُ إليها.
وقَدِمَ إلى مكة من اليمن يَعْلَى بنُ أمية، وكان عاملا عليها لعثمان، وقدم إليها أيضا عبد الله بن عامر من البصرة.
والتقت الكلمةُ على الثأْر لعثمان، وكَوَّنوا منهم جيشًا لهذه المُهمة، وقصدوا البصرةَ أقربَ الأمصارِ التي تَولَّى بعضُ أهلِها قَتْلَ عثمان والخروجَ عليه، ولم يتجهوا إلى المدينة لعُلُوِّ أمرِ الغَوْغَاءِ ومثيري الفتن فيها، وإن كان الأمر يستدعي مؤازرة أمير المؤمنين عليٍّ حتى تَقْوَى الدولة على مواجهة كلِّ الخارجين البُغاة.. وتحرك الركبُ المكيُّ خارجا إلى البصرة.
اتفق المتجهون إلى البصرة على تَوْلِيَةِ عبد الرحمن بن عَتَّاب بن أسيد الصلاة، فكان يصلي بهم في الطريق وفي البصرة حتى قُتل، وكان عدلا بينهم. ورجع من الطريق المغيرةُ بن شعبة وسعيد بن العاص وعبد الله بن خالد بن أسيد.
ومضى القوم قاصدين البصرة، ومعهم أَبانُ والوليدُ ابنا عثمانَ، وأعطَى يَعْلَى بن منية أمَّ المؤمنين عائشة جملاً اسمه (عسكر) اشتراه بثمانين دينارا فركِبَتْه، وساروا في طريق غيرِ معهود؛ كي لا يلتقوا بجيش علي، حتى انتهوا إلى جبل أوطاس، فتيامنوا وسلكوا الطريق نحو البصرة.
وأوضح الزبيرُ للناس أنهم ما خرجوا إلا ثأْرًا للخليفة المظلوم، وإبقاءً لتماسك الكيان المسلم حتى تبقى هيبة الدولة محفوظة. وخطبت كذلك أم المؤمنين عائشة تؤكِّد هذه الأهداف.
وواصلوا السيرَ حتى اقتربوا من البصرة، فخرج إليهم واليها عثمانُ بنُ حُنَيْفٍ للحوار والمناقشة، لكنها كانت فرصة أمام الذين اعترضوا وتآمروا على عثمان لإثارة الفتن من جديد، مخافة أن تجتمع الكلمة، وتصل إليهم يدُ العدالة والقصاص، فترامَوْا بالتراب والحصى، حتى أَنْشَبَ لص البصرة حُكَيْمُ بن جَبَلَةَ القتالَ ضد الجيش القادم من مكة، وجرى قتال وتفاوضٌ أسفرا عن دخول الجيش المكي البصرة.
لما الْتقى الفريقان من مكة والبصرة بالمِرْبَدِ، وأخذ طلحة والزبير وأم المؤمنين يُفَصِّلون قضيَّتَهم للناس، تبيّنَ لأهل البصرة أن الحق في جانب أم المؤمنين، واتَّبعها جماعةٌ منهم.
فلما رأى حُكَيْمُ بنُ جَبَلَةَ ومَنْ معه من السبئيّة والغوغاء ذلك، ترامَوْا بالحجارة وحث بعضهم التراب على بعض، وأقبل حُكَيْمُ ـ وكان على خيلِ عثمانَ بن حُنيف ـ فأنْشَبَ القتالَ، وأعدَّ أصحابُ عائشة ـ رضي الله عنها ـ رماحَهم وأمسكوا عن القتال حتى يمتنع حُكَيْمُ عن القتال، لكنه أصر عليه حتى حجز الليل بين الفريقين.
فلما كان الصباح خرج حُكَيْمُ يَقْدُمُ جيشَه، فاقتتلوا قتالا شديدا من حين بزغت الشمس إلى أن زال النهار، وقد كَثُرَ القتْلى في أصحاب ابنِ حُنيف، وفَشَت الجراحة بين الفريقين، ومنادِي عائشة ـ رضي الله عنها ـ يناشدهم ويدعوهم إلى الكَفِّ فَيَأْبَوْنَ، حتى إذا مسَّهم الضُّر وعضَّتْهم الحربُ نادَوْا أصحابَ عائشة إلى الصلح والموادعة.
واتفق الفريقان على أن يبعثا رسولاً إلى المدينة لينظر هل بايع طلحةُ والزبيرُ مُكْرَهَيْنِ؟ فإن كان ذلك أخْلى عثمانُ بن حُنيف لهما البصرةَ، ليُدْرِكوا ثأْرَهم من قَتَلَةِ عثمانَ، وإن كانا قد بايعا عن رضا خَرَجَا من البصرة حتى يرى أميرُ المؤمنين رأيَه.
واتفقوا على أن يُبْقِيَ كلُّ فريقٍ على ما تحت يدِه حتى يعودَ الرسول، وأن ينزل طلحة والزبير ومَنْ معهما حيث شاءوا، وأن يصلي عثمان بن حنيف بالناس، وله أمر البصرة، ويبقى بيت المال تحت يده.
وذهب كعب بن ثور إلى المدينة رسولاً، فسأل أهلَها عن بيعة طلحة والزبير فلم يُجِبْهُ أحدٌ، ثم أجابه أسامةُ بن زيد بأنهما بايَعَا مُكْرَهَيْن، وكادت تحدث في المدينة حادثة لهذا الجواب؛ إذْ لا يريد الناس إلا إطفاء النار وإخمادَ جذوتها. وبلغ هذا الخبرُ أميرَ المؤمنيـن، فأرسل إلى عثمانَ بنِ حُنيف يقول له: "والله ما أُكْرِها إلا كَرْهًا على فُرقة ( أي خوفا من الفرقة )، ولقد أُكرِها على جماعة وفضل، فإن كانا يريدان الخَلْعَ فلا عذر لهما، وإن كانا يريدان غيرَ ذلك نَظَرْنَا ونَظَرَا".
رجع كعب بن ثور إلى البصرة بخبر بيْعة الزبير وطلحة لعليٍّ كَرْهًا، فاختلف القوم بالبصرة، وعاتب عليٌّ عاملَه على البصرة، وقال: "إنما طلحة والزبير لم يُجْبَرَا على البيعة إلا خوفًا من الفُرقة، ولقد أُكرِها على جماعةٍ وفضلٍ".
وقلَّ أنصارُ ابنِ حُنيف، وغضب عليه الغوغاء لسوء تصرفه، ووقع من عامة الناس من أهل البصرة كلام وضرب، فقُتل منهم نحوٌ من أربعين رجلاً، ودخل العامَّـةُ على عثمان بن حنيف قصرَه فأخرجوه إلى طلحة والزبير ولم يبق في وجهه شعرةٌ إلا نتفوها تحقيرًا له، فاستعظما ذلك وأرسلا إلى عائشة أم المؤمنين بالذي كان، واستطلعا رأيَها، فأرسلت إليهما أنْ خَلُّوا سبيلَه؛ فليذهبْ حيث شاء، ولا تَحبِسُوه.
وبخروج عثمان بن حنيف من البصرة أصبحت تحت إِمْرَةِ الرَّكْبِ المكِّيِّ، فأخرجوا حرس عثمان من القصر ودخلوه، وصلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب، وولَّوْا على بيت المال عبد الرحمن بن أبي بكر، وقسم طلحةُ والزبيرُ أموالَ بيت المال في الناس، وفضَّلوا أهل الطاعة، وأَكَبَّ عليهم الناسُ يأخذون أرزاقهم. وحان وقت الثأر ممن شارك في الثورة على عثمان من أهل البصرة، فنقمت لأجل ذلك القبائلُ التي قُتل أبناؤها.

ــــــــــــــ


11- معركة الجمل واسبابها

لما بلغ عليّا نبأُ سير الركب المكّي إلى البصرة غيَّر وجهتَه عن الشام إلى البصرة، فخرج إلى الرَّبَذَةِ مسرعا يريد أن يلحقَ بهم قبل أن يجتازوها، وليَحُولَ دون انطلاقِهم، واستخلفَ على المدينة سهلَ بنَ حُنَيْفٍ، وبَعَثَ قثمَ بن العباس إلى مكة.
ونصحه العديدُ من الصحابة بألا يخرجَ من المدينة، فإنه إنْ خرج منها فلنْ يعود إليها أبدًا، وطلبوا منه أن يُرسل مَنْ نَهَضَ ويمكثَ هو في دار الهجرة، ولكنه أصر على أن يكون على رأس الناهضين، وخرج من المدينة في نحو سبعمائة رجل جُلُّهم من الثائرين على عثمانَ، وأقلهم من أهل المدينة، وما شارك جمهورُ الصحابة في هذه الفتنة، بل اعتزلوا الأمر.
وصل عليٌّ إلى الرَّبَذَةِ فجاءه الخبر بأن الركْبَ قد مضى، فأقام بها أياما وخَطَبَ فيمن معه، وسرَّح منها إلى أبي موسى الرسلَ يستنهض أهلَ الكوفة، ولكن ذلك لم يُفِدْ شيئا، حتى أرسل ابنَه الحسنَ وعمارَ بنَ ياسر إلى الكوفة، وتكلم الحسنُ كلاما طيبًا تأثَّروا به، وأعلن العديدُ منهم الانضمامَ إلى علي.
وواصل علي طريقَه إلى البصرة فوجد عبدَ القيس بأسرها في الطريق بينه وبين أهل البصرة ينتظرون مرورَه بهم ـ وهم آلاف ـ لينضمّوا إليه. وأرسل القَعْقَاعُ بن عمرو إلى طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة مستوضحا الأمر، وطالبا الصلح بين المسلمين.
اختار أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب القعقاعَ بن عمرو ليدْعُوَ أخويْه طلحة والزبير إلى الأُلْفة والجماعة، ويُعَظِّم عليهما الفُرقةَ، فلم يكن أمير المؤمنين عليّ يبغي حربا، وقد صرح بذلك مرارًا لأتْباعه بالرَّبَذَةِ، ولمَنْ جاءوا إليه من أهل الكوفة، وكانت هذه دعوته دائما.
وسأل أميرُ المؤمنين القعقاعَ: كيف تصنع فيما جاءك منهما وليس فيه وصاةٌ مِنّي؟ فأجاب قائلا: نلقاهم بالذي أمرتَ به، فإن جاء منهما أمرٌ ليس عندنا منك فيه رأيٌ اجتهدنا الرأْيَ، وكلَّمْناهم على قدر ما نَسْمعُ ونرى أنه ينبغي. قال: أنتَ لها.
فقَدِمَ القعقاعُ البصرةَ، وبدأ بأمِّ المؤمنين عائشةَ، فسلَّمَ عليها، وقال: أيْ أُمَّهْ؛ ما أشْخَصَكِ وما أقْدَمَكِ هذه البلدةَ؟ قالت: أيْ بُنَيّ، إصلاحٌ بين الناس، قال: فابْعَثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامَهما، فبعثَتْ إليهما فجاءا، فقال: إني سألْتُ أمَّ المؤمنين ما أشْخَصَها وأقْدَمَها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمُتابِعان أم مُخالِفان؟ قالا: مُتابِعان، قال: فأخْبِرَانِي ما وَجْهُ هذا الإصلاح؟ فوالله لَئِنْ عرفناه لَنُصْلِحنَّ، ولَئِنْ أنْكرناه لا نُصلح.
قالا: قَتَلَةُ عثمان، فإنّ هذا إنْ تُرِكَ كان تَرْكًا للقرآن؛ وإنْ عُمِلَ به كان إحياءً للقرآن.
فقال: قد قَتلْتُما قَتَلَةَ عثمانَ من أهل البصرة، وأنتم قبلَ قَتْلِهم أقربُ إلى الاستقامة منكم اليومَ، قتلتم ستمائة إلا رجلا ـ يعني حُرْقُوص بن زُهير ـ فغضب لهم ستةُ آلافٍ، واعْتَزَلُوكم وخرجوا من بين أظْهُرِكم، وطَلبْتُم حُرْقُوصَ، فمنَعَه منكم ستةُ آلافٍ، فإنْ تركتموه كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والذين اعْتَزَلُوكم فأُدِيلُوا عليكم (أي انتصروا)، فالذي حَذِرْتم وقَرِبْتُمْ به هذا الأمرَ أعظمُ مما أراكم تكرهون (أي: أن الذي تريدونه من قَتْلِ قَتَلَةِ عثمان مصلحة، لكن المفسدة المترتبة عليها أكبر منها)، وكما عجزتم عن الثأر لعثمان من حُرقوص بن زهير لقيام ستةِ آلافٍ في منعه ممن يريد قتله، فعَلِيٌّ أَعْذَرُ في ترْكِهِ الآن قتلَ قَتَلَةِ عثمان، وإنما أخَّر قَتْلَ قَتَلَتِهِ إلى أنْ يتمكن منهم، فإن الكلمة في جميع الأمصار مختلفةٌ". ثم أَعْلَمَهم أن خَلْقًا من ربيعةَ ومُضَرَ قد اجتمعوا لحربهم بسبب هذا الأمر الذي وقع.
فقالتْ أم المؤمنين: فماذا تقول أنت؟ قال: إن هذا الأمر دواؤُهُ التسكين.. فإنْ أنتم بايعتمونا فعلامةُ خيرٍ وتباشيرُ رحمةٍ ودَرَكٌ بثأر، وعافيةٌ وسلامةٌ لهذه الأمة، وإنْ أنتم أبيتم إلا مكابرةَ هذا الأمر واعْتِسَافَه كان علامةَ شرٍّ.. فآثِرُوا العافيةَ تُرْزَقُوها، وكونوا مفاتيحَ الخير كما كنتم، ولا تُعَرِّضونا للبلاء، ولا تَعَرَّضُوا له فيصرعنا وإياكم. وايْمُ الله، إني لأقولُ هذا القولَ وأدعوكم إليه وإني لخائفٌ ألا يتمّ حتى يأخذ الله ـ عز وجل ـ حاجتَه من هذه الأمة التي قلَّ متاعُها ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمرٌ ليس يقدّر، وليس كالأمور، ولا كقَتْلِ الرجُلِ الرجُلَ، ولا النّفرِ الرجُلَ، ولا القبيلةِ الرجلَ.
فقالوا: نعم، إذًا قد أحسنْتَ وأصبتَ المقالةَ، فارْجِعْ فإن قَدِمَ عليٌّ وهو على مِثْلِ رأيِك صَلَحَ هذا الأمرُ.
فرجع إلى أمير المؤمنين عليّ فأخبره الخبر، فأعجبه ذلك، وسُرَّتْ به نفسه، وأشْرَفَ القوم على الصلح، وقام عليّ في الناس خطيبا يُعْلِمُهم بنبأ الصلح. وبعد لقاء عَلَتْهُ رُوحُ أخوَّةِ الإسلام كان اتفاقٌ على الصلح بين عليٍّ وبين الرَّكْبِ المكّي؛ وذلك يوم الخميس نصف جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين من الهجرة.
لكنّ المتآمرين ضد الإمام الشهيد عثمان ـ رضي الله عنه ـ من السبئيّة ومثيري الفتن ساءهم ذلك الصلحُ، وأحسّوا خطرًا على أنفسهم في تمامه؛ لذا تآمروا حتى قتلوا اتفاق الصلح قبل أن يتم، ووقع لذلك قتالُ يوم الجمل المشئوم.
كانت مواطنُ الضعف في معسكر الإمام عليّ هي وجودُ كثيرٍ من المُنْدَسِّينَ فيه ممن اشتركوا في قتْلِ عثمان أو التخطيط له، وعلى رأسِهم مَنْ حادَّ اللهَ ورسولَه عبدُ الله بن سبأ والأشْتَرُ النَّخَعِيّ، ولم تكن لعليّ ـ رضي الله عنه ـ حيلةٌ في وجودهم معه، ولا قدرةٌ على إبعادهم في هذه الظروف؛ إذْ كانوا قوةً كبيرةً تساندُهم عصبيات قَبَلِيّة. وقد أدرك زعماؤهم الذين تولَّوْا تأجيجَ الثورةِ على عثمانَ أن الصلح بين الفريقين سيقوِّي عليّا بانضمام الفريق الآخر إليه، ويجعل من الفريقين جبهةً واحدة قوية يَسْهُلُ أنْ تَثْأَرَ لعثمان من قَتَلَتِه، فعزموا على إفْساد الأمرِ كلِّه، وتداوَلُوا الرأيَ بينهم، حتى انْتَهَوْا إلى ضرورة إشْعال القتال من جديد.
وفي ليلة الصلح؛ وبينما الناسُ في معسكر عليّ ومعسكر طلحة والزبير نائمون، تُداعب رءوسَهم أحلامُ وأمانيُّ العودةِ إلى وحدة الصف واتفاق الكلمة ـ إذا بهم يَفْزَعُونَ لأصواتِ السيوف وَصَيْحات الجنود، وكأنه حُلْمٌ مُزعج، لكنه ـ يا أسَفَا ـ كان قتالاً حقيقيا أشعله السبئيّةُ والثائرون على عثمان ـ رضي الله عنه ـ وقامت الحرب حاميةً على قَدَمٍ وساقٍ، وتبارز الفرسان، وجالت الخيل، وقد اجتمع مع عليّ عشرون ألفا، والتفَّ حول عائشة نحوٌ من ثلاثين ألفا.
وبدأت المعركة ومنادِي عليٍّ ينادي: أيُّها الناس، كُفُّوا فلا شيء، ألا كُفّوا، ألا كُفّوا، فلا يَسمع له أحد.
ودارتْ رَحَى معركةِ الجملِ حاميةً، وخسر المسلمون فيها وحْدَتَهم، كما خلَّفت الكثير من المآسي؛ لعل أبرزها مقتل طلحة والزبير.
إن صوت الفتنة يُلَبِّس على العقلاء أمرَهم، ويتركُهم حَيَارَى؛ لا يَدْرُونَ موضعَ الحق ولا موقعَ الباطل، يُيَمِّمُون جهةَ المشرق فيجدون أن هذا الذي اختاروه خطأ، فإذا اتجهوا صَوْبَ المغرب تبيَّنُوا خطأَ مُخْتَارِهم أيضًا، فلا يجد العاقل إلا أن يضع رأسَه بين يديه، يعتصرُها من فَرْطِ الحيرة..!!
إن الفتن تَنتج كثيرا بسبب الأيدي العابثة من وراء حجاب، وبسبب المطامع الجارفة التي تصيب بعض طوائف المجتمع...
كانت الفتنة التي شَهِدها عصرُ الراشدين بعد عام خمسة وثلاثين للهجرة قَدَرًا أقوى من هؤلاء الصحابة الذين عاصروها، فقد أدى الانقلابُ الهائل الذي أحْدثه التوسعُ الإسلامي في العالم المعمور حينئذ إلى أنْ يَبْرُزَ على صفحة المجتمع أناسٌ أقلّ قدرةً وحرصا على حراسة الدين والقيم..
لقد كان هناك رجال جمعهم أبو بكر حولَه حين برزت المخالب الحادة للردّة التي كانت فتنةً أقْوى من الفتنة التي اشتعلت بقتل الأمير الصالح عثمان بن عفان، لكن الرجال حينها كانوا غيرَ الرجال!!
والحقُّ أن العجز عن مغالبة الفتنة وإطفاءِ نيرانِها لم يكن عيبًا في الصحابة الذين عاشوا أحداثَها؛ إذْ كانت سيْلاً جارِفا جاء عقب التغيرات الكبرى، ولم ينجح المجتمع في صَدِّه ومساندةِ هؤلاء الصحابة لاستيعابه.
لقد نجح قَتَلَةُ عثمان؛ مَرْضَى القلوبِ المتآمرون على المجتمع المسلم ـ في إشعال الحرب بين معسكر عليّ بن أبي طالب وبين معسكر طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنهم ـ حينما هاجموا معسكر أهل البصرة تحت ستار الليل، فقام الناسُ إلى سيوفهم.. ومع حرص الصحابة على كَفِّ الأيدي ووقف القتال، ومحاولتِهم السيطرةَ على الحريق الكبير، إلا أنهم وجدوا أنفسهم يُدفَعون إلى الحرب دَفْعًا، حتى لم يجدوا من القتال والدّفاع عن الأنفس بُـدًّا..
وكان من رأيهم جميعا في تلك الفتنة العمياء ألا يقاتِلوا حتى يُبْدَأُوا بقتال، يطلبون بذلك الحُجةَ على الآخرين، لا يقتلون مُدْبِرًا، ولا يُجْهِزُون على جريح، ولا يَسْتَحِلُّون سلبا، وكان ذلك مما اجتمع عليه الفريقان ونادَوْا به فيما بينهم.
وكان من الوقائع الكبرى للمعركةِ استبسالُ أهلِ البصرة حول جَمَلِ أمِّ المؤمنين عائشة، دفاعا عنها وحماية لها، حتى قُتل الجملُ فانْفَضُّوا، وانْكَشَفَ القتال عن هزيمة أهل البصرة. وتَرَكَ الزبيرُ الميدانَ وقُتل في طريق عودته، وقُتل طلحة بسهم طائش.
كانت أم المؤمنين راكبةً هَوْدَجَها تحاول وَقْفَ القتال، لكن السبئيّة ما كانوا لِيَفْتُرُوا عن إشعال نارٍ يحتمون بها، وحاول أيضًا أميرُ المؤمنين عليٌّ وقف القتال فما أفْلَحَ.
وثبتَ أهلُ البصرة حول الجمل، ودار القتال هناك مريرا، وتفانَى الناس محيطين بأم المؤمنين مدافعين عنها، ولم تُؤْذِن المعركة بانتهاءٍ إلا بعَقْرِ الجمل، وساعتَها انصرف أهلُ البصرة منهزمين.
ونادى عليّ بالأمان، وضرب أرْوع الأمثلة في سيرته مع مَنْ قاتل يومَ الجمل، فأكرم أُمَّهُ أمَّ جميعِ المؤمنين عائشةَ ـ رضي الله عنها ـ وعاقب من انْتَقَصَها، وتوجَّع على قتلى الجمل، وحزن حزنا شديدا عليهم، وحرّم على أتباعه سَبْيَ أهل الجمل أو أخْذَ أموالهم. وكذلك كسا الحزنُ أمَّ المؤمنين عائشة؛ فكانت تبكي حتى تبل خِمارَها، وندم كبار الصحابة على ما كان يوم الجمل ندمًا شديدا، وأَخَذَ عليّ البَيْعة من أهل البصرة، وأمَّر عليها ابنَ عباس، وانتقل إلى الكوفة واتخذها عاصمة، وهكذا انتهتْ هذه الموقعةُ بهذا الشر المستطير في يومٍ مُظْلِمٍ في تاريخ الأمة.
أشعل قَتَلَةُ عثمان القتالَ فذهب كَعْبُ بن سُور قاضي البصرة إلى أمِّ المؤمنين عائشة يخبرها بالأمر، لعلها تستطيع أنْ تُوقف القتال بما لها من حرمة وتأثير، فقال لها كعب مستغيثا: أدْرِكِي، فقد أَبَى القومُ إلا القتال، لعل اللهَ يُصلِحُ بِكِ. فركِبَتْ، فلما كانت وهي على الجمل بحيث تُسْمِعُ العامةَ ـ وقف رَكْبُهَا.. واقْتتل الناس، فقالت أم المؤمنين لكَعْب بن سُور: خَلِّ عن الجمل وتقدَّمْ بالمصحف فادْعُهُم إليه، وناوَلَتْهُ مصحفًا، فدخل بين الصفَّيْن يناشدهم الله ـ عز وجل ـ في دمائهم، وناوله الناس درعه فرمَى بها تحته، فرشقُوه بالسهام، فكان ـ رضي الله عنه ـ أولَ مقتول بين يدي عائشة..
وجَرَتْ محاولة أخرى لمنع القتال ووقْفِه من أمير المؤمنين عليّ، ولكن السبئية كانوا يُنْهُون كلَّ محاولةٍ بالفشل؛ كي تظل نار الحرب مشتعلة. ولم يكْتَفُوا بذلك بل تجرأوا على هَوْدَجِ أم المؤمنين عائشة ورمَوْه بالنبال، وأشعلوا القتال حول الجمل، فتحركت حميَّةُ جيشِ البصرة لحماية حرم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاحْتَدَمَ القتال حول الجمل.
كان أمير المؤمنين عليّ ينادى في الناس: "ألا كُفُّوا، ألا كُفُّوا، لا شيء"، ولا أحد يسمع له، حتى أخذ مصحفا وطاف بين أصحابه، وقال: مَنْ يأخذُ هذا المصحفَ، يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقام إليه فتى من أهل الكوفة، فأعرض علي عنه، وكرر ذلك، فإذا هو نفسُ الفتى: مسلمُ بن عبد الله، فدفع إليه المصحف، وأرسله إليهم ليدعوهم إلى ما فيه، فرشَقوه بالسهام فقتلوه، فكان أول مَنْ قُتل بين يدي أمير المؤمنين.
وهكذا كان مراد الصحابة هو الصلح ونبذ الحربِ والشقاقِ، وكان قصد السَّبَئِيّة هو إنشاب القتال وإشاعة الفتنة بين المسلمين، ووَأْد كل محاولة لإخماد جذوتها، فانتصر الهدم والتخريب على البناء والإصلاح!
كانت أم المؤمنين في معركة الجمل محاطةً بجماعة من أهل الشجاعة والبصائر، فكان لا يأخذ أحدٌ بزمام الجمل إلا حمل الراية واللواء لا يريد تَرْكَها، وكان لا يأخذ بالزمام إلا رجل معروف عند المحيطين بالجمل فينتسب إليها: أنا فلان بن فلان.
واشتد سعير القتال حول الجمل، حتى بَدَا الموتُ كاشفا وجهَه للناس، وحمى الشجعانُ عائشة بقوة منقطعة النظير، وما قصد أحدٌ الجملَ من أصحاب عليٍّ إلا قُتِل، أو أفلت ثم لم يَعُدْ.
فكان يقاتل عن يسارها قبيلة الأزْدِ، وعن يمينها بكر بن وائل؛ فاقتتلوا أشدَّ من قتالهم قبل ذلك، وأقبلت كتيبة من بني ناجية كانت تقاتل بين يديْها فجالدوا جلادًا يَهرب منه الشجاع، ثم أطافت بها بنو ضبّة، حتى إذا كثر القتل فيهم خالطهم بنو عديّ، وكثروا حولها، فقالت أم المؤمنين: مازال رأس الجمل معتدلا حتى قُتِلت بنو ضبّة حولي، فأقاموا رأس الجمل.. حتى قُتِل منهم على الخِطَام أربعون رجلا.
ولما كَثُر القتل والجراحات في العسكريْن جميعا وظهر ذلك، قصدوا الجملَ حتى قتلوه، وانتهت المعركة بإحداث صدع نفسي هائل للمسلمين لا يمكن معه أن نقول: انتصر فلان وهُزم فلان، وإن كان التفوق الحربي قد جاء في صف علي بن أبي طالب؛ الذي أمر بدفن القتلى من الطرفين والصلاة عليهم، وأحسن معاملة إخوانِه من الطرف المنهزم؛ فحرَّمَ سَبْيَهم وأخْذَ أموالِهم.
إنه ابنُ عمَّة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحدُ مَنْ بكَّروا بالدخول في الإسلام، وشهدوا نمو الإسلام واتساع سلطانه منذ كان نبْتةً صغيرة إلى أنْ أصبح دولة قويةً لها السلطان والغلَبة. وكان للزبير نصيب وافر من الجهاد في سبيل الله حتى عَلَتْ راية الدين، وعدَّه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضِمْنَ العشرة الذين بشَّرهم بالجنة، بل منحه مقاما آخر حينما عدَّه حوارِيَّه، أيْ: صاحبه في الجنة..
وقد أعطى الزبير لدينه بعد النبي كما أعطاه والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيٌّ بين الناس، وجاءت الفتنة لِيُبتَلَى فيها الزبير، فقد رأى ـ كغيره من الصحابة ـ أن عثمان قُتل مظلوما، وأن القصاص من القتلة واجب ديني لا ينبغي التفريطُ فيه.. واختار أن يخرج لقتال هؤلاء المجرمين بنفسه، وكان يشعر بأن الأمر ملتبس لا يَبِينُ فيه الحقُّ جَلِيًّا، فكان يقول: "والله ما أخذ أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مُذْ بعث الله ـ عز وجل ـ نبيَّه طريقًا إلا عَلِمُوا أين مواقعُ أقدامِهم، حتى حدث هذا؛ فإنهم لا يَدْرون أمُقْبِلون هم أم مُدْبِرون"!!
وقد لعبت يدُ الفتنة دورا حتى وجد الزبيرُ نفسَه في جيشٍ يواجه ويقاتل جيشَ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، دون أن يكون أحدهما قاصدًا ظلمَ أخيه...
ولكن حتى في هذه الفتنة الملتهبة لم يكن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَدَعُون الاعترافَ بالحق والوقوفَ عنده؛ فهذا عليّ بن أبي طالب يأتي إلى الزبير ابن عمته يذكِّره ـ والقتالُ مشتعلٌ ـ بموقفٍ لهما بين يَدَيْ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول له: يا زبيرُ، أَنْشُدُكَ اللهَ، أسمعتَ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "إنك تقاتلني وأنت ظالم"؟ قال: نعم، لم أذكرْه إلا في موقفي هذا، ثم انصرف، وتَرَكَ ساحةَ القتال.
وراح الزبيرُ على دابّته مسرعا يشق الصفوف إلى أمِّ المؤمنين عائشة، فقال لها: ما كنتُ في موطن منذ عقلْتُ إلا وأنا أعرِفُ فيه أمري، غيرَ موطني هذا، قالت: ما تريد أنْ تصنع؟ قال: أريد أنْ أدَعَهم وأذهبَ.
وترك ميدان القتال، ومضى، فاتبعه عمرو بن جُرموز، وكان في عسكر للأحنف بن قيس، وحضرت الصلاةُ، فلما سجد الزبير مُسَبِّحًا ربَّه الأعلى، طعنه ابنُ جُرموز، فقتله، وأخذ فرسَه وسلاحَه وخاتمَه، ودفنه بوادي السباع.
وعاد القاتلُ يَستأذن للدخول على أمير المؤمنين عليّ، فقال عليّ: ائذنْ له وبشِّرْه بالنار! وأُحضِرَ سيفُ الزبير عند عليّ، فأخذه، فنظر إليه، وقال: طالما جَلى به الكربَ عن وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. ثم بعث به إلى عائشة.
وكان استشهادُ الزبير في سنة ست وثلاثينمن الهجرة، وكان عمرُه حينَها سبعًا وستين سنة، وقيل: أكثر.
ذاك رجلٌ آخرُ من الأصفياء الذين سالتْ دماؤُهم الزكيّة في ساحات الفتنة، وهو ممن عملوا للدين منذ دُعِيَ إليه في أيام الإسلام الأولى بمكةَ، وشارك في مواقع الجهاد وساحاته حتى بشره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجنة..
وقد خرج طلحةُ والزبيرُ ومعهما أمُّ المؤمنين عائشةُ لِقَتْلِ مَنْ قَتَلَ أميرَ المؤمنين عثمانَ، لكنهم وجدوا أنفسَهم في مواجهة أمير المؤمنين عليٍّ بدلا من القَتَلَةِ ومثيري الفتنة، ورأى طلحةُ أمامَه ساحةً تَمُوجُ بالفتن، لا يُعرف فيها الحق من الباطل، فلما دعاه عليّ وذكَّره بأعمالِه وسوابِقِه رَجع عن القتال، واعتزل في بعض الصفوف، فأتاه سهمٌ لا يُعرَف رامِيه، فأصاب رُكبتَه، وسالَ منه الدمُ غزيرًا، فلما رآه القعقاعُ بن عمرو قال له: "يا أبا محمد، إنك لجريح، وإنك عما تريد لَعَلِيلٌ، فادْخل البيوتَ" فدخل ودمُه يسيل وهو يقول: "اللهمَّ خُذْ لعثمان مِنِّي حتى يرضَى"؛ فلما امتلأ خُفُّه دَمًا وثَقُلَ، قال لغلامه ارْدُفْني وأمْسِكْني وأبْلِغْنِي مكانا أنزل فيه. ومر به رجل من أصحاب عليٍّ، فقال له طلحةُ: أنت من أصحاب أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: امْدُدْ يَدَكَ أبايِعْك له، فبايَعه مخافةَ أن يموت وليست في عُنُقِهِ بَيْعةٌ.
وحمله غلامُه حتى انتهى به إلى دار خَرِبَةٍ من دُور البصرة، وقال طلحة: "لم أرَ كاليوم شيخا أضْيَعَ دمًا مِنِّي"، وكان إذا أمسكوه فَتَرَ الدَّمُ، وإذا تركُوه انْفَجَرَ، فقال لهم: اتركوه، فإنما هو سهم أرسله الله". فمات في تلك الخَرِبَةِ ـ رضي الله عنه ـ ودُفِنَ في بني سعد، وصُلِّيَ عليه.
أمر عليّ يوم الجمل بعدم الإجْهاز على جرحى أهل البصرة، وعدمِ تتبُّع الفارِّين، لكن قوما معه خالفوا أمره، فدَفع الديات لأولياء القتلى من بيت المال، وجمع في أرض المعركة ما يخص المنهزمين من الأمْتِعَةِ والأموال، ثم بعث به إلى مسجد البصرة، وقال: مَنْ عَرَف شيئا فليأخذْه، إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سِمَةُ السلطان.
ولم يتعرض ـ رضي الله عنه ـ لما في دُور البصرة من المتاع والأموال بعد وقعة الجمل، بل تركها إلى أصحابها، إلا ما كان من خراج بيت مال المسلمين، فإنه أخذه ليضمَّه إلى أموال الدولة.
لكنَّ أمْرَ الجند لم يمكنْ ضبطُه بدقة؛ إذْ تصرف بعضهم بخلاف ما أُمر به الإمام؛ ولذلك كان عليّ ـ رضي الله عنه ـ يدعو البُغَاة بعد القدرة عليهم إلى استرداد ما يجدونه من أموالهم في يد أحد من جنده، وقد وجد رجل من أهل الجمل قِدْرًا له في يَدِ رجُل من أصحاب عليّ كان قد أخذها من بيت ذلك الرجل ليطبخ فيها، فاستردّها.
وكان أمير المؤمنين ـ رضي الله عنه ـ لا يُحِل قتلَ أحدٍ من أسْرى مخالفيه من المسلمين ولا استرقاقَه، ولا يُحل سَبْيَ ذَرارِيهم.
وقد طعن عليه مثيرو الفتنة عقب موقعة الجمل، فقالوا: كيف يُحل دماءَهم ولا يُحل أموالَهم؟ فبلغ ذلك عليّا، فقال: "أيُّكم يحب أن تصيرَ أمُّ المؤمنين في سهْمِه (أي من سباياه)؟!!"، فسكت القوم. ولما دخل البصرة فرَّقَ في أصحابه أموالَ بيت المال.
بعد أن انتهت معركة الجمل أَدْخَلَ أميرُ المؤمنين عليٌّ أُمَّ المؤمنين عائشةَ ـ رضي الله عنها ـ في أعظم دار في البصرة، وأكرم نُزُلَهَا، وعاقب من انْتَقَصها. ولما أرادت الرحيل جهّزها بكل ما تحتاجه من مركب وزاد ومتاع، وأخرج معها كل مَنْ نجا ممن خرج معها، إلا مَنْ أحب المُقام، وأمر لها باثْنَيْ عشرَ ألفًا من المال، واختار لمرافقتها أربعين امرأة من كريمات نساء أهل البصرة المعروفات، وقال لأخيها: تَجَهَّزْ يا محمدُ، فبلِّغْها.
فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه، جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجت على الناس في حجابها فودّعوها وودّعتهم، وقالت: والله ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها (أي: أقارب زوجها)، وإنه عندي ـ على معتبتي ( أي مع عتابي له ) من الأخيار.
وقال علي: يا أيها الناس، صدقَتْ والله وبَرّتْ، ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجةُ نبيِّكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدنيا والآخرة.
وخرجت يوم السبت غرة رجب سنة ست وثلاثين، وشيّعها عليّ، وأخرج أبناءه معها يوما. فانصرفت إلى مكة وأقامت بها إلى الحج، ثم رجعت إلى المدينة، وكان عُمرها ـ رضي الله عنها ـ وقتئذٍ خمسًا وأربعين سنة.
لما فرغ علي من أمر الجمل بايعه الأحنفُ بن قيس في بني سعد ـ وكانوا قد اعتزلوا القتال وخرجوا من البصرة، ثم عادوا ودخلوها جميعا.
وبعث عليّ إلى الناس أن اخرجوا للبيعة، فبايعه أهل البصرة حتى الجرحى والمستأمنةُ، كما بايعه مروانُ، الذي خرج إلى المدينة ولم يتركها حتى فُرِغ من صِفِّين. وكان عليّ قد بايع أهل البصرة على راياتهم. ولما فرغ من بيعتهم نظر في بيت المال، فقسم ما فيه على مَنْ شهد معه الوقعة، وكتب إلى عُماله على الأمصار بما حدث في وقعة الجمل، وأمّر عبد الله بن عباس على البصرة.
بعدما انتهت معركة الجمل ودخل عليّ البصرة، وأخذ البيعة من أهلها، وشيّع أم المؤمنين عائشة إلى مكة ـ سار من البصرة إلى الكوفة، فدخلَها يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلةً خَلَتْ من رجب سنة ست وثلاثين من الهجرة، واتخذها مقرًا له، فقيل له: انزلْ بالقصر الأبيض، فقال: لا، إن عمر بن الخطاب كان يكره نزولَه، فأنا أكرهه لذلك..!!
فنزل في موضع آخر، وصلى في الجامع الأعظم ركعتين، ثم خطب الناسَ فحضَّهم على الخير، ونهاهم عن الشر، وامتدح أهلَ الكوفة.
ولما جاءت عليه أولُ جمعة خطب فيهم وذكَّرهم بالآخرة، ثم بعث إلى جرير بن عبد الله، وكان على هَمَذان من زمان عثمان، وإلى الأشعث بن قيس، وهو على نيابة أذْرَبِيجَان من زمان عثمان ـ بعث إليهما أنْ يأخذا البَيْعةَ ممن هناك من الرّعايا، ثم يُقْبلا إليه، ففعلا ذلك.
وأرسل أميرُ المؤمنين جريرَ بن عبد الله إلى معاوية بدمشق، يدعوه إلى طاعته، فجمع معاوية رؤساءَ الصحابة عنده وقادةَ الجيوش وأعيانَ أهل الشام، واستشارهم فيما يطلب عليّ، فقالوا: لا نبايعُه حتى يَقتل قَتَلَةَ عثمان، أو يسلّمهم إلينا.
ورجع جرير إلى الكوفة، وأخبر أميرَ المؤمنين بما قالوا، فخرج عليٌّ من الكوفة عازما على الدخول إلى الشام، فعسكر بالنخيلة، وقدم عليه عبدُ الله بن عباس بمن نَهَضَ معه من أهل البصرة، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر البدري الأنصاري.

ــــــــــــــ


12 – معركة صفين وأسبابها

لما فرغ علي من وقعة الجمل انتقل إلى الكوفة ليتخذَها عاصمةً لخلافته، وأرسل جريرَ بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى الطاعة، وقد دخلت جميع الأقطار في بيعته عدا الشام، فامتنع معاوية عن البيعة، واشترط قَتْلَ مَنْ قتلوا عثمان أولا، أو تسليمَهم لإقامة الحَدِّ عليهم.
وقد كانت أفاعيلُ هؤلاء القَتَلة تثير الحرب وتبعثها من تحت الرماد.
ولم يبايعْ أهلُ الشام كذلك، وقاموا بنُصْرة معاوية مطالبين بالثأر من قَتَلَةِ عثمان، أو تسليمِهم لإقامة الحدّ عليهم.
ودارت الرسل بين الطرفين، ومعاوية وأهلُ الشام مُصرُّون على القصاص من قَتَلَةِ عثمان قبل البيْعة، فأخذ عليّ يجهز للخروج إليهم، ويحض أهل الكوفة على الاستعداد، فخرج معه كثيرون، وإن كان قُرَّاءُ القرآن من تلاميذ ابن مسعود أبَوْا الخروجَ وسجلوا صورة مضيئة للمؤمن وسط هذه الفتن المظلمة. وفي أثناء ذلك سبَّ بعضُ الناس أهل الشام، فنهاهم عليّ عن ذلك، وأمرهم أن يقولوا: اللهم احقنْ دماءَنا ودماءَهم، وأصلِحْ ذات بيننا وبينهم.
وسار عليّ إلى صِفِّين، ولما علم معاوية بمسيره أسرع إلى هناك، وأقام الفريقان عدةَ أيامٍ يلتقون على الماء، ويسعى بعضُهم إلى بعض دون قتال، ولكنه الجدال والمناقشة.
ولم تُنْتِج المكاتباتُ والرسل نتيجةً، فلم يكن بُدٌّ من القتال، وأخذ علي يُعِدّ جيشه ويُوصِي جنودَه، وكذلك استعد معاوية، وبدأ القتال بين الفريقين، بعدما اجتهد كلاهما ليُصيبَ الحقَّ. وكأنما كان قتالا على اسْتحياءٍ من الطرفين؛ فتتقدم فرقة من هذا الجيش إلى فرقة من الجيش الآخر وتقع مناوشات صغيرة.. واستمر ذلك شهر ذي الحجة، ودخل شهر المحرم فتوقف القتال، وكانت الهُدْنَةُ لعل اللهَ يصلح بينهما على أمر يكون فيه حقنُ دماء المسلمين.
وكثرت السفراء بين الفريقين، وسَعى أبو الدرداء وأبو أُمامة للصلح بينهما، كما قام جماعةٌ من القُرَّاء بمحاولاتٍ للصلح بين الطرفين، ولكن دون جدوى، فاصْطَفُّوا للحرب في شهر صفر، واسْتُؤْنِفَ القتال، ولم يَغْلِبْ أحدٌ أحدًا، وظلوا أياما في حرب بلا حسم، فرأى الطرفان أنه لابد من مواجهة شاملة بين الجيشين لحسم المعركة.
ودارت رَحَى الحرب بينهم، فتقاتل الفُرْسان، وتبارز الشجعان، وقُتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين، مثل: عبيد الله بن عمر وذي الكَلاع من الشاميين، وعمار بن ياسر وهاشم بن عتبة من أصحاب عليّ، وطارت أَكُفٌّ ومَعَاصِمُ ورءوسٌ عن أجسادها، فظهرت لذلك بوادر الصلح بين الفريقين قبل رفع المصاحف على أسِنَّةِ الرماح.
لكن الحرب عادت لتشتدَّ في يوم الخميس تاسع صفر، ولم يصدَّهم عن القتال إقبالُ الليل، فما صلَّى الناسُ المغربَ والعشاءَ إلا بالإشارة، واستمر القتالُ هذه الليلةَ كلَّها، وهي من أعظم الليالي شرّا بين المسلمين، وتُسمى "ليلة الهرير"، تكسرت فيها الرماح، ونَفِدت النِّبال، وصار الناسُ إلى السيوف، واستمر القتال إلى ضُحى الجمعة، وكلا الفريقين صابر للآخر، والناس يكاد يُفني بعضُهم بعضًا، فأشار عمرو على معاوية برفْع المصاحف على أسِنَّةِ الرماح، ونادى المنادِي: هذا كتاب الله ـ عز وجل ـ بيننا وبينكم، مَنْ لِثُغُور أهل الشام بعد أهل الشام؟! ومَنْ لِثُغُور أهل العراق بعد أهل العراق؟!
فاستجاب علي ـ رضي الله عنه ـ لنداء الصلح، وأوقف القتال، ولجأ الفريقان إلى التحكيم وضرب عليٌّ أروعَ الأمثلة في سيرته مع مَنْ قاتَلَه يوم صِفِّين.
واعترض مثيرو الفتن على الصلح، لكن رغبةَ أكثر أهل الشام وأهل العراق كانت المصالحة والمسالمة مدة، لعل اللهَ يُحْدِثُ فيها اتفاقا بين المسلمين، وكتب بينهما كتاب القضية. وقد شارك هذا الأمر في تقوية وضع معاوية بن أبي سفيان بصورة أكبر، حتى تمت له السيطرة على مصر.
وهكذا انتهت هذه الفاجعةُ الكبرى، التي راح ضحيتَها آلافٌ من النفوس الطاهرة.
دفع بعضُ الثوار من قتلة عثمان ـ رضي الله عنه ـ بالأمور إلى حافة الهاوية، وأجَّجُوا الفتنة، وأكّدوا في حِسّ معاوية وأهل الشام مسئوليتَهم عن قتل عثمان. وكان معاوية قد أرسل إلى ابـنِ خالـه محمدِ بنِ أبي حُذيفـة عامـلِ عليٍّ على مصر، يطلـب منه أن يَدفع إليه رجلين شارَكَا في قَتل عثمان، فأرسل إليه ابنُ أبي حذيفة يقول: "لو طلَبْتَ مِنّا جَدْيًا رطْبَ السّرّة بعثمانَ ما دفعناه إليك"!
وكان أحدهم يرتجز يوم صِفِّين، مفتخرا بقتل أمير المؤمنين الشهيد عثمان بن عفان!
وقد بلغ من سيطرة هؤلاء السفهاء على مجريات الأمور بالكوفة أن الناس كانوا إذا سمعوا أحدا يذكر عثمان بخير ضربوه، فزجرهم عليّ لما علم بذلك ونهاهم عنه.
فهل كان في وسع معاوية عندما يسمع صوت البَغْي هذا أن يصم أذنيه؟ هل كان يُقْبَلُ منه أنْ يتجاهل كل ذلك؟!
إنها اليد المؤمنة التي أمسكت بالمصحف وتأْبَى أن تمتد إلى مسلم بسوء، فقد علمهم القرآن أن يكونوا رحماءَ بالمؤمنين، بل أذلةً بين أيديهم، وأن يكونوا أعزةً على من يحارب الحق ويمنع عن الناس ضياءه..
هؤلاء هم قُرَّاءُ القرآن الذين حضّهم علي بن أبي طالب مع أهل الكوفة؛ ليخرجوا معه لقتال أهل الشام، فأجابه جُلّ الناس إلى المسير، إلا أصحاب عبد الله بن مسعود في نحو أربعمائة رجل من القراء.
فقالوا: "يا أمير المؤمنين، قد شكَكْنا في هذا القتال مع معرفتنا فضلَك، ولا غنى بك ولا بالمسلمين عمن يقاتل المشركين، فولِّنا بعضَ هذه الثغور لنقاتل عن أهله".
فولاهم ثغرَ قزوين والريّ، وولّى عليهم الربيع بن خُثَيم، وعقد له لواء، وكان أول لواء عقد بالكوفة.
لم يقف الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ موقفَ الصمت إزاءَ ما يحدث بين المسلمين من شقاق ونزاع؛ فقد خرج أبو هريرة وأبو الدرداء لمنع القتال بين المسلمين يوم صفين، وقيل: بل خرج أبو الدرداء وأبو أمامة فدخلا على معاوية، فقالا له: يا معاوية، عَلامَ تقاتل هذا الرجلَ؟ فواللهِ إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاما، وأقرب منك إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحقّ بهذا الأمر منك.
فقال: أقاتله على دَمِ عثمان، وأنه آوَى قَتَلَتَه، فاذهبا إليه فقولا له: فلْيُقِدْنَا من قَتَلَةِ عثمان، ثم أنا أولُ مَنْ يبايعه من أهل الشام.
فذهبا إلى عليّ، فقالا له ذلك، فقال: هؤلاءِ الذِينَ تَرَيَانِ، فخرج خلقٌ كثيرٌ فقالوا: كلُّنا قَتَلَةُ عثمان! قال: فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة؛ فلم يشهدا لهم حربا.
ومن محاولات الصلح بين الفريقين أيضا أن قراء أهل العراق وقراء أهل الشام من أهل القرآن عسكروا ناحيةً، وكانوا قريبا من ثلاثين ألفا، فجاء جماعة من قراء العراق ـ منهم عَبيدة السلماني وعلقمة بن قيس وعامر بن عبد قيس وعبد الله بن عتبة بن مسعود وغيرهم ـ جاءوا للسعي في الصلح بين الفريقين، لكن الخلاف حول أولوية قَتْل قاتِلي عثمان ـ رضي الله عنه ـ حالَ دون نجاح هذه الجهود المخلصة.
وكان القراءُ يَحجزون بين الفريقين إذا زحف بعضهم إلى بعض، فلا يكون قتال، حتى اشتعلت الحرب بعدما فشلت محاولات الإصلاح.
وبات عليّ ليلتَه كلَّها يعبّئ الناسَ، ويكتّب الكتائبَ، ويدور في الناس يحرضهم ويوصيهم، وبرز معاوية صبح تلك الليلة، يجهز جيشه ويحرضهم، وبايع رجال من أهل الشام على الموت، وكانوا يخرجون ويصفون عشرة صفوف، ويخرج أهل العراق أحد عشر صفا، فتواقفوا على هذه الصفة أولَ يوم من صفر، واقتتلوا فكان أول يوم من أيام القتال في صفين بعد الهدنة.
لما عزم أهل الشام على نُصرة معاوية والقيام معه بطلب الثأر لعثمان، أقبل أبو مسلم الخولاني حتى قدم على معاوية، فدخل في أُناس من العباد، فقال له: يا معاوية، قد بلَغَنا أنك تهمّ بمحاربة علي، فكيف تناوئه وليست لك سابقته؟
فقال لهم معاوية: لست أدّعي أني مثله في الفضل، ولكن هل تعلمون أن عثمان قُتل مظلوما؟ قالوا: بلى.
قال: فلْيَدْفَعْ إلينا قَتَلَتَه، حتى نسلم إليه هذا الأمر.
قال أبو مسلم: فاكتبْ إليه بذلك حتى أنطلق أنا بكتابك، فكتب إليه بذلك.
فسار أبو مسلم بكتابه حتى ورد الكوفة، ودخل على أمير المؤمنين فناوله الكتاب، فقرأه. وقال أبو مسلم: يا أبا الحسن، إنك قد قُمْتَ بأمر وَوَلِيتَه، والله ما نحب أنه لغيرك إنْ أعطيتَ الحقَّ من نفسك؛ إن عثمان قُتِل مظلوما، فادْفَعْ إلينا قَتَلَتَه، وأنت أميرُنا، فإنْ خالفك أحدٌ من الناس كانت أيدينا لك ناصرةً، وألسنتُنا لك شاهدةً، وكنتَ ذا عذر وحُجة.
فقال له علي: اغْدُ عَلَيَّ بالغداة، وأَمَرَ به فأُنْزِلَ وأُكْرِمَ، فلما كان من الغد، دخل إلى عليّ وهو في المسجد، فإذا هو بزُهاء عشرة آلاف رجل قد لبسوا السلاح وهم ينادون: كلُّنا قَتَلَةُ عثمان.
فقال أبو مسلم لعلي: إني لأرى قوما ما لك معهم أمرٌ، وأحسب أنه بلغهم الذي قَدِمْتُ له ففعلوا ذلك خوفا من أن تدفعَهم إليَّ. ورجع أبو مسلم بذلك إلى معاوية بعد أن كتب له أمير المؤمنين كتابا يدعو معاوية إلى الطاعة ويحذِّرُه من الشقاق.
في يوم الأربعاء أول يوم من صفر كان بدء القتال بين الفريقين، إذْ خرج يومئذ على أهل الكوفة الأشْتَرُ، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا قتالا شديدا جُلَّ النهار، ثم تراجعوا من آخر يومهم وقد انْتَصَف بعضهم من بعضٍ وتكافأوا في القتال.
ثم أصبحوا من الغد؛ يوم الخميس، وأمير حربِ أهل العراق هاشم بن عتبة في خيل ورجالٍ حسنٍ عددُها وعُدّتُها، وخرج إليه أبو الأعور السلمي، فاقْتتلوا يومَهم ذلك، تحمل الخيل على الخيل، والرجال على الرجال، ثم انصرفوا وقد تساوت الكِفتان.
وخرج في اليوم الثالث ـ يوم الجمعة ـ عمار بن ياسر من ناحية أهل العراق وخـرج إليه عمرو بن العاص في الشاميين، فاقتتل الناس كأشد القتال، وحمـل عمار على عمرو بن العاص، فأزاله عن موقفه، وبارز زيادُ بن النضر الحارثي ـ وكان على الخيالة مع عمار ـ رجلاً، فلما تواقفا تعارفا؛ فإذا هما أخوان من أم، فانْصرف كل واحد منهما إلى قومه وترك صاحبه، وتراجع الناس من العشيّ، وقد صبر كل فريق للآخر.
وخرج في اليوم الرابع ـ وهو يوم السبت ـ خرج محمد بن الحنفية، ومعه جمع عظيم، فخرج إليه في كثير من جهة الشاميين عبيدُ الله بن عمر، فاقتتل الناس قتالا شديدا، وتحاجَزَ الناس يومهم ذلك وتراجعوا.
فلما كان اليوم الخامس ـ وهو يوم الأحد ـ خرج عبد الله بن عباس في العراقيين، وخرج إليه جيش الشاميين، ولم يُحسَم أمر الحرب أيضا.
وفي اليوم السادس ـ وهو يوم الإثنين ـ خرج على الناس من جهة العراقيين قيسُ بن سعد الأنصاري، وابنُ ذي الكَلاع الحِمْيَرِيّ من جهة الشاميين؛ فاقتتلوا قتالا شديدا وتصابروا ثم انصرفوا.
ثم خـرج الأشْتَرُ النَّخَعِيّ في اليـوم السابع ـ وهو يوم الثلاثاء ـ وعاد إليه قِرنه حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا، ثم انصرفوا عند الظهر، ولم يَغْلِبْ أحدٌ أحدا في هذه الأيام كلها، فرأى الطرفان أنه لابدَّ من حملةٍ عامَّةٍ لحسم الموقف.
بدأ القتال في صفين منذ أول يوم من صفر، واستمر حتى اليوم السابع من الشهر، دون أن يغلب أحد أحدا، فرأى علي أن يقاتل بجميع الجيش ويحمل عليهم حملة عامة، فقام في الناس فخطب فيهم بذلك، فوثبوا إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها، ولما كان من الليل خرج علي فعبّأ الناسَ ليلتَه كلَّها، حتى إذا أصبح زحف بالناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشام، وسأل علي عن القبائل من أهل الشام، فعرف مواقفَهم، فقال للأزْد: اكْفُونا الأزْدَ، وقال لخثعم: اكفونا خثعمًا، وأمر كل قبيلة أن تَكفيَه أختَها من الشام، إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد، فيَصرفها إلى قبيلة أخرى من الشام ليس بالعراق منهم أحد.
وتناهض الناس يومَ الأربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا نهارَهم كلَّه، ثم انْصرفوا عند المساء لا يغلب أحدٌ أحدًا، ولا يفر أحد من أحد، وأصبحوا من الغد، فصلَّى بهم عليٌّ الفجرَ، وباكَرَ القتالَ، ثم بدأ أهلُ الشام الخروجَ، فلما رأوه قد أقبل إليهم خرج إليه كبراؤهم، وعلى ميمنته عبد الله بن بديل، وعلى الميْسرة عبد الله بن عباس، والناس على راياتهم ومراكزهم، وعليٌّ في القلْبِ، ثم زحف إليهم بالناس، وأقبل معاوية وقد بايعه أهلُ الشام على الموت، فتواقف الناس في موطن مَهُولٍ وأمرٍ عظيم، وحمل عبد الله بن بديل أميرُ الميمنة على حبيب بن مسلمة أمير ميسرة الشام، فاضطره إلى التراجع حتى ألْجأه إلى القلب وفيه معاوية.
وأمر معاويةُ الشجعانَ أن يعاونوا ابن مسلمة على العودة، وبعث إليه يأمره بالحملة والكَرّة على ابن بديل، فحمل حبيب بمن معه من الشجعان على ميمنة أهل العراق، فأزالُوهم عن أماكنهم، وانكشفوا عن أميرهم، حتى لم يَبْقَ معه إلا زهاء ثلثمائة..
وأمر عليٌّ سهل بن حنيف، فقدم فيمن كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتهم جموعٌ لأهل الشام عظيمةٌ، فاحتملتْهم حتى ألجأتهم الهزيمة إلى عليٍّ، فانصرف يتمشى نحو الميسرة، فانْكشفت عنه مُضَرُ من الميسرة، وثبتت ربيعة معه، فأمر الأشْتَرَ أن يَلحق بالمنهزمين فيردَّهم، فسار فأسرع حتى استقبل المنهزمين من العراق، فجعل يؤنّبهم ويوبّخهم، ويحرض القبائل والشجعان منهم على الكَرَّة، فجعل طائفة تتابعه وآخرون يستمرون في هزيمتهم، فلم يزل ذلك دأبَه حتى اجتمع عليه خلقٌ عظيم من الناس، فجعل لا يَلقى قبيلة إلا كشفها، ولا طائفة إلا ردّها، حتى انتهى إلى أمير الميمنة، وهـو عبد الله بن بديل، ومعه نحو ثلثمائة قد ثبتوا في مكانهم، فسألوا عن أمير المؤمنين، فقالوا: حي صالح، فالتفوا حوله، فتقدم بهم حتى تراجع كثير من الناس، وذلك ما بين صلاة العصر إلى المغرب.
وتقدم ابنُ بديل إلى أهل الشام وحمل نحو معاوية، فلما انتهى إليه وجده واقفا أمام أصحابه وفي يده سيفان، وحوله كتائبُ أمثالُ الجبال، فلما اقترب ابن بديل تقدم إليه جماعةٌ منهم فقتلوه، وفر أصحابُه منهزمين؛ وأكثرهم جريح ..
ثم إن عليا لما رأى الميمنة قد اجتمعت نزل إلى الناس، فعاتب بعضهم وعذر بعضهم، وحرض الناس وثبتهم، ثم تراجع أهلُ العراق فاجْتمع شملُهم، ودارت رَحى الحرب بينهم، وجالُوا في الشاميين وصالوا، وتبارز الشجعان فقتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين، مثل عبيد الله بن عمر وذي الكَلاع من الشاميين، وعمار بن ياسر وهاشم بن عتبة من العراقيين، فخرج عليٌّ في اثني عشر ألفا، وتقدمهم على بغلته، فحمل وحملوا معه حملةَ رجلٍ واحدٍ، فلم يَبْقَ لأهل الشام صف إلا انتقض، وقتلوا كل مَن انْتهَوْا إليه، حتى بلغوا معاوية..
ثم قَدَّم عليٌّ ابنَه محمدًا في عصابة كثيرة من الناس، فقاتلوا قتالا شديدا، ثم تَبِعه عليٌّ في عصابة أخرى، فحمل بهم، فقُتل في هذا الموطن خلقٌ كثيرٌ من الفريقين لا يعلمُهم إلا الله، وطارتْ أكُفٌّ ومعاصِمُ ورءوس عن كواهلها ـ رحِمَهم الله تعالى وغَفَرَ لهم.
وكان هذا الحال المؤلم أهم دافع إلى وقف القتال والبحث عن الصلح، حقنا لدماء المسلمين الكثيرة التي سالت في هذه المعركة المشئومة.
ذاق عمار طعم الإيمان مبكرا، حينما أسلم في أيام الإسلام الأولى في مكة، وتحمل أذى السادة من قريش.. وقد كانت أبرز سمات عمار أنه يعمل بالحق متحمسا له بقوة وبسالة، مستعدا بالتضحية من أجله بكل ما يملِك..
كان عمار في معركة صفين يقاتل في جيش عليٍّ، وهو على يقين من أنه على الحق، فكان يقول والحربة في يده: "والذي نفسي بيده، لقد قاتلْت بهذه الراية مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاث مرات وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات (ورق الأغصان) هَجَر لعرفتُ أن مصلحينا على الحق، وأنهم على الضلالة".
وسئل عمار عن قتاله مع عليٍّ؛ رأيًا رأيتُموه؟ فإن الرأي يصيب ويخطئ، أو عهدا عهده إليكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئا لم يعهدْه إلى الناس كافة".
وأُتي عمار في المعركة بشربة لبن فضحك، وقال: "إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لي: آخر شرابٍ أشربُه لبنٌ حين أموت"، وقال لي: "تقتلُك الفئةُ الباغيةُ". وحمل عليهم وقاتلهم قتالا شديدا، وجاء إلى هاشم بن عتبة، وهو صاحب راية عليٍّ، فقال: يا هاشم تقدمْ، الجنةُ تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسِنَّة، وقد فتحت أبواب الجنة، وتزيَّنت الحورُ العِينُ:
اليومَ ألْقى الأحبه محمـدا وحِزْبَــه
ثم حملا هو وهاشم فقُتلا ـ رحمهما الله تعالى ـ وذاع خبرُ مقتل عمار في أهل الشام، وكان له وقْعٌ وأثرٌ مثبِّط لجُنْدِ معاوية، استطاع أن يتغلب عليه بحنكته السياسية.
امتـد القتال العنيف والشامل في صفين إلى ضحى الجمعة، فلمـا رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق قد اشتد، خاف على القوم الهلاك؛ فإن كلا الفريقين صابر للآخر، والناس يتفانَوْن، فقال لمعاوية: ندعوهم لكتاب الله أن يكون حَكَمًا بيننا وبينهم. فأمر معاوية برفع المصاحف على أسِنَّة الرماح، ونادى المنادي: هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم، مَنْ لِثُغور أهل الشام بعد أهل الشام! مَنْ لِثُغور أهل العراق بعد أهل العراق!! فلما رأى الناس المصاحف قد رُفعت قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب (أي نرجع) إليه.
وكان ممن دعا إلى ذلك ساداتٌ من الشاميين، فقام عبد الله بن عمرو بن العاص في أهل العراق، فدعاهم إلى الموادعة والكفِّ وترك القتال والائتمارِ بما في القرآن، وذلك عن أمر معاوية له.
وأرسل رجل إلى عليٍّ بذلك، فقال عليٌّ: "نعم، أنا أوْلى بذلك، بيننا وبينكم كتابُ الله". فجاءه السبئيَّة يعترضون على الصلح ويريدون القتال؛ ولكنه أرسل الأشعث بن قيس إلى معاوية ليتحرَّى الأمرَ، فأتاه فقال: يا معاوية، لأيِّ شيءٍ رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله ـ عز وجل ـ به في كتابه، تبعثون منكم رجلا ترضونه، ونبعث منا رجلا، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يَعْدُوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه، فقال له الأشعث بن قيس: هذا الحق، فانْصرفَ إلى عليّ، فأخبره بالذي قال معاوية؛ فقال الناس: فإنَّا قد رضينا وقبِلْنا، فقال أهل الشام: فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص. واختار أهل العراق أبا موسى الأشعري..
فتفرق أهل صِفّين حين حُكِّمَ الحَكَمَان، وكُتب في ذلك كتاب، واشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، ويخفضا ما خفضَ القرآنُ، وأن يختارا لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم، وأنهما يجتمعان بدُومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذْرُح، وكان ذلك لثلاث عشرة ليلةً خلَتْ من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة.
وخرج الأشعث بن قيس بذلك الكتاب، يقرؤه ويعرضه على الطائفتين، ثم شرع الناس في دفْن قتلاهم وإطلاق الأسرى.
لما حل شهر رمضان سنة سبع وثلاثين أرسل عليٌّ أبا موسى الأشعري حَكَما عنه في أربعمائة رجل، عليهم شريح بن هانئ الحارثي، ومعهم عبد الله بن عباس يصلِّي بهم ويَلي أمورهم، وبعث معاوية عمرَو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام وعليهم شُرَحْبِيلُ ابن السّمط، فتوافَوْا بدُومَة الجَنْدَل بأذْرُح، وهي نصف المسافة بين الكوفة والشام، وشهد معهم جماعة من رءوس الناس: كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
فلما اجتمع الحَكَمان تراوَضَا على تحقيق ما فيه مصلحة للمسلمين، ونظرا في تقدير أمور، وأخذا يتباحثان.. وقد قرر الحكَمان ومن معهما من كرام الناس عزلَ معاوية عن منصبه في الشام، وأن يُوكَل أمر النظر في إمامة المسلمين إلى كبار الصحابة وأعيانهم، مع استمرار سلطان عليٍّ على ما تحت يده، ويبقى معاوية متصرفا فيما تحت يده حتى يتم نظرُ الصحابة، ولكن لم يَلْتَقِ الصحابة لتنفيذ ما اتفق عليه الحكَمان.
وكان للتحكيم نتائج كثيرة؛ أهمها: ظهور الخوارج على مسرح الأحداث.
كانت مصيبة علي بن أبي طالب في جيشه أضخم من مصيبته فيمن خالفه وحاربه في الجمل وصِفِّين، فبينما كانت طائفةٌ كبيرة من هذا الجيش أهلَ شَغبٍ؛ اعترضوا على أميرهم، وأثاروا الفتن إشعالا للقتال بين أمير المؤمنين وبين مَنْ يُخالِفُه ـ كانت الجيوشُ المخالِفةُ لعليٍّ دائما تجنح للصلح وحقن الدماء ولزوم أبواب الحق إذا تبين لها.
وقد انصرف أمير المؤمنين من صفين وجيشُه في شِقاق واختلاف: فريق منه راضٍ بالتحكيم ظنا منهم أنه حاسم للخلاف وجامِع لكلمة المسلمين، وفريق كاره له يقول: كيف نُحكّم في دين الله الرجالَ؟! وهؤلاء اعتزلوا إخوانَهم، يقولون لهم: داهَنْتُم في دين الله، وأولئك يقولون: فارقْتُم إمامَنا.
وسلك عليٌّ من صِفّين طريقَ البرِّ على شاطئ الفرات حتى انتهى إلى هِيت، ثم جاوز النخيلة، فلما دخل الكوفة سمع رجلا يقول: واللهِ ما صنع عليٌّ شيئا، ذهب ثم انصرف في غير شيء!
فقال عليّ: "لَلذين فارقْناهم خيرٌ من هؤلاء".

ــــــــــــــ


13- ظهور فتنة الخوارج في أواخر عهد علي رضي الله عنه


ثم مضى ـ رضي الله عنه ـ فجعل يذكر الله ـ عز وجل ـ حتى دخل دار الإمارة في الكوفة، وقبلها حين قارب دخول الكوفة، اعتزله من جيشه قريبٌ من اثني عشر ألفًا، وهم الخوارج، ورفضوا أن يُساكِنُوه في بلده، ونزلوا بمكان يقال له حَرُوراء، وأنكروا عليه أشياءَ يزعمون أنه أخطأ فيها، فبعث إليهم عبد الله بن عباس، فناظرهم فرجَع أكثرُهم، وبقي بعضهم على الخروج، وظهر أمرُهم واشتدَّ، وأفسدوا في الأرض، وتعاهدوا فيما بينهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام على الناس في ذلك.
وكانوا يُعلنون عن آرائهم ويَصيحون صيحتَهم: لا حُكْمَ إلا لله، فكان الإمام علي يقول: "كلمة حق أُرِيدَ بها باطلٌ". ثم جعلوا يعرِّضون به في كلامهم، ويُسْمِعُونه شتمًا.
ولما بعث عليّ أبا موسى ومَنْ معه من الجيش إلى دُومَة الجَنْدَل في التحكيم، اشتد أمرُ الخوارج، وبالغوا في النكير على عليٍّ وصرَّحوا بكفره، وفَشَا فيهم ذلك وجاهروا به الناسَ، وتعرضوا لعليٍّ أثناء خُطبة له، وأسمعوه السبّ والشتم والتعريض بآيات من القرآن، فصبر على أذاهم وقال: "إن لكم عندنا ثلاثا: لا نمنعُكم صلاةً في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبَكم من هذا الفَيْءِ ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلُكم حتى تقاتلونا".
ولم يكتفوا بذلك حتى اجتمعوا في منزل أحدهم لاختيار أمير لهم، ثم اجتمعوا بعد ذلك للترتيب لخروجهم من الكوفة ليعتزلوا في مكان آخر؛ فخرجوا إلى موضع يقال له: النهروان، فسار إليهم أمير المؤمنين، ودارتْ موقعةُ النَّهروان على رقاب الخوارج.
بعث أمير المؤمنين عليٌّ عبدَ الله بن عباس إلى الخوارج ليناظرَهم، فلما أتى معسكرَهم قام ابنُ الكوَّاء فخطب في الناس، فقال: "يا حَمَلَةَ القرآن، هذا عبد الله بن عباس، فمن لم يكنْ يعرفه فأنا أعَرِّفُه: ممَّنْ يُخاصِم في كتاب الله بما لا يَعرفه، هذا مِمَّنْ نزل فيه وفي قومِه: (..بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) [ الزخرف: 58]، فرُدُّوه إلى صاحبه ولا تُواضِعُوه (أي لا تناقشوه ولا تدارسوه) كتابَ اللهِ.
فقال بعضُهم: واللهِ لَنُوَاضِعَنَّه، فإنْ جاء بحقٍّ نعرفُه لَنَتَّبِعَنَّه، وإن جاء بباطل لَنَكْبِتَنَّه بباطله، فلما كلمهم ابن عباس رجَعَ منهم أربعةُ آلافٍ كلُّهم تائبٌ، فيهم ابنُ الكوّاء، حتى أدخلهم عَلَى عَلِيٍّ الكوفةَ، فبعث عليٌّ إلى بقِيَّتهم، فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فَقِفُوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيننا وبينكم ألا تسفكوا دما حراما، أو تقطعوا سبيلا، أو تظلموا ذمة، فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء (..إن الله لا يحب الخائنين ) [ الأنفال: 58]. لكنهم خالفوا وخرجوا إلى النهروان.
اجتمع الخوارج ووقع اختيارُهم على عبد الله بن وهب الراسبي أميرا لهم، وكانوا يجتمعون كثيرا في بيوتهم لتصريف شئونهم وتحديدِ أهدافِهم والتخطيط لتنفيذِها، وفي أحدِ هذه الاجتماعات قال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنْفَاذ حكم الله، فإنكم أهل الحق، فقال أحدهم: نخرج إلى المدائن فننزلها، فنتملكها، ونُخرج منها سكانَها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيَقْدمون علينا.
فقال آخر: إنكم إنْ خرجْتم مجتمعين اتُّبِعتم ومُنعتم، ولكن اخرجُوا وحدانًا مستَخْفِين لئلا يفطَن بكم، فأما المدائن فإن بها مَنْ يمنعكم، ولكن سيروا حتى تنزلوا جسرَ النَّهْروان، وتُكاتِبُوا إخوانَكم من أهل البصرة، قالوا: هذا الرأيُ.
وكتب عبد الله بن وهب كتابا عاما إلى مَنْ هو على مذهبهم ومَسلكهم من أهل البصرة وغيرِها، وبعثُوا به إليهم ليوافُوهم، ويكونوا يدًا واحدة على الناس.
فلما عزموا على المسير تَعَبَّدُوا ليلتَهم ـ وكانت ليلة الجمعة ـ وساروا يوم السبت، ثم خرجُوا يتسلَّلون فرادى لئلا يعلم أحد بهم فيمنعهم.
وقد تَدَارَكَ جماعة من الناس بعضَ أولادهم وإخوانهم، فرَدُّوهم وأنَّبُوهم ووبَّخُوهم، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع، واجتمع إليهم مَنْ كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنَّهْروان وصارت لهم شوكة ومنعة، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة ونجدة، وعندهم أنهم متقربون بذلك إلى الله العلي العظيم، مع أنهم ارتكبوا الكثير من الباطل والفساد!
ظن الخوارج أنهم هم الأوصياء على الحق، وأنهم أهله دون الناس، وأعطوا أنفسهم أكثر مما تستحق.. ومع اجتهادهم في العبادة وقراءة القرآن، إلا أنهم لم يكن لهم فقه وعلم يضبط أعمالهم، فعاثُوا في الأرض فسادًا، وسَفَكُوا الدماءَ الحرام، وقطعوا السُّبُلَ، واستحلُّوا المحارمَ، وكان من جمـلة مَنْ قَتلـوه عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذبحوه ذبْحَ النِّعاج، وقتلوا زوجته معه، فلما بلغ ذلك عليا أرسل إليهم رسولا، فلمّا قَدِمَ عليهم عاجلوه بالقتل أيضا دون إمهالٍ. فلما بلغ ذلك عليا عزم على المسير إليهم.
وقد كان الفهمُ المقلوبُ للدين لدى هؤلاء الخوارج باديًا لكل ذي بصيرة؛ فمن فعالهم أنهم لما خرجوا إلى النهروان أصابوا مسلما ونصرانيا، فقَتَلُوا المسلمَ وأوصَوْا بالنصراني، وقالوا: احفظوا ذمةَ نبيِّكم، ولَقِيَهم عبدُ الله بن خباب بن الأرت، وفي عنقه مصحف ومعه امرأتُه وهي حامل، فقالوا: إن هذا الذي في عنُقِك لَيَأْمُرُنا بقتْلِك، قال: ما أحيا القرآنُ فأحْيُوه وما أماتَه فأمِيتُوه، فوَثَبَ رجلٌ منهم على رطبة فوضعها في فِيهِ فصاحوا به فلفظَهَا تورعًا، وعرض لرجل منهم خِنزير فضربه الرجل، فقتله، فقالوا: هذا فساد في الأرض، فقال عبد الله بن خباب: ما عَلَيَّ منكم بأسٌ، إني لمسلم، قالوا: حدِّثْنا عن أبيك، قال: سمعتُ أبي يقول: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنُه، يُمْسِي مؤمنًا ويصبح كافرًا، فكُنْ عبدَ الله المقتولَ ولا تكنْ القاتلَ".
قالوا: فما تقول في أبي بكر وعُمر؟ فأثْنى خيرا، فقالوا: ما تقول في عليٍّ قبل التحكيم، وفي عثمان ست سنين؟ فأثْنى خيرًا، فقالوا: فما تقول في الحكومة والتحكيم؟ قال: أقول إن عليا أعلمُ بكتاب الله منكم وأشدُّ تَوَقِّيا على دينه، وأنفذُ بصيرةً، قالوا: إنك لَسْتَ تتبع الهدى، إنك تتبع الرجالَ على أسمائها، ثم قَرَّبُوه إلى شاطئ النهر فذبحوه.
وساوموا رجلاً نصرانيًا في نخلة له، فقال: هي لكم، فقالوا: ما كنا نأخذُها إلا بثمن، فقال: ما أعجبَ هذا! تقتلون مثلَ عبد الله بن خباب، ولا تقبلون مني جني نخلة!! فلما بلغ أميرَ المؤمنين عنهم هذا الفساد عزم على قتالهم.
لما بلغ الناسَ صنيعُ الخوارج وإفسادُهم، خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهلِه أن يَخلُفَهم هؤلاء في أبنائهم وديارهم بهذا الصنع، وأشاروا على أمير المؤمنين بأن يبدأ بهؤلاء، ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شرهم، فاجتمع الرأي على هذا، وفيه خير عظيم لهم ولأهل الشام.
ونادَى منادِي عليٍّ في الناس بالرحيل، فعبَر بهم أميرُ المؤمنين الجسرَ فصلى ركعتين عنده، ثم سلك دير عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم شاطئ الفرات، ثم سلك ناحيةَ الأنْبار، وبعث بين يديْه قيسَ بنَ سعد، وأمَرَه أن يأتي المدائن، وأن يلقاه بنائبها سعد بن مسعود الثقفي في جيش المدائن؛ فاجتمع الناسُ هنالك على عليٍّ، وبعث إلى الخوارج أنْ أخرجوا إلينا قَتَلَةَ إخوانِنا منكم حتى نقتلهم، ثم نحن تارِكُوكم.. ثم لعل الله أن يُقبِل بقلوبكم، ويردَّكم إلى خيرٍ مما أنتم عليه. فبعثوا إلى عليٍّ يقولون : كلُّنا قَتَلَةُ إخوانِكم، ونحن مستحِلُّون دماءَهم ودماءَكم.
فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة، فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، والخطب الجسيم، فلم ينفع، وكذلك أبو أيوب الأنصاري أنَّبَهم ووبَّخَهم فلم ينفع. وتقدم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فوعظهم وخوفهم، وأنذرهم وحذرهم وتوعدهم، لكن الخوارج أبَوْا إلا ما عزموا عليه، وامتنعوا عن تسليم مَنْ قتلَ عبدَ الله بن خباب، فعبأ لهم أمير المؤمنين جيشه ليقاتلَهم، فجعل على ميمنته حُجرَ بن عدي، وعلى ميسرته شَبَثَ بن ربعي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرَّجَّالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة ـ وهم سبعمائة ـ قيسَ بن سعد، وتقدموا فاصطفّوا للقتال.
وعبّأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيدَ بن حصين الطائي، وعلى الميسرة شُرَيْح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزةَ بن سنان الأسديّ، وعلى الرَّجالة حُرْقُوص بن زهير السعدي، واصطفوا مواجهين أميرَ المؤمنين عليا وأصحابه.
سار الخوارجُ مَعَبَّئين إلى جيش عليٍّ، فقدّم أمير المؤمنين الخيل بين يديه دون الرجال، وصفّ الناس وراءَ الخيل صَفَّيْن، وقدّم منهم الرماة، وقال لأصحابه: كُفُّوا عنهم حتى يبدءوكم. وأقبلت الخوارجُ يقولون: لا حُكْمَ إلا لله، الرَّوَاحَ الرواحَ إلى الجنة! فحملوا على الخَيّالة الذين قدّمهم عليّ ففرّقوهم، حتى أخذت طائفةٌ من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فصار الخوارج صَرْعَى تحت سنابك الخيول، وقُتل أمراؤهم: عبد الله بن وهب، وحُرْقوص بن زهير، وشُرَيْح بن أوفى، وعبد الله بن شجرة. ولم يقتلْ من أصحاب عليّ إلا سبعة نفر، وجعل عليّ يمشي بين القتلى منهم ويقول: بؤسًا لكم! لقد ضرَّكم مَنْ غرَّكم! فقالوا: يا أمير المؤمنين، ومَنْ غَرَّهم؟ قال: الشيطانُ وأنفسٌ بالسوء أمارةٌ، غرّتْهم بالأمانيّ، وزيّنتْ لهم المعاصيَ، ونبّأتهم أنهم ظاهرون".
وكانت هذه الوقعة في التاسع من صفر سنة ثمان وثلاثين من الهجرة.
ولم يكن هذا آخرَ قتالٍ بين أمير المؤمنين عليٍّ وبين الخوارج، فقد نَدِمَ الذين تخلَّفُوا عن إخوانهم من الخوارج في النهروان، وجدّدوا الحرب ضد الخليفة، فقاتلهم قتالا مريرا، وكان لذلك أثر كبير في عصيان أهل الكوفة لأمير المؤمنين علي.
لما بلغ الناسَ صنيعُ الخوارج وإفسادُهم، خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهلِه أن يَخلُفَهم هؤلاء في أبنائهم وديارهم بهذا الصنع، وأشاروا على أمير المؤمنين بأن يبدأ بهؤلاء، ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شرهم، فاجتمع الرأي على هذا، وفيه خير عظيم لهم ولأهل الشام.
ونادَى منادِي عليٍّ في الناس بالرحيل، فعبَر بهم أميرُ المؤمنين الجسرَ فصلى ركعتين عنده، ثم سلك دير عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم شاطئ الفرات، ثم سلك ناحيةَ الأنْبار، وبعث بين يديْه قيسَ بنَ سعد، وأمَرَه أن يأتي المدائن، وأن يلقاه بنائبها سعد بن مسعود الثقفي في جيش المدائن؛ فاجتمع الناسُ هنالك على عليٍّ، وبعث إلى الخوارج أنْ أخرجوا إلينا قَتَلَةَ إخوانِنا منكم حتى نقتلهم، ثم نحن تارِكُوكم.. ثم لعل الله أن يُقبِل بقلوبكم، ويردَّكم إلى خيرٍ مما أنتم عليه. فبعثوا إلى عليٍّ يقولون : كلُّنا قَتَلَةُ إخوانِكم، ونحن مستحِلُّون دماءَهم ودماءَكم.
فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة، فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، والخطب الجسيم، فلم ينفع، وكذلك أبو أيوب الأنصاري أنَّبَهم ووبَّخَهم فلم ينفع. وتقدم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فوعظهم وخوفهم، وأنذرهم وحذرهم وتوعدهم، لكن الخوارج أبَوْا إلا ما عزموا عليه، وامتنعوا عن تسليم مَنْ قتلَ عبدَ الله بن خباب، فعبأ لهم أمير المؤمنين جيشه ليقاتلَهم، فجعل على ميمنته حُجرَ بن عدي، وعلى ميسرته شَبَثَ بن ربعي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرَّجَّالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة ـ وهم سبعمائة ـ قيسَ بن سعد، وتقدموا فاصطفّوا للقتال.
وعبّأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيدَ بن حصين الطائي، وعلى الميسرة شُرَيْح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزةَ بن سنان الأسديّ، وعلى الرَّجالة حُرْقُوص بن زهير السعدي، واصطفوا مواجهين أميرَ المؤمنين عليا وأصحابه.
سار الخوارجُ مَعَبَّئين إلى جيش عليٍّ، فقدّم أمير المؤمنين الخيل بين يديه دون الرجال، وصفّ الناس وراءَ الخيل صَفَّيْن، وقدّم منهم الرماة، وقال لأصحابه: كُفُّوا عنهم حتى يبدءوكم. وأقبلت الخوارجُ يقولون: لا حُكْمَ إلا لله، الرَّوَاحَ الرواحَ إلى الجنة! فحملوا على الخَيّالة الذين قدّمهم عليّ ففرّقوهم، حتى أخذت طائفةٌ من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فصار الخوارج صَرْعَى تحت سنابك الخيول، وقُتل أمراؤهم: عبد الله بن وهب، وحُرْقوص بن زهير، وشُرَيْح بن أوفى، وعبد الله بن شجرة. ولم يقتلْ من أصحاب عليّ إلا سبعة نفر، وجعل عليّ يمشي بين القتلى منهم ويقول: بؤسًا لكم! لقد ضرَّكم مَنْ غرَّكم! فقالوا: يا أمير المؤمنين، ومَنْ غَرَّهم؟ قال: الشيطانُ وأنفسٌ بالسوء أمارةٌ، غرّتْهم بالأمانيّ، وزيّنتْ لهم المعاصيَ، ونبّأتهم أنهم ظاهرون".
وكانت هذه الوقعة في التاسع من صفر سنة ثمان وثلاثين من الهجرة.
ولم يكن هذا آخرَ قتالٍ بين أمير المؤمنين عليٍّ وبين الخوارج، فقد نَدِمَ الذين تخلَّفُوا عن إخوانهم من الخوارج في النهروان، وجدّدوا الحرب ضد الخليفة، فقاتلهم قتالا مريرا، وكان لذلك أثر كبير في عصيان أهل الكوفة لأمير المؤمنين علي.
بعد موقعة النَّهْروان ندم من الخوارج مَنْ كانوا فارقوا أصحابَهم، ومَنْ لجأوا إلى راية أبي أيوب أثناء المعركة، ومن كان أقام بالكوفة منهم غيرَ مُنْحَازٍ، فتجمعوا آسِفِينَ على خذلانهم أصحابَهم، فقام فيهم أحد كبرائهم وخَطَبهم حاثّا لهم على قتال عليٍّ، فخرجوا إلى النُّخَيْلة، فأرسل إليهم عليّ عبدَ الله بن عباس ناصحا، فأبَوْا، فسار إليهم أمير المؤمنين، وطحنتهم جميعا الحربُ بالنُّخَيْلة، ولم يَنْجُ منهم إلا خمسة فقط.
لما انتهى أمير المؤمنين من أمر الخوارج في النهروان أمر أصحابه بالمسير إلى الشام لقتال معاوية ومن معه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نَفِدَتْ نِبالُنا وكَلّتْ سيوفُنا.. فانصرفْ بنا إلى مِصْرِنا (أي بلدنا) حتى نستعد بأحسن عُدّتنا، ولعل أمير المؤمنين يَزيد في عُدتنا عُدة مَنْ فارقنا وهلك منّا، فإنه أقوى لنا على عدوّنا.
فأقبل عليّ بالناس حتى نزلوا بالنُّخَيْلة فعسكر بها، وأمر الناس أن يلزموا مُعسكرَهم ويوطِّنوا أنفسهم على جهاد عدوهم، وأن يُقِلُّوا زيارة نسائهم وأبنائهم.
فأقاموا معه أياما متمسكين برأيه وقوله، ثم تسللوا حتى لم يَبْقَ منهم أحد إلا رءوس أصحابه، وأمسى المعسكر خاليا، فلما رأى ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيه في المسير إلى عدوهم، ووبَّخهم وأنَّبَهم وتَوَعَّدهم، وتلا عليهم آياتٍ في الجهاد من سُوَرٍ متفرقة، وحضّهم على المسير إلى عدوهم، فأبَوْا ذلك وخالفوه ولم يوافقوه، واستمروا في بلادهم، وتفرقوا عنه هنا وهناك.
لقد ضعُفت عزائمُهم، فملوا من القتال، وإذا كانت هذه حال الجيش فلا عجب مما آل إليه حال أمير المؤمنين عليّ نفسِه، فإن سلطانه صار إلى نقصان يوما بعد يوم، وهو كل ساعة يحرّضهم بما آتاه الله من فصاحة اللسان وبلاغة القول، فما ازدادوا إلا فتورا، وقليل منهم الذي أخلص القول والعمل.
وكثرت عليه الخوارج بحجّتِهم التي تَأوّلوها، وهي أنه حكَّم الرجال في دين الله ولا حُكْمَ إلا لله.
بلغ عليا مقتلُ محمد بن أبي بكر، وما انتهى إليه الأمر بمصر، وسيطرة عمرو بن العاص عليها، وتسليم الناس على معاوية بالخلافة، فقام علي في الناس خطيبًا فحضّهم على الجهاد والصبر والمسير إلى أعدائهم من الشاميين والمصريين، فلم يُجيبوه، وانتهى أمر العراقيين إلى الخروج على عليٍّ ومخالفته فيما يأمرهم به وينهاهم عنه، حتى طمع أهل فارس ومنعوا الخراج.
وبعد أن تم لمعاوية أمرُ مصرَ سيَّرَ إلى البصرة عبدَ الله بن الحضرميّ، فاجتمع إليه جمعٌ كثير ممن يطلب بثأر سيدنا عثمان ومن نُكِبَ في الجمل، ولم يصل معاوية بهذه المحاولة إلى نتائج مرضية له، فبدأ يجهز جيشه ليفرقه في الأنحاء الخاضعة لعليٍّ، خاصة بعدما رأى من عصيان جيوش أهل العراق لعلي، وصار معاوية يرى أنه أوْلَى بأمر المسلمين من عليٍّ، فبعث في سنة تسع وثلاثين النعمانَ بن بشير في ألفَيْ فارس إلى عين التمر، فانهزموا ولم يحققوا شيئا، وبعث ستة آلاف إلى هِيت، فلم يجد بها أحدا، فسار إلى الأنبار فأغار عليها واحتمل ما كان بها من أموال ثم عاد، كما بعث عبدَ الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة فارس إلى تَيْمَاء، فانهزموا أمام جيش عليٍّ وفروا هربا إلى الشام، وصارت السرايا بعد ذلك تتردد بين الجبهتين وكل يريد كَسْبَ أنصار له رغبة في إغلاق الباب في وجه الصراعات الطاحنة، حتى سير معاوية إلى مكة أميرًا على الموسم، ولكن الناس اختاروا غيره أميرًا للحج، فأَمَّهم وقضيت المناسك في سلام.
كما سير معاوية إلى اليمن والحجاز بسر بن أرْطَأة، فاستطاع أن يُدخِل اليمن في طاعته، وأَرسَلَ عليٌّ سريةً ردَّتْه عن الحجاز، وأصبحت دولة معاوية تتسع بمرور الوقت، في الوقت الذي تضيق فيه دولة عليٍّ.
وانتهى الأمر بأنْ جَرَتْ بينهما مهادنة بعد مفاوضات طويلة على وضْع الحرب بينهما، وكفِّ السيف عن هذه الأمة حقنا لدماء المسلمين، على أن يكون لعليٍّ العراق وبلاد فارس، ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه فيما تحت يده بجيش ولا غارة، وتراضيا على ذلك.
ولكن العراق كله كانت تضطرم فيه نار الخلاف والشقاق؛ ففريق هم شيعة عليّ، وآخرون خوارجُ لا يريدون عليا ولا معاوية، وفريق منافق يُظهر طاعة عليّ ويُخفى عداءه، فمَلَّهم أميرُ المؤمنين وسئِم إمارتَه عليهم، حتى خاطبهم بذلك في كثير من خطبه، وتمنّى أن يستريح منهم بلقاء الله تعالى، فلقي اللهَ شهيدا بأيدي الخوارج البغاة.
ازداد معاوية بن أبي سفيان بعد التحكيم قوة، واختلف الناس بالعراق على عليٍّ، ولم يدخل معاوية بعدَ صِفّين في حروب طاحنة، ولم يمر بالظروف الحرجة التي مر بها جيش عليٍّ في صراعه ضد الخوارج، فلم يعد له همّ إلا مصر التي كان يخشاها وأهلَها لقربهم منه، فأراد أن يضمها إليه كي يأمن خطرها عليه، فأرسل إلى مَنْ لم يبايعْ عليا ولم يأتمر بأمر نُوّابِه يخبرهم بقدوم الجيش عليهم سريعا، وكان واليها من قِبَلِ عليٍّ حينئذٍ محمد بن أبي بكر، وكان يواجه اضطرابات داخلية بسبب معاوية بن خديج ومسلمة بن مخلد ومَن اعتزلوا معهما بخربتا من العثمانية، إذْ كان أمرهم يزداد قوة يوما بعد يوم، خاصة حين انصرف عليٌّ من صِفّين وكان ما كان مِنْ أمْرِ التحكيم، ثم حين نكل أهل العراق عن قتال أهل الشام، فخرج معاوية بن خديج ومن معه مطالبين بدم عثمان، فلما علم أمير المؤمنين عليٌّ بذلك رأى أن محمدا لا تمكنه المقاومة فولّى على مصرَ الأشْتَرَ النَّخَعيّ، فتُوُفِّي في الطريق، وشق على محمد بن أبي بكر عزلُه، فأرسل إليه عليٌّ يثبته عليها، ويأمره بالصبر على أعدائه والاستعانة بالله.
فلما كانت سنة ثمان وثلاثين من الهجرة أرسل معاوية عمرَو بن العاص في ستةِ آلافٍ، فسار بهم حتى نزل أدنى مصر، فجاءه مَنْ خالفَ عليا وطالب بدم عثمان في عشرة آلاف، فكتب محمد إلى عليٍّ بالخبر واستمدَّه، فأرسل إليه أن يضم شِيعتَه إليه، ويأمره بالصبر ويَعِدُه بإنفاذ الجيوش إليه، فقام محمد في الناس وندبهم إلى الخروج معه، فقام معه قليل، لم يصمدوا أمام جيوش الشام وانْهزموا، ودخل عمرو بن العاص الفسطاطَ، وهرب محمد وخرج معاوية بن خديج يطلبه حتى التقى به فقتله.
وبقتل محمد بن أبي بكر اشتد أمر معاوية وصارت مصرُ في طاعته، وبايع له أهلُها، أما المدد الذي أرسله أمير المؤمنين لمساعدة محمد فإنه بَلَغَهُم وهم في الطريق قَتْلُهُ فرجعوا إلى عليٍّ بالخبر!
اختلف الناس على عليٍّ، فطمع أهل فارس وأهل كَرْمان في كَسْر الخراج، فغلب أهلُ كلِّ ناحية على ما يليهم، وأخرجُوا عُمَّالَهم، وطردُوا سهلَ بن حنيف عاملَ عليٍّ هناك، فقال ابن عباس لعليٍّ: أكفيك فارسَ. فقَدِم ابنُ عباس البصرة، ووجه زياد ابن أبيه إلى فارس في أربعة آلاف جندي، فدوّخ تلك البلاد، ولم يزل حتى عادوا بلا قتال إلى ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة، فأدَّوا الخراج وما كان عليهم من حقوق، فسكن الناس إلى ذلك بعدله وعلمه وصرامتِه.
وأتى زياد من قبل ابن عباس إصْطَخْر فنزلها وحصّن قلعة بها ما بين بيضاء إصطخر وإصطخر، فكانت تسمَّى قلعة زياد.
وهكذا أعاد ابن عباس وزياد الأمنَ وضبَطَا المنطقةَ، وأرْجعَاها طواعية إلى حكم أمير المؤمنين عليّ ـ رضي الله عنه.

ــــــــــــــ


14- استشهاد علي رضي الله عنه

أراد الله تعالى أن يُلحِق عليا ـ رضي الله عنه ـ بإخوانه السابقين شهيدا في زمرة الصالحين؛ فاجتمع ثلاثة من الخوارج، فتذاكرُوا ما حَلّ بأصحابهم في النهروان وغيرها، وعابوا على ولاتهم، وما صار إليه حال الأمة، ثم ذكروا أهل النهروان، فترحّموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا، إخوانُنا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شَرَيْنَا أنفسَنا فأتَيْنا أئمة الضلالة فالْتَمَسْنا قَتْلَهم، فأرحْنا منهم البلادَ وثأرْنا بهم لإخواننا!
ورأوا أن عليا ومعاوية وعَمْرًا من أسباب بلاء الأمة؛ لذا قرروا التخلص منهم، فاتفقوا على أن يذهب عبد الرحمن بن مُلْجَم المراديّ إلى الكوفة فيقتل عليا، ويذهب البرك بن عبد الله التميميّ إلى الشام فيقتل معاوية بن أبي سفيان، ويذهب عمرو بن بكر التميميّ إلى مصر فيقتل عمرو بن العاص.
فتعاهدوا وتواثقوا بالله، أن لا يجبن رجل منهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونَه، فأخذوا أسيافهم فسمُّوها، وتواعدوا على صلاة فجر يوم السابع عشر من رمضان لتنفيذ الخطة تَيَمُّنًا بيوم غزوة بدر الكبرى، حسب تصور نفوسهم المريضة وعقولهم الفاسدة، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وأقبل كل رجل منهم إلى البلد الذي فيه صاحبه الذي يطلب قتله، ولما حان موعد تنفيذ الجريمة نجح الأول وفشِل الآخران.
ففي الليلة التي اتفقوا فيها على إيقاع القتل بالرجال الثلاثة، أخذ كل واحد منهم يعد سيفَه، ويهيئ نفسه، فخرج البرك بن عبد الله وقعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الفجر شد عليه بسيفه، فوقع السيفُ في إليته ولم يُمِتْه، فأُخذ هذا الخارجي، وأُحضِر إلى معاوية، فأمر به فقُتل، واتّخذ معاوية بعدها المقصورةَ.
وأما عمرو بن بكر فجلس لعمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يخرج، وكان اشتكى بطنَه، فأمر خارجةَ بن حذافة بالصلاة، وكان صاحبَ شرطتِه، فخرج ليصلي فشد عليه وهو يرى أنه عمرو فضربه فقتله، فأخذه الناس، فانطلقوا به إلى عمرو، فقال له عمرو: أردْتَني وأراد اللهُ خارجةَ، وقدّمه فقُتل.
وأما علي فراح شهيدا بضربة ابن ملجم.
مَلَّ أميرُ المؤمنين عليٌّ أهلَ العراق وسئِم إمارتَه عليهم، حتى صرّح لهم بذلك في كثير من خُطَبِه، وتمنّى من الله الموتَ إذا كان خيرًا له؛ لأن الفتن عظم أمرُها من حوله.
وفي سنة أربعين من الهجرة تحقق ما صَبَتْ إليه نفس الإمام؛ إذ اجتمع ثلاثةٌ من الخوارج وخطَّطوا لقتْله وقتل معاوية وعمرو بن العاص، وبيَّتُوا لذلك، وبينما الخليفة الإمام يقترب من باب المسجد، وقيل: بل وهو يتهيأ للصلاة، بعد أن عبر شوارع الكوفة يُوقِظ أهلَها لصلاة الفجر، ويُنادِيهم بصوته الجليل: "الصلاةَ، أيها الناس، الصلاةَ، يرحمكم الله"! اقترب منه في لجّة الظلام واحد من الخوارج اسمُه عبد الرحمن بن مُلْجَم مُنفِّذًا جريمتَه، وكان الإمامُ بلا حرس، فكان اغتياله عملا يسيرا.
ولم تكن الجريمة تتطلب أي جَلَدٍ أو قوة أو بطولة، إنما كانت تتطلب ضميرا ميتا وتفكيرا ضالا، وقلبا أعمى، وهوى مُتَّبَعًا، وإرادةً سَلِيبةً..!!
وفرغ الناس من صلاة الفجر، وجاءوا إلى أمير المؤمنين مسرعين، وأتوه بقاتلِه ابنِ مُلجم ماثلاً بين يديه، فقال لهم: إن مُتُّ فاقْتُلوه كما قتلني، وإن بقِيتُ رأيتُ فيه رأيي، ونهاهم عن المُثْلة به، ثم سألوه أن يَستخْلِف عليهم، ولكنه أبَى ذلك، ثم دعا بَنِيهِ وعلى رأسهم الحسنُ والحسينُ، وراح يملي عليهم وصيتَه.
كان الاعتداءُ على حياة الإمام قد وقع فجر يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة، وكانت وفاته يوم الأحد التاسع عشر من شهر رمضان، لتنتهي بذلك دولة الخلفاءِ الراشدين، ولتبدأ دولة المُلك الموروث.
وقد غسّل أميرَ المؤمنين ابناه الحسنُ والحسينُ وعبدُ الله بن جعفر، وكفنوه وصلَّوْا عليه ودُفن، لكن قبره مجهول المكان.
لما احتضر عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ جعل يُكثِر من قول لا إله إلا الله، لا يتلفظ بغيرها، وقيل: إن آخر ما تكلم به هو: ( فمَن يعملْ مِثْقَالَ ذرَّةٍ خيرًا يَرَه. ومَن يعملْ مِثْقَالَ ذرَّةٍ شَرًا يَرَه ).
وقد أوصى ولديْه الحسنَ والحسينَ بتقوى اللهِ والصلاةِ والزكاةِ، وكظمِ الغيظِ وصلةِ الرحِمِ، والحِلمِ عن الجاهل، والتفقّهِ في الدين، والتثبّتِ في الأمر، والتعاهدِ للقرآن، وحُسْنِ الجوارِ، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر، واجتنابِ الفواحش، ووصّاهما بأخيهما لأبيهما محمدِ بنِ الحنفيةِ خيرًا.
ووصّى ابنَه محمدا بما وصّاهما به، وأنْ يعظّمهما، ولا يقطع أمرا دونهما، وكتب وصيته كلَّها في كتاب، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قُبض في شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة.
وبالرغم من أن عليا أبى أن يوصي بالخلافة من بعده إلى ابنه الحسن أو غيره، إلا أن أهل العراق بايعوا الحسن بالخلافة بعد موت علي ـ رضي الله عنه.

ــــــــــــــ


15- تنازل الحسن بالخلافة لمعاوية رضي الله عنهما

قُتِل عليٍّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ولم يُوصِ لأحد من بعده، فاتّجه أهلُ العـراق إلى الحسن بن عليٍّ، فبايعوه، وقام أهلُ الشام فبايعوا معاوية بِبَيْتِ المقْدس.
ثم سار الحسن في جنود العراق عن غير حب منه ولا إرادة لذلك، وسار معاوية في أهل الشام، فلما عسكر الحسنُ بإزاء جيش معاوية لاحت بوادر قتال، فكره الحسن حفيد نبي الرحمةِ العودة إلى إراقة دماء المسلمين بأيدي المسلمين، وقام في أهل العراق خطيبا يمهد لأمر الصلح، فلما رأى منه أهل العراق ذلك تطاولوا عليه، لكن نسل بيت النبوة أدرك أنه لابد من الإسراع بأمر الصلح وحقن دماء المسلمين، لإصلاح حال الأمة.
فلما تقابل الفريقان عَرَضَ معاوية على الحسن الصلحَ، وتبادل الحسن ومعاوية الرسل، وانتهى الأمر إلى اتفاق الفريقين، فأعْلَمَ الحسنُ أصحابه بأمر الصلح وتنازُلِه عن الخلافة في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين من الهجرة.
ورجع الحسنُ إلى الكوفة، والْتَقى فيها بمعاوية في غرة جمادى الأولى من هذه السنة، وبايعه الحسن والحسين وأهل العراق، وخطب الحسن في الناس، وتسلم بذلك معاوية بلادَ العراق، وأخذ يراوض قيسَ بن سعد على البيعة حتى بايعه، وترحّل الحسن بن علي ومعه إخوتُه وبقيةُ آلِ البيت المطهرين ـ عليهم رضوان الله ـ من أرض العراق إلى المدينة المنورة.
وجعل كلّما مرَّ بحيٍّ من شِيعتهم يلومُونه على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية، وهو في ذلك البارّ الراشد الممدوح، وليس يَجد في صدره حرجًا ولا تلوُّمًا ولا نَدَما، بل هو راضٍ بذلك مستبشر به.
وما فعله الحسَنُ ابن بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو عين ما أنبأ به النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أن الله مصلح بابنه ذاك بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فمدحه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قبل على صنيعه هذا، ورغبته عن سلطان الدنيا ومتاعها، وحَقْنِه دماء الأمة المسلمة.
وقد استبشر المسلمون خيرًا بتلك المصالحة، وترك صنيعُ الحسن صدى طيبا في نفوس المسلمين، وأثنى عليه كثير من علماء أهل السنة، ورأوا فيما فعل تحقيقا لبشرى جده النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم.
وحمد المسلمون ربَّهم على كشف غمة الفتنة، وأصبح معاوية خليفةً للأمة الإسلامية كلِّها، واستوثقت له الممالك شرقا وغربا، وبُعدا وقُربا،وسمَّى المسلمون هذا العام عامَ الجماعةِ؛ لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد فرقة مُرّة، ونُقلت عاصمة الخلافة من الكوفة إلى دمشق. واستقر الأمر لمعاوية ـ رضي الله عنه ـ إلى أن مات سنة ستين من الهجرة.
يقول الحسن البصري: لقد سمعتُ أبا بكرة ـ رضي الله عنه ـ يقول: رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المنبر والحسن بن عليٍّ إلى جنْبِه، وهو يُقْبِلُ على أصحابه فيحدّثهم، ثم يُقْبِلُ على الحسن فيقبِّلُه، ويقول: "إنَّ ابْنِي هذا سيدٌ، ولعل اللهَ أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" رواه البخاري.
ولعل الحسن ـ رضي الله عنه ـ ظل حياتَه كلَّها يتمنى تحقيق هذه البشارة، وظهر هذا من نصائحه المتكررة لوالده بترْكِ القتال.
وعندما بايع الناس الحسن على الخلافة اقتربت هذه البشارة من التحقق، وظهرت ملامح السلام في بيعته، وبوادر تحقيق بشرى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له.
وما هي إلا أيام قليلة حتى كان الصلحُ بينه وبين معاوية، وحقْنُ دماء المسلمين، ودخولُ الناس جميعا في الجماعة في ظل بَيْعةِ أميرٍ واحد.
وقد مدحه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على صنيعه هذا قبل أن يصبح واقعا، إذْ ترك سلطان الدنيا الفانية رغبة في آخرة هي خير وأبقى، وحقنا لدماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة، وجعل المُلْكَ بِيَدِ معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد، وسمي ذلك العام "عام الجماعة".
كان تسليم الحسن الخلافةَ لمعاوية محققا لبشارة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له؛ إذْ هو السيد الذي أصلح الله به بين طائفتين عظيمتين، كذلك كان به انقضاء دور الفتن والشقاق الذي كان مبدؤه من النصف الثاني من خلافة عثمان.
وقد استمرت الفتنة مشتعلة بضع سنوات، ولو كانت في أمة أخرى لهدمت أركانها، وقوضت بنيانَها، ولكن الله الرحمن الرحيم نظر إلى دينه القويم بعين عنايته، وبعظيم رحمته، وبجميل لطفه، فألّف قلوب أهله، وحفظه كما وعد.
وكان عقد البيعة من الحسن لمعاوية في ربيع الأول، أو الآخر سنة إحدى وأربعين، وحرص الصحابة من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان على جمع الكلمة، ونبْذ الفُرقة، والدخول في الجماعة، فسُمّي ذلك العام عامَ الجماعة؛ لدخولهم جميعا في طاعة أمير واحد، واجتماعهم بعد الفُرقة، ولاستئنافهم الجهادَ وتفرغِهم للفتوح ونشر دعوة الإسلام، بعد أن عطّل قَتَلَةُ عثمان سيوفَ المسلمين عن أداء هذه المهمة خمسَ سنوات، كان يستطيع المسلمون أن يسجلوا فيها أمجادا كبعض الذي حققوه من قبل في ظل الخلافة الراشدة.

ــــــــــــــ

azoz
11-28-2008, 01:43 AM
الفدائي الأول علي بن أبي طالب

إنه الصحابي الجليل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم :، أبوه هو أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب، وأمه السيدة فاطمة بنت أسد بن هاشم -رضي الله عنها-.
ولد علي -رضي الله عنه- قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، وكان أصغر إخوته، وتربى في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليّا إلى الإيمان بالله وحده، فأسرع -رضي الله عنه- بقبول الدعوة، ودخل في دين الله، فكان أول من أسلم من الصبيان.
ولما رآه أبو طالب يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أي بني، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال علي: يا أبي، آمنت برسول الله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته، فقال أبو طالب: أما إنه لم يَدْعُك إلا لخير، فالزمه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب عليّا، ويثني عليه، فكان يقول له: "أنت مني وأنا منك" [البخاري]. وكان يقول له: "لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق" [مسلم].
وعندما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم الهجرة إلى المدينة، أمر علي بن أبي طالب أن ينام في فراشه، وفي ليلة الهجرة في جنح الظلام، تسلل مجموعة من كفار مكة، وفي يد كل واحد منهم سيف صارم حاد، وقفوا أمام باب بيت النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون خروجه لصلاة الفجر، ليضربوه ضربة رجل واحد، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتلك المؤامرة، وأمره بالخروج من بينهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد أعمى الله أبصار المشركين، فألقى النبي صلى الله عليه وسلم التراب على رؤوسهم وهو يقرأ قول الله تعالى: (وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون). [يس: 9].
ولما طلعت الشمس؛ استيقظ المشركون، وهجموا على البيت، ورفعوا سيوفهم، ليضربوا النائم، فإذا بهم لا يجدونه رسول الله، وإنما هو ابن عمه علي بن أبي طالب، الذي هب واقفًا في جرأة ساخرًا من المشركين، ومحقرًا لشأنهم.
وظل عليٌّ في مكة ثلاثة أيام بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لكي يرد الودائع، كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم :، ولما هاجر وجد النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين المهاجرين والأنصار، فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أنت أخي في الدنيا والآخرة" [ابن عبد البر].
وقد بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فكان أحد العشرة المبشرين بها، وقد زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابنته فاطمة -رضي الله عنها-، وقدم عليٌّ لها مهرًا لسيدة نساء العالمين وريحانة الرسول صلى الله عليه وسلم .
وعاش علي -رضي الله عنه- مع زوجته فاطمة في أمان ووفاق ومحبة، ورزقه الله منها الحسن والحسين.
وذات يوم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار علم فلم يجده، فسأل عنه زوجته فاطمة الزهراء: "أين ابن عمك"؟ فقالت: في المسجد، فذهب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم هناك، فوجد رداءه قد سقط عن ظهره وأصابه التراب فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يمسح التراب عن ظهره، ويقول له: "اجلس يا أبا تراب..اجلس يا أبا تراب"[البخاري].
وشهد علي مع النبي صلى الله عليه وسلم جميع الغزوات، وعرف بشجاعته وبطولته، وفي يوم خيبر قال النبي صلى الله عليه وسلم "لأعطين الراية غدًا رجلا يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو قال: يحب الله ورسوله)، يفتح الله على يديه" [البخاري].
فبات الصحابة كل منهم يتمنى أن يكون هو صاحب الراية، فلما أصبح الصباح، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عليّ، فقيل له: إنه يشتكي عينيه يا رسول الله، قال: "فأرسلوا إليه، فأتوني به".
فلما جاء له، بصق في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلتم حتى يكونوا مثلنا: "أنفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم" [البخاري]. ففتح الله على يديه.
ولما نزل قول الله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا) [الأحزاب: 32]، دعا الرسول صلى الله عليه وسلم فاطمة وعليًا والحسن والحسين-رضي الله عنهم-في بيت السيدة أم سلمة، وقال: "اللهمَّ إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" [ابن عبد البر].
وعرف علي -رضي الله عنه- بالعلم الواسع، فكانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- إذا سئلت عن شيء قالت: اسألوا عليًّا وكان عمر كذلك.
وكان عليٌّ يقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل.
وكان أبو بكر وعمر في خلافتيهما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفان لعلي الفضل، وقد اختاره عمر ليكون من الستة أصحاب الشورى الذين يختار منهم الخليفة، ولما استشهد عثمان -رضي الله عنه- اختير عليّ ليكون الخليفة من بعده.
ولما تولي عليّ الخلافة نقل مقرها من المدينة إلى العراق، وكان -رضي الله عنه-يحرص على شئون أمته فيسير بنفسه في الأسواق ومعه درعه (عصاه) ويأمر الناس بتقوى الله، وصدق الحديث، وحسن البيع، والوفاء بالكيل والميزان.
وكان يوزع كل ما يدخل بيت المال من الأموال بين المسلمين، وقبل وفاته أمر بتوزيع كل المال، وبعد توزيعه أمر بكنس بيت المال، ثم قام فصلى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة.
وكان -رضي الله عنه- كثير العبادة، يقوم من الليل فيصلي ويطيل صلاته، ويقول مالي وللدنيا، يا دنيا غرِّي غيري.
وقد جاءت إليه امرأتان تسألانه، إحداهما عربية والأخرى مولاة، فأمر لك واحدة منهما بكسر من طعام وأربعين درهمًا، فأخذت المولاة الذي أعطيت وذهبت، وقالت العربية: يا أمير المؤمنين، تعطيني مثل الذي أعطيت هذه وأنا عربية وهي مولاة؟ فقال لها علي -رضي الله عنه- : إني نظرت في كتاب الله -عز وجل- فلم أر فيه فضلاً لولد إسماعيل على ولد إسحاق -عليهما الصلاة والسلام-.
وفي آخر خلافة علي -رضي الله عنه- كانت الفتنة قد كبرت، وسادت الفوضى أرجاء واسعة من الدولة الإسلامية، فخرج ثلاثة من شباب الخوارج، وتواعدوا على قتل من ظنوا أنهم السبب المباشر في تلك الفتن وهم علي، ومعاوية،
وعمرو بن العاص، فأما معاوية وعمرو فقد نجيا، وأما عليٌّ فقد انتظره الفاسق عبد الرحمن بن ملجم، وهو خارج إلى صلاة الفجر، فتمكن منه، وأصابه في رأسه إصابة بالغة أشرف منها على الموت، وكان ذلك في سنة (40 هـ)، وعمره آنذاك (65) سنة.
ودفن بالكوفة بعد أن ظل خليفة للمسلمين خمس سنين إلا أربعة أشهر، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أربعمائة حديث، فرضي الله عنه وأرضاه.
ــــــــــــــ
علي بن أبى طالب
إسلامه
سبب إسلامه أنه دخل على النبي صلى اللّه عليه وسلم ومعه خديجة رضي اللّه عنها وهما يصليان سواء، فقال: ما هذا؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "دين اللّه الذي اصطفاه لنفسه وبعث به رسوله، فأدعوك إلى اللّه وحده لا شريك له، وإلى عبادته والكفر باللات والعزى"
فقال له عليٌّ: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلستُ بقاضٍ أمراً حتى أحدث أبا طالب.
وكره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يفشي سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: "يا عليّ! إن لم تُسلم فاكتم هذا".
فمكث عليٌّ ليلته، ثم إن اللّه تعالى هداه إلى الإسلام، فأصبح غادياً إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلم على يديه، وكان عليٌّ رضي اللّه عنه يخفي إسلامه خوفاً من أبيه، إلى أن اطلع عليه وأمره بالثبات عليه فأظهره حينئذٍ. أما أبو طالب فلم يرض أن يفارق دين آبائه، وتقول الشيعة: إنه أسلم في آخر حياته.
عن أنس بن مالك قال: بُعث النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الاثنين، وأسلم عليٌّ يوم الثلاثاء، وهو ابن عشر سنين، وقيل: تسع، ولم يعبد الأوثان قط لصغره
ليلة الهجرة
قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة بعد أن هاجر أصحابه إلى المدينة، ينتظر مجيء جبريل عليه السلام وأمْرَه له يخرج من مكة بإذن اللّه له في الهجرة إلى المدينة، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت بالنبي وأرادوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أرادوا، أتاه جبريل عليه السلام وأمره أن لا يبيت في مكانه الذي يبيت فيه، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب فأمره أن يبيت على فراشه ويتسجَّى بِبُرد له أخضر ففعل، ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على القوم وهم على بابه. وتتابع الناس في الهجرة، وكان آخر من قدم المدينة من الناس ولم يُفتن في دينه عليّ بن أبي طالب.
ولما أمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يضطجع على فراشه قال له: إن قريشاً لم يفقدوني ما رأوك، فاضطجع على فراشه.
وكانت قريش تنظر إلى فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيرون عليه عليّاً فيظنونه النبي صلى اللّه عليه وسلم، حتى إذا أصبحوا رأوا عليه عليّاً. فقالوا: لو خرج محمد لخرج بعليٍّ معه، فحبسهم اللّه بذلك عن طلب النبي حين رأوا عليّاً.
هجرته الى المدينة
قال عليٌّ رضي اللّه عنه: "لما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة في الهجرة أمرني أن أقيم بعده حتى أؤدي ودائع كانت عنده للناس، ولذا كان يسمى الأمين، فأقمت ثلاثاً فكنت أظهر ما تغيبت يوماً واحداً.
ثم خرجت فجعلت أتبع طريق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى قدمت بني عمرو بن عوف ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقيم، فنزلت على كلثوم بن الهِدم، وهنالك منزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم".
خرج عليّ رضي اللّه عنه قاصداً المدينة، فكان يمشي الليل ويُكمن النهار حتى قدم المدينة، فلما بلغ النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم قدومُه قال: "ادعوا لي عليّاً".
قيل: يا رسول اللّه لا يقدر أن يمشي، فأتاه النبي صلى اللّه عليه وسلم، فلما رآه اعتنقه وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وكانتا تقطران دماً، فتَفَل النبي صلى اللّه عليه وسلم في يديه ومسح بهما رجليه ودعا له بالعافية، فلم يشتكهما حتى استشهد رضي اللّه تعالى عنه.
أبو تراب
دخل عليٌّ على فاطمة ثم خرج من عندها فاضطجع في المسجد، ثم دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على فاطمة، فقال لها: "أين ابنُ عمك؟"
فقالت: هو ذاك مضطجع في المسجد، فجاءه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول: "اجلس أبا تراب"، فواللّه ما سمَّاه به إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وواللّه ما كان له اسم أحبَّ إليه منه.
غزواته فى سبيل الله
شهد عليٌّ رضي اللّه عنه الغزوات مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فكان له شأن عظيم، وأظهر شجاعة عجيبة، وأعطاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اللواء في مواطن كثيرة.
في غزوة بدر الكبرى، كان أمام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما مع عليٍّ يقال لها (العقاب) والأخرى مع الأَنصار. وأمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يبارز في هذه الغزوة الوليدَ بن عتبة، فبارزه وقتله وكان من أشد أعداء رسول اللّه.
وفي غزوة أحد قام طلحة بن عثمان فقال: يا معشر أصحاب محمد! إنكم تزعمون أن اللّه يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم أحد يعجله اللّه بسيفي إلى الجنة، أو يعجلني بسيفه إلى النار؟؟
فقام إليه عليٌّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال: والذي نفسي بيده، لا أفارقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار، أو تعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه عليٌّ فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته.
فقال: أنشدك اللّه والرحم يا ابن عم، فتركه، فكبَّر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقال لعليٍّ أصحابُه: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييتُ منه.
وفي غزوة خيبر أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اللواء عمر بن الخطاب ونهض من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يجبنه أصحابه ويجبنهم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لأعطين اللواء غداً رجلاً يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله" فلما كان من الغد تطاول لها أبو بكر وعمر فدعا عليّاً، وهو أرمد فتفل في عينيه وأعطاه اللواء
وأرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليّاً والزبير بن العوام في أثر المرأة التي أعطاها حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش وذلك لمَّا أجمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسير إلى مكة. فخرجا وأدركاها بالحليفة فاستنزلاها فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئاً. فقال لها عليُّ بن أبي طالب: إني أحلف ما كذب رسول اللّه، ولا كذبنا، ولتُخْرِجِنَّ إليَّ هذا الكتاب أو لنكشفنك، فلما رأت الجدَّ منه، قالت: أعرض عني، فأعرض عنها. فحلَّت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منه. فدفعته إليه، فجاء به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
وكان عليٌّ رضي اللّه عنه ممن ثبت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة حنين حين انهزم المسلمون كما ثبت في غزوة أحد، وفي غزوة تبوك خلَّف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم. فأرجف المنافقون بعليٍّ وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالاً له وتخففاً منه. فلما قال ذلك المنافقون أخذ عليٌّ سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بالجُرْف - موضع على ثلاثة أميال من المدينة - فقال: يا نبيَّ اللّه زعم المنافقون أنك لمَّا خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني. فقال: "كذبوا ولكني إنما خلفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك. أفلا ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، ألا أنه لا نبيّ بعدي"فرجع عليٌّ إلى المدينة ومضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على سفره.
منزلته عند رسول الله
من الاحاديث التى وردت فى فضل على بن أبى طالب كرم الله وجهه
"اللّهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه".‏
" عليٌّ مني وأنا من عليٍّ"
"أنت أخي في الدنيا والآخرة"
"من آذى عليّاً فقد آذاني".
"من أحب عليّاً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب اللّه، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض اللّه"‏
"عليٌّ مع القرآن، والقرآن مع عليٍّ، لا يفترقان حتى يردا الحوض"‏
قضاؤه
عن أنس رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "أقْضَى أمَّتي عليٌّ". وعن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: أقضانا عليُّ بن أبي طالب.
وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعليٍّ: "تختصم الناسَ بسبع، ولا يحاجك أحد من قريش، أنت أولهم إيماناً باللّه، وأوفاهم بعهد اللّه، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم في الرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند اللّه مزية".
عن عليٍّ رضي اللّه عنه قال: بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى اليمن قاضياً وأنا حديث السنِّ. فقلت: يا رسول اللّه تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء.
قال: "إن اللّه سيَهدي لسانك، ويثبت قلبك".
قال: فما شككت في قضاء بين اثنين. وفي رواية: "إن اللّه يثبت لسانك، ويَهدي قلبك" ثم وضع يده على فمه.
وبعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى اليمن، فوجد أربعة وقعوا في حفرة حفرت ليصطاد فيها الأسد، سقط أولاً رجل فتعلق بآخر، وتعلق الآخر بآخر حتى تساقط الأربعة فجرحهم الأسد وماتوا من جراحته، فتنازع أولياؤهم حتى كادوا يقتتلون. فقال عليٌّ: أنا أقضي بينكم فإن رضيتم فهو القضاء، وإلاَّ حجزت بعضكم عن بعض حتى تأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليقضي بينكم. اجمعوا من القبائل التي حفروا البئر ربع الدية وثلثها ونصفها ودية كاملة، فللأول ربع الدية لأنه أهلك من فوقه، وللذي يليه ثلثها لأنه أهلك من فوقه، وللثالث النصف لأنه أهلك من فوقه، وللرابع الدية كاملة، فأبوا أن يرضوا. فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلقوه عند مقام إبراهيم فقصُّوا عليه القصة. فقال: "أنا أقضي بينكم" - واحتبى ببردة - فقال رجل من القوم: إن عليّاً قضى بيننا، فلما قصوا عليه القصة أجازه.
صدقته و زهده و تواضعه
عن عمَّار بن ياسر رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعليٍّ: "إن اللّه قد زيَّنك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب منها، هي زينة الأبرار عند اللّه، الزهد في الدنيا. فجعلك لا ترزأ من الدنيا ولا ترزأ الدنيا منك شيئاً، ووصب لك المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعاً ويرضون بك إماماً"
وعن عليٍّ عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : "يا عليّ، كيف أنت إذا زهد الناس في الآخرة ورغبوا في الدنيا، وأكلوا التراث أكلاً لَمّاً، وأحبوا المال حبّاً جمّاً، واتخذوا دين اللّه دَغَلاً، ومال اللّه دُوَلاً؟"
قلت: أتركهم حتى ألحق بك إن شاء اللّه تعالى.
قال: "صدقت، اللّهم افعل ذلك به"
أذن بلال بصلاة الظهر فقام الناس يصلون فمن بين راكع وساجد وسائل يسأل. فأعطاه عليٌّ خاتمه وهو راكع فأخبر السائل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقرأ علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ يُقِيْمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُوْنَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُوْنَ}
اشترى عليٌّ رضي اللّه عنه تمراً بدرهم فحمله في ملحفته فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك؟ قال: أبو العيال أحق بحمله.
وعوتب في لباسه، فقال: ما لكم وللباسي! هذا هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدي به المسلم
خلافته
لما استشهد عثمان -رضي الله عنه- سنة ( 35 هـ ) بايعه الصحابة والمهاجرين و الأنصار وأصبح رابع الخلفاء الراشدين ، يعمل جاهدا على توحيد كلمة المسلمين واطفاء نار الفتنة ، وعزل الولاة الذين كانوا مصدر الشكوى
ذهبت السيدة عائشة زوجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى مكة المكرمة لتأدية العمرة في شهر محرم عام 36 هجري ، ولما فرغت من ذلك عادت الى المدينة ، وفي الطريق علمت باستشهاد عثمان واختيار علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين ، فعادت ثانية الى مكة حيث لحق بها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام -رضي الله عنهما- وطالب الثلاثة الخليفة بتوقيع القصاص على الذين شاركوا في الخروج على الخليفة عثمان -رضي الله عنه- ، وكان من رأي الخليفة الجديد عدم التسرع في ذلك ، والانتظار حتى تهدأ نفوس المسلمين ،وتستقر الأوضاع في الدولة الاسلامية ، غير أنهم لم يوافقوا على ذلك واستقر رأيهم على التوجه الى البصرة ، فساروا اليها مع أتباعهم
معركة الجمل
خرج الخليفة من المدينة المنورة على رأس قوة من المسلمين على أمل أن يدرك السيدة عائشة -رضي الله عنها- ، ويعيدها ومن معها الى مكة المكرمة ، ولكنه لم يلحق بهم ، فعسكر بقواته في ( ذي قار ) قرب البصرة ، وجرت محاولات للتفاهم بين الطرفين ولكن الأمر لم يتم ، ونشب القتال بينهم وبذلك بدأت موقعة الجمل في شهر جمادي الآخرة عام 36 هجري ، وسميت بذلك نسبة الى الجمل الذي كانت تركبه السيدة عائشة -رضي الله عنها- خلال الموقعة ، التي انتهت بانتصار قوات الخليفة ، وقد أحسن علي -رضي الله عنه- استقبال السيدة عائشة وأعادها الى المدينة المنورة معززة مكرمة ، بعد أن جهزها بكل ما تحتاج اليه ، ثم توجه بعد ذلك الى الكوفة في العراق ، واستقر بها ، وبذلك أصبحت عاصمة الدولة الاسلامية 0
مواجهة معاوية
قرر علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ( بعد توليه الخلافة ) عزل معاوية بن أبي سفيان عن ولاية الشام ، غير أن معاوية رفض ذلك ، كما امتنع عن مبايعته بالخلافة ، وطالب بتسليم قتلة عثمان -رضي الله عنه- ليقوم معاوية باقامة الحد عليهم ، فأرسل الخليفة الى أهل الشام يدعوهم الى مبايعته ، وحقن دماء المسلمين ، ولكنهم رفضوا , فقرر المسير بقواته اليهم وحملهم على الطاعة ، وعدم الخروج على جماعة المسلمين ، والتقت قوات الطرفين عند ( صفين ) بالقرب من الضفة الغربية لنهر الفرات ، وبدأ بينهما القتال يوم الأربعاء (1 صفر عام 37 هجري )
وحينما رأى معاوية أن تطور القتال يسير لصالح علي وجنده ، أمر جيشه فرفعوا المصاحف على ألسنة الرماح ، وقد أدرك الخليفة خدعتهم وحذر جنوده منها وأمرهم بالاستمرار في القتال ، لكن فريقا من رجاله ، اضطروه للموافقة على وقف القتال وقبول التحكيم ، بينما رفضه فريق آخر وفي رمضان عام 37 هجري اجتمع عمر بن العاص ممثلا عن معاوية وأهل الشام ، وأبو موسى الأشعري عن علي وأهل العراق ، واتفقا على أن يتدارسا الأمر ويعودا للاجتماع في شهر رمضان من نفس العام ، وعادت قوات الطرفين الى دمشق والكوفة ، فلما حان الموعد المتفق عليه اجتمعا ثانية ، وكانت نتيجة التحكيم لصالح معاوية
الخوارج
أعلن فريق من جند علي رفضهم للتحكيم بعد أن اجبروا عليا -رضي الله عنه- على قبوله ، وخرجوا على طاعته ، فعرفوا لذلك باسم الخوارج ، وكان عددهم آنذاك حوالي اثني عشر ألفا ، حاربهم الخليفة وهزمهم في معركة النهروان عام 38 هجري ، وقضى على معظمهم ، ولكن تمكن بعضهم من النجاة والهرب وأصبحوا منذ ذلك الحين مصدر كثير من القلاقل في الدولة الاسلامية
استشهاده
اجتمع ثلاثة رجال: عبد الرحمن بن مُلجم، والبُرك بن عبد اللّه، وعمرو بن بكر التميمي فتذاكروا أمر الناس وعابوا على ولاتهم. ثم ذكروا أهل النهر فترحموا عليهم وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئاً. فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم إخواننا.
فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليُّ بن أبي طالب وكان من أهل مصر.
وقال البُرك بن عبد اللّه: أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان.
وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص.
فتعاقدوا وتواثقوا باللّه لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجَّه إليه حتى يقتله أو يموت دونه.
فأخذوا أسيافهم فسمُّوها واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجَّه إليه. وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يطلب.
فأما ابن ملجم المرادي فكان عداده في كندة. فخرج فلقي أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئاً من أمره. فإنه رأى ذات يوم أصحاباً من تيم الرباب، وكان عليٌّ قتل منهم يوم النهر عشرة، فذكروا قتلاهم ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها: قَطام ابنة الشجنة وقد قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال. فلما رآها التبست بعقله، ونسي حاجته التي جاء لها. ثم خطبها. فقالت: لا أتزوجك حتى تشفي لي. قال: وما يشفيك؟
قال: ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة وقتل عليٍّ بن أبي طالب
قال: هو مهر لك، فأما قتل عليٍّ فلا أراك ذكرته لي وأنت تريدينني.
قالت: بلى، التمس غرته؛ فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي ويهنأك العيش معي، وإن قُتلتَ فما عند اللّه خير من الدنيا وزينتها وزينة أهلها.
قال: فواللّه ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل عليٍّ. فلك ما سألت. قالت: إني أطلب لك من يسند ظهرك ويساعدك على أمرك.
فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له: وَرْدان فكلمته، فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلاً من أشجع يقال له: شبيب بن بَجَرة، فقال: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل عليِّ بن أبي طالب. قال: ثكلتك أمك لقد جئت شيئاً إدّاً كيف تقدر على عليٍّ؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة. شددنا عليه فقتلناه. فإن نجونا شفينا أنفساً وأدركنا ثأرنا، وإن قُتلنا فما عند اللّه خير من الدنيا وما فيها (فقد كان ابن ملجم يحسب أنه بقتل عليٍّ يتقرَّب إلى اللّه تعالى!!).
قال: ويحك!! لو كان غير عليٍّ لكان أهون عليَّ. قد عرفت بلاءَه في الإسلام وسابقته مع النبي صلى اللّه عليه وسلم. وما أجدني أنشرح لقتله.
قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين؟ قال: بلى. قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا. فأجابه، فجاءوا قَطام، وهي في المسجد الأعظم معتكفة فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل عليٍّ. قالت: فإذا أردتم ذلك فأتوني.
ثم عاد إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها عليٌّ سنة 40. فقال: هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبيَّ أن يقتل كل واحد منا صاحبه. فدعت لهم بالحرير فعصبتم به وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السُّدة التي يخرج منها عليٌّ (الباب) فلما خرج ضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق وضربه ابن ملجم على رأسه بالسيف في قرنه ، وهرب وردان حتى دخل منزله فدخل عليه رجل من بني أبيه، وهو ينزع الحرير عن صدره. فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ فأخبره بما كان، وانصرف فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله
وصيته عند وفاته
قد نهى رضى الله عنه عن قتل قاتله أو التمثيل به فقال
"يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون: قُتل أمير المؤمنين. قُتل أمير المؤمنين. ألا لا يُقتلن إلا قاتلي. انظر يا حسن، إن أنا متُّ من ضربته هذه، فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثل بالرجل، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إياكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور".
وعندما هجم المسلمون على ابن ملجم ليقتلوه نهاهم علي قائلا :( ان أعش فأنا أولى بدمه قصاصا أو عفوا ، وان مت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين ، ولا تقتلوا بي سواه ، ان الله لا يحب المعتدين ) وحينما طلبوا منه أن يستخلف عليهم وهو في لحظاته الأخيرة قال لهم :( لا آمركم ولا أنهاكم ، أنتم بأموركم أبصر ) واختلف في مكان قبره, وباستشهاده -رضي الله عنه- انتهى عهد الخلفاء الراشدين
ــــــــــــــ
بيعة علي
بعد مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه بقيت المدينة بلا أمير، وكان زعيم المنحرفين المصرين الغافقي بن حرب العكي هو الذي يدير شؤونها، وأتباعه هم الذين يسيطرون على أمورها، وأهلها وجلهم من الصحابة وأبنائهم لا يقدرون على فعل شيء، واستمر ذلك خمسة أيام، إلا أنه لا بد من خليفة ليعود الوضع إلى طبيعته، ويرجع الأعراب إلى بواديهم، ويؤوب المنحرفون إلى أمصارهم، والأمر يرجع في هذا للسابقين من المهاجرين والأنصار، لذا لا بد من اختيار أحدهم.
كان المنحرفون متفقين على الانتهاء من الخليفة السابق، وقد تم لهم ذلك إلا أنهم غير متفقين على الخليفة الجديد، وأهواؤهم شتى، فالمصريون يميلون إلى علي بن أبي طالب ولكنه لا يوافقهم بل ويبتعد عنهم، والبصريون هواهم مع طلحة بن عبيد الله إلا أنهم يطلبونه فلا يجدونه، والكوفيون يرغبون في الزبير بن العوام ولكنه يختفي عنهم ولا يرغب بهم. وتضايق أهل الكوفة وأهل البصرة إذ غدوا تبعاً لأهل مصر إذ لا يرغب من تميل نفوسهم إليه أن يقابلهم أو يوافقهم، وأمير المصريين هو أمير للمدينة في تلك الظروف الحرجة.
ولما لم يوافق أحد من هؤلاء الثلاثة مع المنحرفين في شيء ويرفضون الخلافة كلهم، رأوا أن يطلبوا من سعد بن أبي وقاص ذلك، وهو ممن بقي من أهل الشورى مع أولئك الثلاثة، إلا أنه ارفض منهم عندما عرضوا عليه ذلك، وكان قد اعتزل الأمر، وابتعد عن الجو العام، فاتجهوا إلى عبدالله بن عمر وكان رفضه أشد من سابقه.
واشتد الأمر على المنحرفين إذ عجزوا عن إيجاد خليفة وقد قتلوا الأمير السابق، واشتد كذلك الأمر على أهل المدينة، وقد وجدوا مدينتهم بين المنحرفين يتصرفون فيها، وهم لا يقدرون على شيء، ورأوا أنه لا بد من خليفة يخلصهم مما هم فيه، وينقذهم مما يعانون، ويسير الأمور لتعود الحالة إلى طبيعتها، ورأوا في شخص علي بن أبي طالب الخليفة المطلوب، فهو من أهل الشورى، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وله سابقة وجهاد قلما تكون لرجل آخر، وله من العلم والفقة ما يخوله ذلك، وبصورة عامة فقد كان أفضل من عليها، آنذاك، فذهبوا إليه، وطلبوا منه أن يتولى أمرهم فرفض منهم، وقال لهم : لا حاجة لي في أمركم، أن أكون وزيراً خيراً من أن أكون أميراً، وأنا معكم فمن اخترتم فقد رضيت.
ولما طال الوضع، وخاف المنحرفون من أن تصل جند الأمصار إلى المدينة، وتتسلم زمام الأمور، وتقبض على الثائرين قتلة عثمان وتعاقبهم وتقيم عليهم الحد، لذا كانت رغبتهم السرعة في مبايعة الناس لخليفة وهذا حق المهاجرين والأنصار، فإذا حدثت البيعة كان الخليفة على أقل تقدير منهم مضطراً لأن يأخذ برأيهم ما داموا في مركز قوتهم، ولا يستطيع أن يعاقبهم ما دامت المدينة في قبضتهم وتحت سيطرتهم، أو أن كثرتهم تحول دون أن يقوم بعمل ضدهم، أما إذا وصلت جنود الأمصار إلى المدينة فإنهم حينذاك لا يستطيعون قتالهم وبخاصة أن أهل المدينة ناقمين على قتلة عثمان الأمر الذي يجعلهم ينضمون لأهل الأمصار ويحاربون قتلة عثمان، وعندئذ تنالهم العقوبة، وينالهم القصاص، وتقام عليهم الحدود، ويختار أهل المدينة من يرغبون لا من يفكر به المنحرفون، ومن هذا المنطلق كانت السرعة في اختيار خليفة أهم نقطة يعمل لها المنحرفون، ولما لم يتم لهم ذلك هددوا أهل المدينة بقتل أهل الشورى وكبار الصحابة ومن يقدرون عليه من دار الهجرة إن لم يجدوا أحداً على قبول الخلافة، وقالوا لهم : دونكم يا أهل المدينة فقد أجلناكم يومين، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن علياً والزبير وأناساً كثيرين.
عرض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر على علي بن أبي طالب وجاءه الناس فقالوا : نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام، وما ابتلينا به من ذوي القربى، فقال علي : دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. فقالوا : ننشدك الله ألا ترى ما نرى ‍ ألا ترى الإِسلام ‍ ألا ترى الفتنة‍ ألا تخاف الله ‍ فقال : أجبتكم لما أرى، واعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، ثم افترقوا وتواعدوا في اليوم التالي فجاؤوا ومعهم طلحة والزبير وبايعوا علياً، وكان ذلك يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
بايع الناس جميعاً إلا سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد وصهيب من المهاجرين، وحسان بن ثابت، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، ورافع بن خديج، وسلمة بن وقش، وأبو سعيد الخدري، وقدامة بن مظعون ومسلمة بن مخلد، وعبدالله بن سلام من الأنصار ومن كان قد غادر المدينة إلى مكة وأكثرهم من بني أمية أمثال سعيد بن العاص والوليد بن عقبة ومروان بن الحكم.
كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمام موقفين اثنين لا ثالث لهما، الأول منهما : أن يصر على رفض الأمر وعدم الموافقة على البيعة، وعندها سيبقى وضع المدينة كما هو يتسلط عليه المتمردون، ويتصرف في المدينة الأعراب والمنحرفون، بل ربما ازداد الوضع سوءاً وهو المحتمل فيعيث هؤلاء العابثون في الأرض فساداً، ويزداد قتلهم للناس، وقد ارتكبوا أكبر جريمة بقتلهم الإمام ظلماً وعدواناً، ومتى أقدم الإنسان على جريمته الأولى سهلت عليه الجرائم وأسوأ الأعمال بعد ذلك، وبالفعل فقد هددوا أصحاب الشورى وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا ما حدث أن جاءت جند من الأمصار أو طلبت لإِبعاد المتمردين عن المدينة وإقامة الحدود عليهم وإعادة نظام الأمن، فإنه يقع القتال داخل دار الهجرة ويذهب ضحيته أعداد من الصحابة، هذا بالإضافة إلى انقسام المسلمين وتفرق كلمتهم، وهذا ما يخافه العقلاء، وأهل الإِيمان، هذا بالإضافة إلى أن تدخل الجند في شؤون المدنيين، وتدخلهم في أعمال الناس، وبحثهم في أمر الخلافة لموضوع يجب الابتعاد عنه تمام الابتعاد، وهذا ما كان ينظر إليه الامام على كرم الله وجهه، ويحرص ألا يحدث، وهو الأمر الذي جعله يقبل الخلافة.
أما الموقف الثاني : وهو قبول الخلافة والرضا بالأمر الواقع وذلك من أجل انقاذ المسلمين من فتنة عمياء يمكن أن تحدث فيما لو رفض، والخوف من تفرقة الكلمة، وإعادة الثقة الطمأنينة إلى نفوس سكان دار الهجرة، وإبعاد المتمردين والأعراب والمنحرفين عن المدينة، وإقرار الأمن، وإعطاء الهيبة للخلافة، وتطبيق منهج الله في الأرض، ومع هذا فكان رضي الله عنه على علم بأن السير في الموقف الثاني، وهو أخذ البيعة وتسلم أمر الناس حالة صعبة وفيه مشقة كبيرة وعناء شديد، إذ لا يستطيع الخليفة إقامة الحدود على الجناة والتحقيق معهم إلا بعد مرور مدة ريثما يستتب الوضع، ويتمكن الحكم، وتستعيد الخلافة هيبتها، وهذا ما لا يدركه فئة من الناس فيطالبون بالقصاص وهو غير قادر عليه، ويسألونه إقامة الحدود على القتلة وهو لا يستطيع إذ لا تزال المدينة بأيديهم، ولا بد من إخراجهم قبل ذلك وتوزيعهم في الأمصار، أو إرسالهم إلى الثغور، وتفريق كلمتهم، هذا بالإضافة إلى أن عدداً من الرجال سيرفضون البيعة، ولكن هذا لا يجعله يتوقف، وهو الذي لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يعرف المداهنة في الحق... فأما البيعة فيمكن أن يترك من لا يبايع باستثناء بعض رجال الشورى الذين ينظر إليهم بعض الناس ويميلون إليهم، ولهذا فقد ترك سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمر، ولكنه أصر على بيعة طلحة والزبير إذ كان يطمع بهما بعض المتمردين، وأما استمهال إقامة الحدود ريثما تتاح الفرصة فظن أن الناس يدركون هذا، بل يمكن تجاوزه إذ إن إعادة الأمن والنظام وإقامة الخلافة أمر أهم وواجب شرعي، ولهذا أقدم عليه وقبل الخلافة بعد إصرار الناس عليه وبعد أن تمنع عنه ورفضه، فهو الزاهد فيها وفي الدنيا جميعها. رأى علي رضي الله عنه وقد تسلم الخلافة أن يعمل قبل كل شيء على إعادة الأمن ولن يكون هذا إلا بإبعاد المشاغبين عن المدينة، ولن يحدث هذا إلا باعتقادهم أنه قد تم ما يريدون وهو استقرار النظام في الدولة، وهذا ما يصار إليه بزوال الخليفة السابق وقد قتلوه قبحهم الله -ثم بالخلاص من ولاته على الأمصار، هذا بالإضافة إلى أنه هو رضي الله عنه قد كانت له بعض الملاحظات على بعض الولاة لذا قرر أن يستبدل الولاة، ولكن نصحه بعض الصحابة وبعض الرجال في أن يؤخر هذا الأمر حتى يستقر الوضع، إلا أنه رفض ذلك حيث رأى أن هيبة الدولة لا تكون إذا لم يستطع الخليفة أن يعزل والياً وأن يعين غيره، وإلا فما معنى أن الوالي يتبع الخليفة، وإذا لم يستطع الإمام عزل وال، فمعنى ذلك أن الوالي بمثابة خليفة أو أنه يرفض الأوامر ويرفض البيعة أو يأخذها لنفسه، ويتعدد عندها الخلفاء، وهذا أمر غير جائز ولا يكون في الإسلام، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن العصاة والمنحرفين يرون أن الوضع غير مستقر، وبذا يبقون في المدينة وعندها لا يستطيع الخليفة أن يفعل شيئاً ولا أن يقيم حدود الله، وهو لا يخاف في الله لومة لائم، إذن فلا بد من عزل الولاة واستبدالهم.
أرسل علي الولاة إلى الأمصار فبعث إلى البصرة عثمان بن حنيف وهو من أعلام الأنصار، فدخلها وارتحل عنها واليها السابق عبدالله بن عامر متجهاً إلى مكة. وأبقى على الكوفة أبا موسى الأشعري الذي أرسل بيعته وبيعة أهل مصره إلى أمير المؤمنين. وبعث سهل بن حنيف إلى الشام، ولكنه رد من حدودها، ردته خيل معاوية بأمر أو باجتهاد منهم. وبعث إلى مصر قيس بن سعد بن عبادة، وكان قد قتل من تسلمها وهو محمد بن أبي حذيفة، فدخل مصر وأخذ البيعة لأمير المؤمنين من أهلها، إلا فريقاً قليلا منهم اعتزلوا الناس وأووا إلى (خربتا) لا يشقون عصا الطاعة، ولا يقاتلون أحداً، وبهذا فقد اختار ثلاثة ولاة من الأنصار إلى أهم الأمصار وأكثرها ثغوراً وجهاداً. أما مكة فقد بعث إليها خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي، ولكنه وجد فيها كل من اعتزل الفتنة ومن اجتمع فيها من بني أمية، ومن ترك ولايته من الولاة السابقين، لذا فقد رفضت ولايته وبقيت مكة دون وال، ولكل مجموعة رجل يرجعون إليه. وبعث علي بن أبي طالب إلى اليمن ابن عمه عبيد اللهبن عباس عاملا له عليها، فلما وصل إليها رحل عنها عاملها السابق يعلى ابن أمية واتجه إلى مكة، وهكذا خضعت دار الهجرة مركز الدولة والأمصار كلها إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب باستثناء الشام التي كان يسير أمورها معاوية بن أبي سفيان إذ لم يرسل البيعة، وبهذا عقدت بيعة علي بن أبي طالب، وقام بالأمر، وأرسل إلى معاوية يطلب منه البيعة لكنه تأخر بالجواب، ينتظر ما تؤول إليه الأمور، ووضع العصاة في المدينة.
ــــــــــــــ
المجتَمَع الإسْلاَمي أيَّام عَليّ
لم يختلف وضع المجتمع الإسلامي أيام علي عما كان عليه سابقاً، فالشرع هو المطبق وأحكام الله هي النافذة والمعمول بها، وإنما الشيء الوحيد الذي اختلف هو متابعة الناس لما يجري في الداخل بعد أن كان الاهتمام متجهاً إلى ما يحدث في الفتوح وأحوال الثغور، هذا بالنسبة إلى عامة الناس، أما فيما يتعلق بالعمال والولاة فكان اهتمامهم أكبر إذ يتعلق الأمر بهم وبأمصارهم لذا فقد اختلف الوضع بين مصر وآخر، وهناك أمر آخر يجب ألا نغفل عنه وهو أن المسلمين استقبلوا خلافة علي بغير ما استقبلوا خلافة عثمان، فقد جاء عثمان بعد عمر القوي الشديد الذي منع الصحابة من الخروج من المدينة، وأخذهم بالحزم والشدة، فأعطاهم عثمان اللين والرفق، وأغدق عليهم في الأعطيات حسب ما اعتاد عليه من البذل والعطاء، فلانوا له وأحبوه وخاصة في أيامه الأولى، وفضله بعضهم على عمر. وجاء علي بعد عثمان فسار بالناس سيرة عمر فلم يوسع لهم الأعطيات، ولم يعطهم النوافل من المال، واشتد على قريش وحال بينهم وبين الخروج بأية حال، وهيجه افتراق القوم إذ أن عدداً من بني أمية قد اتجهوا إلى مكة، وتفرق بعض الناس في الأمصار، واستأنف فيهم حزم عمر، وشدته، والنفس البشرية يصعب عليها الشدة بعد اللين على حين ترتاح وتطمئن للين بعد الشدة، لذا كانت نفوسهم يشوبها كثير من الوجوم والقلق بتسلم علي الأمر، هذا بالإضافة إلى تسلط المشاغبين الذين قتلوا عثمان على المدينة ولم تَطَلْهم بعدُ الحدود، ولننظر إلى حالة كل مصر وحده.
فاليمن سار إليها عبيدالله بن عباس والياً عليها من قبل علي فاستقبله، وخرج منها يعلى بن أمية، واستقر الأمر فيها، تقام الحدود، ويطبق الشرع بصورة تامة.
وأما مكة المكرمة فقد عاد إليها راجعاً عدد من أهل المدينة الذين وصل إليهم خبر مقتل سيدنا عثمان وهم في طريقهم إلى بلدهم بعد أن شهدوا موسم الحج، ورغبوا اعتزال الفتنة، فمكة حرم آمن لا يغار عليه ولا يذعر من أوى إليه، ومنهم من خرج إليها من المدينة غاضباً أو معتزلا مثل بني أمية، عبدالله ابن عمر : وردت مكة عامل علي عليها وهو خالد بن العاص بن المغيرة المخزومي، وعاشت دون وال، وبعد مدة استأذن طلحة والزبير عليا في الخروج إلى مكة لأداء العمرة فأذن لهما فخرجا، وبقيا فيها إذ وجدا الجو فيها أكثر مناسبة لهم من جو المدينة المليء بالخارجين على عثمان رضي الله عنه، وبعد مدة جاء قثم بن العباس واليا على مكة واستقر فيها، واستتب له الأمر.
ورأى الذين اعتزلوا الفتنة واستقروا في مكة أن جوها غير مناسب، وأن طلب الرزق غير متوفر، والتجارة التي اعتادوا عليها قد انقضت أيامها وقطع بينهم وبينها الزمن، ووجدوا أن البصرة أكثر ملاءمة، لهذا فقد قرروا السير إليها، وأقنعوا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالخروج معهم، وكادت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها تسير لولا أن منعها أخوها عبدالله بن عمر، وسار الموكب باتجاه البصرة، وكان يصلي فيهم عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، وقد كان أبوه والي مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. وكان عدد المغادرين مكة /700/ إنسان جلهم من أهل مكة والمدينة ومنهم طلحة، وعبدالله بن عامر، ويعلى بن أمية، وعبدالرحمن بن عتاب، وأم المؤمنين عائشة، ورجع من الطريق سعيد بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وعبدالله بن خالد بن أسيد، وفي الطريق تبعهم الناس من الأعراب حتى كانوا ثلاثة آلاف. وهدأ الوضع في مكة بعد خروجهم. وعندما وصل الركب المكي إلى ماء الحوأب نبحتهم كلابه، فأناخت عائشة رضي الله عنها وقالت : أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طَرُوقاً ردوني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه "ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب" فقالوا لها : ما هو بالحوأب، فسارت.
أما في المدينة فإن أهلها ينظرون إلى علي نظرة احترام وإكبار كما ينظر له كل المسلمين، إذ كان يومذاك أفضل من عليها، وقد ارتحل من الدنيا من سبقه، وقد أسرعوا إلى بيعته أو الاصرار على مبايعته لتقديرهم له قبل كل شيء، ثم للخلاص مما لحق المدينة من وجود الفئة الخارجة على النظام من قتلة عثمان، وقد استجاب بعد رفض إذ أن الأمر يستوجب وجود الأمير لإِعادة النظام، وما أن استلم حتى طلب منه عدد من الصحابة إقامة الحدود على هؤلاء المنحرفين، ولم يكن ذلك ليغيب عنه، وإنما ينتظر استتباب الوضع وقوة الخليفة بأخذ البيعة العامة والقبض على ناصية الأمر، إذ أن الحَلَّ السريع لا يستطيع أن يمارسه ما دام المنحرفون هم الذين يسيطرون على المدينة، وبيدهم القوة، والبيعة لم تأت من بعض الجهات ومنها الشام وبعض الصحابة، والمشكلة أنه في ساعة الفوضى لا يرى المرء الحل السليم إلا من خلال ما استقر ذهنه.
واشتد الصحابة في الطلب، وعلي لا يستطيع أن يفعل شيئاً. وأرسل علي الولاة إلى الأمصار، وإذ بوالي الشام سهل بن حنيف يعود إليه، وعلي الذي عرف بالشدة لم يقبل باللين، ولم يعرف التساهل بالحق، فقرر السير إلى الشام على الرغم من نصائح بعض الناصحين بإبقاء معاوية على الشام وإعطاء طلحة البصرة والزبير الكوفة ريثما تهدأ الأحوال، ولم ير أيضاً هذا عبدالله بن عباس عندما استشاره علي، وحث الناس بالنهوض إلى الشام فرأى توانيا، فلم يرغب بإخبار أحد وإنما نهض وسار مع من نهض، ودفع باللواء إلى ابنه محمد الأكبر بن الحنفية، ووجه عبدالله بن عباس إلى الميمنة، وعمر بن أبي سلمة إلى الميسرة، وأبا ليلى بن عمر بن الجراح إلى المقدمة وهو ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح، وولى قُثَم بن العباس على المدينة، وكتب إلى عماله على الأمصار وهم قيس بن سعد والي مصر وأبو موسى الأشعري والي الكوفة، وعثمان بن حنيف والي البصرة بالنهوض إلى قتال أهل الفرقة، ويبدو من عمله هذا أنه بَعِيد كل البعد عن المنحرفين قتلة عثمان إذ لم يُوَلِّ أحداً منهم وفيهم الأشداء وأهل المقدرة.
وبينما هو كذلك إذ سمع بخبر سير من سار من مكة إلى البصرة، فخرج علي إلى الربذة يريد أن يحول دون انطلاقهم إلى البصرة، إلا أنهم قد فاتوه، وكان قد ولّى على المدينة قبل خروجه منها سهل بن حنيف، وبعث قُثَم بن العباس إلى مكة، وكانت أم المؤمنين أم سلمة تريد أن تسير معه وقالت له "لولا أني أعصي الله عز وجل وأنك لا تقبله مني لخرجت معك، وهذا ابني عمر، والله لهو أعز علي من نفسي، يخرج معك يشهد مشاهدك، فخرج معه، وكان على الميسرة، ولم يزل معه، واستعمله على البحرين ثم عزله. ونصحه بعض الناصحين بأن لا يخرج من المدينة فإن خرج منها فلن يعود إليها، وطلب منه أن يرسل من نهض ويمكث هو في دار الهجرة، ولكنه أصر إلا أن يكون على رأس الناهضين. وبقي سهل بن حنيف في المدينة يسيِّر أمورها، ويُطَبِّق شرع الله فيها، ويحكمها لعلي بن أبي طالب. ووصل علي إلى ذي قار ينتظر وصول جند الأمصار.
وأما مصر فقد سار إليها قيس بن سعد بن عبادة، ودخلها من غير جهد وكان قد خرج منها الوالي السابق عبدالله بن سعد بن أبي سرح وتسلمها محمد بن أبي حذيفة إلا أنه قتل، وأخذ قيس البيعة لعلي من عامة أهلها، إلا فريقاً اعتزلوا الناس وأووا إلى (خربتا) يطلبون بثأر عثمان، ولكن لا يقاتلون أحداً، ولا يشقون عصا الطاعة، فأمهلهم قيس ومنهم : مسلمة بن مخلد، ومعاوية بن حديج، وبسر بن أبي أرطأة وغيرهم، إلا أن بعض أصحاب علي كانوا يصرون عليه أن يأمر قيسا بقتالهم أو إعطاء البيعة حتى ينتهوا من مصر من كل معارض، فطلب علي منه ذلك، فرأى أن رأيه هو الأصوب، فترك مصر، واتجه إلى علي مار بالمدينة، وجاء محمد بن أبي بكر والياً على مصر، وما زال يلح على من في (خربتا) حتى جرى القتال بين الطرفين ولم يُحْرِز محمد بن أبي بكر النصر فعزله علي وولى الأشتر النخعي مكانه، ولكنه مات مسموماً قبل أن يصل إليها، فاضطر علي أن يثبت محمد بن أبي بكر على مصر ريثما يرى رأيه، وانتدب أهل الكوفة لمساعدة إخوانهم في مصر، ولكنهم لم ينتدبوا، وعندما أصر عليهم سار جند قليل، ولكن ما وصلوا إلى مصر حتى كان عمرو ابن العاص قد دخلها، وقُتل، محمد بن أبي بكر، وهكذا أصبحت مصر بعيدة عن خلافة علي وذلك عام 38 هـ.
وأما الكوفة فقد كان واليها من قبل أبو موسى الأشعري، وأقره علي على ما تحت يده، رغبة من أهل الكوفة به، وقد بايع عنه وعن أهل الكوفة للخليفة الجديد. وكان أبو موسى محباً للعافية لا يرغب في القتال وخاصة عندما يكون القتال بين المسلمين بعضهم ضد بعض. وأهل الكوفة ليسوا على رأي واحد، فبعضهم يميل إلى الزبير، وبعضهم يرغب في علي ولكنه لا يحب القتال، وبعضهم متشدد في ذلك يرى أن القتال أمر لا بدّ منه. وكتب أمير المؤمنين إلى أبي موسى يستنهضه للقتال ولكنه لم يفعل شيئاً، فأرسل له محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، فلم يفد ذلك شيئاً، ثم أرسل له عبدالله بن عباس والأشتر النخعي فما أجدت المناقشات التي دارت بين الطرفين، ثم أرسل له ابنه الحسن بن علي وعمار بن ياسر، وتكلم الحسن كلاماً جميلاً. ودعا أهل الكوفة لنجدة خليفتهم وعندما انطلق سار معه عدة آلاف سار بعضهم بالفرات واتخذ الآخر طريق البر، وكان مجموعهم تسعة آلاف رجل، وأخرج الأشتر النخعي أبا موسى من قصر الإمارة، فانطلق أبو موسى إلى مكة وأقام بها. وكان الخليفة قد وصل إلى ذي قار فجاءه أهل الكوفة وهو في ذلك الموضع.
وأما البصرة فقد أرسل إليها الخليفة والياً جديداً هو عثمان بن حنيف فسار إليها فدخلها، وخرج منها واليها السابق عبدالله بن عامر الذي سار إلى مكة، وكان في البصرة شيء من الفرقة والخلاف، ولم يلبث أن وصل إليها ركب مكة، فدخلها عبدالله بن عامر على غفلة من أهلها، ووصل الخبر إلى عثمان بن حنيف فتهيأ إلا أن الناس متخاذلون منهم الخائف، ومنهم القاعد، ومنهم المتخاذل، ومنهم من يطلب بثأر عثمان، ومنهم مع الوالي بجانب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم دخل البصرة ركب مكة كله، والتقى في المربد، فتكلم طلحة والزبير وردّ عليهم جماعة ابن حنيف.
وكاد الناس يقتتلون، ثم تكلمت عائشة رضي الله عنها فانقسمت جماعة ابن حنيف، ومال بعضهم إلى جانب عائشة، وكان على خيل البصر حكيم به جبلة العبدي فأنشب القتال، وهو أحد الغوغائيين الذين تكلموا عن عثمان رضي الله عنه، وكاد القتال أن يتسع، إلا أن الفريقين قد اتفقا، إذ لم يكن أحد الجانبين لينظر إلى الآخر نظرة العداء أو الحقد وإنما نظرة الأخوة، والخلاف إنما هو في وجهات النظر، ولكن الغوغاء هي التي كانت تسير بالطرفين إلى التطرف أحياناً.
اتفق الجانبان على أن يبعثا رسولاً إلى المدينة لينظر هل بايع طلحة والزبير مكرهين أم لا ؟ فإن كان ذلك أخلى عثمان بن حنيف لهما البصرة، وإن كانا قد بايعا عن رضى خرجا من البصر، وأن يبقى كل فريق على ما تحت يده ريثما يعود الرسول، وينزل طلحة والزبير ومن معهما حيث شاؤوا، وأن يصلي عثمان بن حنيف بالناس، ويبقى بيت المال تحت يده، وله أمر البصرة. وذهب كعب بن ثور إلى المدينة رسولاً، فسأل أهلها عن بيعة طلحة والزبير فلم يجبه أحد، ثم أجابه أسامة بن زيد بأنهما بايعا مكرهين.
وكادت تحدث في المدينة حادثة لهذا الجواب، إذ لا يريد الناس إلا اطفاء النار وإخماد جذوتها، ورجع كعب إلى الناس بالخبر فاختلف القوم بالبصرة، وعاتب علي عامله على البصرة، وقال : إنما طلحة والزبير لم يجبرا على البيعة إلا خوفاً من الفرقة، وقلّ أنصار ابن حنيف حتى غضب عليه الغوغائيون في طرفه لهذا التصرف، انقضّ أهل السوء عليه فسجنوه، ونتفوا لحيته وحاجبيه، ثم أخرجوه حيث سار إلى علي بن أبي طالب وهو بذي قار، ولم يقتل عثمان بن حنيف لأنه لم يكن عدواً ولا مجرم حرب، وإنما كان أخاً ضعفت وجهة نظره أمام مناقشيه فقلّ أتباعه، وعدا عليه الرعاع فأخرجوه، ولو كان الخلاف كما يصوّره بعض المؤمنين لقتل أو أخذ على الأقل أسيراً فهو قائد الخصم أو رأس الجناح الآخر. وصار يصلي بالناس عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد.
وبخروج عثمان بن حنيف من البصرة أصبحت تحت إمرة الركب المكي فقتلوا من كان فيها من الأشخاص الذين شخصوا إلى المدينة، واشتركوا في حصار عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولم ينج منهم إلا حرقوص بن زهير العبدي، وكان ممن قتل حكيم بن جبلة العبدي، ولم يكن هذا القتل ليخفف من المشكلة وإنما زاد النقمة، إذ أن بعض القبائل غضبت لمقتل بعض أبنائها ممن كان من الغوغائيين، ومنهم بنو عبد القيس الذين ثاروا لمقتل حكيم بن جبلة فخرجوا على علي، أما علي فلم يتكلم في قتل هؤلاء لأنه يرغب فيه ولا علاقة له بأحد منهم، وإن كان يجب أن يدعم رأيه بأن في العجلة الندامة فالقتل السريع دون تروي أدى إلى النقمة. وكتب الركب المكي إلى بقية الأمصار أن يفعلوا فعلتهم، وأن يقتلوا من عندهم من قتلة عثمان.
أرسل علي بن أبي طالب القعقاع بن عمرو التميمي إلى البصرة، فكلم عائشة وطلحة والزبير وبينّ لهم تفرق القوم عنهم بسبب قتل الغوغائيين، وماذا يكون لو حدث هذا في كل مصر ؟ قالوا : فما رأيك ؟ قال : إن هذا أمر دواؤه التسكين واجتماع الشمل، حتى إذا صلح الأمر وهدأت الثائرة، وأمن الناس، واطمأن بعضهم إلى بعض، نظرنا في أمر الذين أحدثوا هذه الفتنة. وإني لأقول هذا وما أراه يتُّم حتى يأخذ الله من هذه الأمة ما يشاء، فقد انتشر أمرها، وألمت بها الملمات، وتعرضت لبلاء عظيم، فاستحسن القوم رأيه، وقالوا : إن وافق علي على هذا الرأي صالحناه عليه. ورجع القعقاع إلى علي راضياً وأنبأه بما حدث، فسُرّ علي بذلك أشد السرور وأعظمه.
وأقبلت الوفود من البصرة إلى معسكر علي بذي قار والتقى المضري مع المضري والربعي مع الربعي واليمني مع اليمني، وكل يتحدث في الصلح، وظن الناس كل الناس أن الأمر قد استقام، وأن الصلح قد أصبح وشيكاً، ودعوا أهل البصرة علياً أن يأتي إليهم، وأراد علي الرحيل وقال : ألا من أعان على عثمان بن عفان فلا يرتحل معنا. وهنا شعر الغوغائيون من قتلة عثمان أن الصلح سيدور عليهم، وأنه إذا تمّ لا بدّ من أن يكون عليهم، وستطالهم العقوبة، فإذن لما نبرمه على أنفسنا ؟ وتداولوا الرأي وعبدالله بن سبأ اليهودي لا يعجبه رأي حتى توصلوا إلى انشاب القتال إذا ما اقترب الطرفان بعضهم من بعض. وأرسل علي عبدالله بن عباس إلى طلحة والزبير اللذين أرسلا بدورهما محمد بن طلحة إلى علي وتحدثوا في الصلح وباتوا في ليلة من العافية.
ورحل علي إلى البصرة وعسكر بجانب معسكر أهل البصرة فأنشب الغوغائيون القتال بأسباب بسيطة وتافهة، إذ تسابّ الصبيان ثم تراموا وتتابع العبيد، حتى إذا توترت الأجواء باشر السفهاء، ولم يدخل الغوغائيون من البداية حتى لا يُعرف الكيد، وينكشف الأمر، وتفسد الخطة، وتصافّ الفريقان، وخرج علي بين الصفين ونادى طلحة والزبير فكلمهما، وقال مما قال للزبير أتذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لك : "... ولكنك ستقاتله وأنت له ظالم" قال : تذكرت ذلك، ولو كنت أذكر ما خرجت، وأراد الاعتزال، وخرج على وجهه وعندما وصل إلى وادي السباع غدر به ابن جرموز وقتله. واستطاعت السبئية أن تنشب القتال، وطلب علي من الناس أن يكفوا إلا أن الأمر قد خرج من يده والتحم الفريقان، وكان جيش البصرة يزيد على الثلاثين ألفاً، وجيش الكوفة يزيد على العشرين ألفاً، وكان اللقاء في منتصف جمادى الآخرة من عام 36 هـ.
والتحم الطرفان، واشتدت المعركة أمام الجمل الذي عليه هودج عائشة رضي الله عنها حتى قتل أمامه سبعون رجلاً كل أخذ بِخِطَامه، قُتلوا واحداً بعد الآخر، ثم عُقِر الجمل فانفرجت المعركة وهزم أهل البصرة، وأصيب طلحة وجرح جرحاً بليغاً بدأ ينزف منه الدم، وحملت عائشة بهودجها إلى دار عبدالله بن خلف، وكانت فاجعة أليمة ذهب ضحيتها على رأي المؤرخين عشرة آلاف من جيش البصرة وخمسة آلاف من جيش علي، ومع ما في هذه المعركة من الهول الذي زاد فيه المؤرخون، علينا أن نتروى قليلاً فننظر هل كانت معركة بين أعداء ألداء كما توصف أم بين أحبة أوقع الشيطان بينهم فطاشت أحلامهم، ثم ثابت ؟ ويمكن أن نتعرف على هذا من النتائج، كانت رؤوس جيش البصرة لا شك طلحة والزبير وعائشة فلننظر ما الرأي بهم ؟ التقى القعقاع بن عمرو التميمي أحد قادة جيش علي وحكمائه أثناء المعركة مع طلحة وهو يقاتل جريحاً فقال له : يا أبا محمد إنك جريح فحبذا لو دخلت أحد البيوتات. فبطل يرى قائد خصومه جريحاً فيطلب منه الخلود إلى الراحة من أجل العافية أم يجهز عليه !.
وجاء ابن جرموز بعد المعركة يستأذن علياً وقال : قل له : قاتل الزبير، فقال علي : أئذن له بشره بالنار. فهل القائد يفرح بقتل قائد خصومه أم يتأثر ثم يقول : إن قاتله لا شك في النار ؟
وزار علي عائشة بعد المعركة، وضرب من تكلم عنها، وقال عندما شيعها في غرة رجب مع أخيها محمد بن أبي بكر : أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، وأعطاها مبلغاً كبيراً من المال، وسَيَّر في ركبها عدداً من النساء. وعندما زارها في دار عبدالله بن خلف كان عدد من الجرحى المختبئين في تلك الدار، وهو يعرف مكانهم ومكان غيرهم، وقد تجاهل ذلك وكأن لم يعلم شيئاً، إذ لم يكونوا خصوماً كما يصور ذلك بعضهم فلو كانوا كذلك لنالوا ما نالوا.
كما كان قد طلب من جنده ألا يجهزوا على جريح، ولا يتبعوا هارباً، ولا يدخلوا داراً، ولا يحوزوا مالاً، ولا يؤذوا امرأة ولا طفلاً ولا غير مقاتل مصر معاند، وهذا كله يدل على الأخوة التامة ولكن أوقع الشيطان بينهم، ولك وجهة نظره واجتهاده الخاص، وهو عليه مأجور بإذن الله.
وبعد المعركة بثلاثة أيام ولى علي على البصرة عبدالله بن عباس، وكان أهلها قد أعطوا البيعة، وسار هو إلى الكوفة ليتهيأ إلى الشام.
أما الشام فقد كان واليها معاوية بن أبي سفيان منذ أيام عمر رضي الله عنه، وقد خَبَر أهلها وخَبَروه وأخذهم بأسلوبه الخاص فأحبوه، ولأن لهم فأطاعوه، وحزمهم فانقادوا له، ولم يريدوا غيره، فعندما حدثت الفتنة في المدينة، وتسلم الغوغائيون الأمر، وقتلوا الخليفة عثمان بن عفان مظلوماً، وخرج النعمان بن بشير إلى الشام ومعه قميص عثمان المملوء بالدماء وعليه أصابع زوجه نائلة مقطعة، وعرضه على الناس ثاروا وبكوا أولاً لقتل الخليفة مظلوماً وهو شيخ طاعن في السن، وكان قتله على يد رعاع الناس، وثانياً لأنه لم يستطع بعد ذلك أحد أن يحرك ساكناً، بل إن هؤلاء الرعاع قد سيطروا على دار الهجرة. ويجب أن نعلم أن الأخبار من المدينة إلى الشام تحتاج إلى شهر ذهاباً ومثلها إياباً وأثناء هذه المدة تَجِدّ حوادث وتحدث مشكلات جديدة إضافة إلى ما تحمل الأخبار معها من زيادات مع الزمن.
ثم جاءت الأخبار بأن البيعة قد تمت لعلي بن أبي طالب، ولكن عدداً من الصحابة لم يعطوا البيعة أمثال : سعد بن أبي وقاص وهو من رجال الشورى، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وحسان بن ثابت، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك وغيرهم، وفوق كل هذا فإن طلحة والزبير قد أعطيا البيعة مكرهين وهما من رجال الشورى.
وأن رجال الشورى الذين بقوا على قيد الحياة هم : علي بن أبي طالب وهو صاحب البيعة، وطلحة والزبير لما يبايعا إلا مكرهين، وسعد بن أبي وقاص لم يبايع أبداً، فالأمر بحاجة إلى نظر، ومع هذا فإن علي لم يستطع أن يقبض على زمام الأمر، ويقيم الحدود على قتلة عثمان الذين لا يزالون يتحكمون في أمر المدينة.
هكذا وصلت الأخبار إلى الشام، وهذا ما علمه معاوية والي البلاد، وإن كانت هذه الأمور صحيحة، إلا أن روايتها كانت بأسلوب يحتم على معاوية التريث بإرسال البيعة إضافة إلى ما يجد في نفسه، وما يراه في المجتمع من حزن على الخليفة المقتول. وتتوالى الأخبار على الشام بأن عدداً من رجالات الأمة قد اجتمعوا في مكة والتجؤوا إليها يعتزلون الفتنة، أو يعترضون على تصرفات الغوغائيين في المدينة. ويرسل علي بن أبي طالب الخليفة الراشدي الجديد عماله إلى الأمصار ويرسل فيمن يرسل سهل بن حنيف إلى الشام ليتولى أمرها، ويعزل معاوية، ويرد الوالي الجديد من حدود بلاد الشام، ويبقى معاوية في حاضرته ينتظر ما يؤول إليه الأمر، ثم تصل إليه أخبار جديدة بأن عدداً قد خرج من مكة إلى البصرة معارضين للخليفة في المدينة، على رأسهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وطلحة، والزبير، إذن يفهم من هذه الأخبار أن الأمر لم يستقر لعلي بعد ولا بد من الانتظار في البيعة، وانتظر، وانتظر معه مجتمع الشام. وحدثت أحداث البصرة التي ذكرنا ووقعت معركة الجمل وتأسف المسلمون لما تم، وكل هذا جعل عامل الشام معاوية بن أبي سفيان ينتظر في إعطاء البيعة للخليفة الجديد، وهذا ما رآه، ورآه معه عدد من الناس، ويعد اجتهاداً.
أما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيرى غير ذلك، إذ ينظر إلى معاوية على أنه عامل للخليفة، إن طلب منه ترك العمل تخلى، وإن طلب منه الاستمرار تابع، فهو تبع وليس بمجتهد في هذا الأمر، والوالي ليس عليه إلا أن يبايع هو وأهل مصره إذا بايع أهل المدينة وقد بايعوا فلماذا هذا التواني ؟ فهل أصبح من أهل الشورى ليؤخذ رأيه في البيعة أم لا ؟ وقد عزله الخليفة فعليه الامتثال، هذه نظرة علي إلى معاوية، وهي صحيحة، أما بالنسبة إلى الأوصاع فيرى أنها غير مستقرة والمنحرفون لا يزالون في المدينة فيجب الانتهاء من البيعة، وطمأنينة الناس، فمتى تم هذا يصرفوا إلى أمصارهم، فيتوزع أمرهم، ويضعف شأنهم.
وعندما تقام عليهم الحدود ويقتص منهم بما اقترفت أيديهم، أما الآن فلهم قوتهم، ويتمكنون من المدينة فيصعب الاقتصاص، لأنه ربما إن فعل أمير المؤمنين ذلك اقتصوا هم منه ومن أهل المدينة، وهو اجتهاد، ويؤجر عليه إن شاء الله تعالى. ولم يقبل سيدنا علي من عامل الشام هذا التصرف، وليس أمامه إلا تنفيذ أوامره، وهو الذي لا يعرف إلا الشدة في الحق، ولا يعمل إلا بالحزم، واللين عنده من الضعف، لذا قرر التعبئة والنهوض إلى الشام، وعبأ الجند، وهو يريد السير إذ جد له أمر الركب المكي فسار وراءهم نحو العراق، وتغير خط حركته من الشام إلى البصرة، ووقعت معركة الجمل في منتصف جمادي الآخرة، ودخل إثرها البصرة، فأصلح فيها، فعفا عن المسيء، وواسى المنكوب، ووزع الأموال على الغالب والمغلوب، ثم ولّى عليها عبدالله ابن عباس، وعبد قضاء مدة فيها تحرك إلى الكوفة ليتابع سيره إلى الشام قصده الرئيسي الذي كان.
وصل إلى الكوفة في نهاية شهر رجب من عام 36 هـ، ومكث فيها مدة أربعة أشهر استعد خلالها للقتال، وعبأ الجند، ولم يكن يرفق بنفسه ولا بأصحابه، هكذا اعتاد خلال حياته، يسلك الطريق المستقيم مهما اعترضه من صعاب، ويحث السير فيها مهما وجد من عقبات، ولم يكن أصحابه يرفقون بأنفسهم يسيرون سير أميرهم.
أرسل علي بن أبي طالب جرير بن عبدالله البجلي إلى معاوية يطلب منه أن يبايع، وأن يدخل فيما دخل فيه الناس، ويبين حجة علي ورأيه فيما يطلب إليه، ولكن معاوية لم يعط جواباً، ورجع جرير دون جواب، ولكن بعض أصحاب علي كانوا يريدون الجواب السريع، لذا عدوا أن جريراً لم يقم بالمهمة المنوطة به كما يجب، فاسمعه الأشتر كلاماً تأثر منه، فغادر المعسكر، وأقام في قرقيساء عند التقاء نهر الخابور بنهر الفرات. وبالمقابل فقد أرسل معاوية رسلاً كان منهم أبو مسلم الخولاني، ولكن لم تؤد تلك الرسل إلى نتيجة، وهذا ما جعل أصحاب علي يحثونه للسير، فما دخل شهر ذي الحجة إلا وكانت طلائع علي في بلاد الشام إلا أنه أمرهم ألا يبدؤوا بقتال قبل أن يدركهم...
وعلم معاوية بحركة جيش العراق فأسرع بجند الشام، ووصل قبل علي إلى صفين، ونزل مكاناً مناسباً يمكنه وجنده من الشرب من نهر الفرات، وعندما وصل علي إلى ذلك المكان وجد جنده في ظمأ، فطلب من معاوية أن يكون الماء حراً، ولكنه لم يحصل على جواب، الأمر الذي أدى إلى احتكاك، وانتصر جند العراق وأزاحوا جند الشام عن مواقعهم، ولكن علياً أمر أن يكون الماء حراً يشرب منه الطرفان بكل وقت يريدون.
وأقام الفريقان عدة أيام يلتقون على الماء، ويسعى بعضهم إلى بعض، وربما يسمرون معاً دون قتال ولكنه جدال ومناقشات تحدث، وربما يقف المرء أمام هذا طويلاً يسترجع ما صوره المؤرخون عن الخصومة العنيفة بين الجانبين، والرغبة الملحة من كليهما لقتل الآخر، وما هي كذلك إن هي إلا خلاف في الرأي، وأخوة مضمرة غير ظاهرة بسبب ذلك التباين في الاجتهاد.
ثم وقع القتال، ولم يكن ذلك الهجوم الكاسح بكلالامكانات وبكافة الطاقات، وكل منهما يبغي استئصال الآخر، وإنما هذا ما كان يخشاه الجانبان فإن القتل من أي طرف إنما هو اضعاف للمسلمين، لأن هؤلاء الحضور من أي جانب كان إنما هم جند المسلمين وقوتهم، وعلى عاتقهم حماية الثغور، واتمام الفتوحات، لذا كانت تتقدم فرقة إلى فرقة لعل الله يصلح الأمور، وتثوب العقول إلى رشدها، واستمر ذلك مدة شهر ذي الحجة، وأهل شهر المحرم، فتوقف القتال، وتصافوا لعلهم يتصالحون، وكثرت السفراء بين الفريقين ولكن دون جدوى. ولا بد هنا من وقفة قصيرة هل يترك الحقد لهم مجالاً للتفكير بالتوقف عن القتال لو كان هناك حقد ؟ إلا أن النفوس طيبة، وبالقلوب محبة صادقة تستغل أي شيء لعل الأمر يهدأ ويتم الصلح. ومع ذلك فقد بقي كل على رأيه مصر على موقفه، علي واضح بيّن رأيه، ومعاوية لا يبدي تجاوباً، وكان لابد من القتال العام.
عادت الفرق من الجانبين يناوش بعضها بعضاً، واستمر ذلك مدة النصف الأول من شهر صفر من عام 37 هـ، فلما رأى الطرفان أن التأخير لا يفيد كان لا بد من حملة عامة، وكانت، واستمر القتال ثلاثة أيام قتل من الفريقين العدد الكثير، فقد قتل عمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص من أصحاب علي، وقتل عبيدالله بن عمر بن الخطاب من أصحاب معاوية، وظهرت علائم الهزيمة على جيش الشام، ورفعت المصاحف، وتوقف القتال، وعلى الرغم مما قيل من أن العراق لم يكن قسم منهم يرغب في وقف القتال، ومنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نفسه، والاشتر النخعي أحد القادة البارزين والذي استمر في القتال على الرغم من إعطاء الأوامر له بالكف عن متابعة القتال، إلا أن الأمر قد تم، وتوقف القتال، فالمسلمون ينتظرون من كل بارقة أمل أن يكون فيها الصلح، ولو لما يكن ذلك لم توقف القتال، والنصر قد لاح لفريق وهو الطرف الشرعي، ويقاتل بعناد الطرف المعاند حسب رأي أمير المؤمنين على الأقل. ولما سأل الأشتر النخعي معاوية بن أبي سفيان عن رأيه، أجابه بفكرة الحكمين.
توقف القتال، وكتبت صحيفة التحكيم، وشهد عليها رجال من الطرفين، وجند الشام راضون وجند العراق بين راض وساخط وساكت مكرهاً. وبعد يومين من ذلك العقد أذن علي بالرحيل إلى الكوفة بعد أن دفنوا موتاهم، وسار الموكب نحو الكوفة، على حين تحرك معاوية بجيشه نحو الشام.
لم يدخل جيش علي كله الكوفة كما خرج منها، وإنما انحازت جماعة منه إلى حروراء مخالفين ما في صحيفة التحكيم، وغاضبين عما تم، وقد رتبوا أمورهم، فجعلوا أمر الحرب إلى شبث بن ربعي التميمي، وكان عبدالله بن الكواء يصلي بالقوم، فأرسل علي إليهم الرسل علهم يعودون إلى صوابهم، ويرجعون إلى إخوانهم وربما كانوا يفكرون في ذلك، لذلك كانوا يطالبون علياً بالعودة إلى القتال وترك التحكيم، وعاد بعضهم، ومنهم أمير حربهم شبث بن ربعي التميمي، ثم أرسل علي إليهم عبدالله بن عباس فناقشهم وأطال معهم الجدال، ثم ذهب إليهم علي بنفسه وحاجهم، وعادوا جميعاً فدخلوا الكوفة، وظن أن الأمر قد انتهى، إلا أنهم بقوا على الدوام يعلنون عن آرائهم، ويصيحون صحيتهم لا حكم إلا لله التي يقول عنها أمير المؤمنين : كلمة حق أريد بها باطل، ويناقشون، ويظنون أن علياً سيعود إلى القتال، وإنما ينتظر الناس حتى تستريح، وبعدها ينهض للحرب.
اجتمع الحكماء في دومة الجندل، ولم يتفقا على شيء بل رجعا من غير تفاهم، ولكن ليس ما ذكره المؤرخون بالصحيح، فلم يكن أبو موسى الأشعري ذلك الرجل المغفل البسيط الذي يلعب به، وهو الصحابي الجليل، والوالي لعمر بن الخطاب على الأمصار، وعمر لا يمكن أن يولي عاملاً من النوع الذي ينعت به المؤرخون أبا موسى، كما أن عمرو بن العاص لم يكن ذلك الرجل من الغدر، وقلة الدين، وعدم الوفاء والمروءة، وإنما افترقا من غير اتفاق.
أراد علي بعد فشل التحكيم أن يستعد للنهوض إلى الشام، وطلب من واليه على البصرة عبدالله بن عباس أن يستعد بأهل مصره، فأرسل ابن عباس المقاتلين، إلا أن علياً قد لاحظ أولئك الذين خرجوا من عسكره بالأمس ثم عادوا، ثم بدؤوا يتسللون رتلاً إثر رتل، ويكتبون إلى إخوانهم في البصرة ليوافوهم في النهروان، فسكت عنهم، وأراد أن يتركهم وما خرجوا له، وقال : إن سكتوا تركناهم، وإن تكلموا جادلناهم، وإن أفسدوا قاتلناهم، ورغب أن يسير إلى الشام ويتركهم وشأنهم، إلا أن فسادهم قد بدأ، فقد قتلوا عبدالله بن خباب بن الأرت وذبحوه ذبح النعاج، وقتلوا نسوة معه، فأرسل إليهم رسولاً فقتلوه، عندها اضطر إلى العودة إليهم، والتخلص منهم بصورة من الصور قبل أن يسير ويتركهم وراءه يعيثون في الأرض الفساد.
فسار إليهم، وجادلهم، وطلب منهم تسليم قتلة عبدالله بن خباب بن الارت فقالوا : كلنا قتلة، وتمادوا في الرد، ثم هجموا على جيشه، وبدؤوا بالقتال، فاضطر إلى حربهم وإبادتهم في مكانهم في النهروان، وكان أكثرهم من أهل الكوفة، وجيشه من أهل الكوفة، فقد قتل زيد بن عدي بن حاتم معهم، وأبوه عدي بن حاتم في جيش علي، وأكثر القتلى كانوا بهذه الصورة أو قريبة منها، فغدا جيشه حزيناً كئيباً على قتلى خصومه أو قتلى أهله فتغيرت النفوس، وتبدلت الطباع، وعلى هذه الصورة كانت تلك المعارك التي دارت في ذلك الوقت بين المسلمين : اختلاف في وجهات النظر وفي الرأي فينحاز كل فرد إلى جانب، ويقاتل فمن قتل فقد انتهى، ومن قتل فقد أصيب بمن فقد.
رأى علي بن أبي طالب أن ينتظر قليلاً ليستريح الناس من تعب القتال، ولينسى الذي أصيب مصيبته، وكان معاوية بن أبي سفيان بالشام قد سمع استعداد علي للسير إلى الشام فأسرع إلى صفين ولكن لم يجد للعراق جيشاً، وانتظر، وجاءت أخبار الخوارج، وما حدث بينهم وبين علي، فعرف الأمر، وقفل راجعاً إلى الشام وقد أراح واستراح.
رأى علي أن جنده قد استراحوا وحصلوا على ما أحبوا فدعاهم للقتال فلم ينفروا، وحثهم فلم يستجيبوا، وحرضهم فلم يسمعوا، وكان يخطبهم، ويقسو عليهم، فيسمعون ثم يخرجون ولكنهم كأنهم لم يسمعوا كلاماً حتى ضاق بهم علي رضي الله عنه ذرعاً وتمنى لو لم يعرفهم، وكانت حياته معهم محنة شاقة، وعيشاً مليئاً بالمشاق والصعاب والمنغصات يأمر فلا يطاع،ويدعو فلا يستجاب له، ولربما حدث هذا مع أهل الكوفة بسبب ما خاضوا من حروب من إمامهم، إلا أنهم رأوها عندما فكروا أنها بين المسلمين بعضهم مع بعض، وبسبب الحزن الذي أصابهم بعدما فقدوا إخوانهم في النهروان، وربما بسبب ما لاحظوه من توقف الفتوحات، وعدم امتداد سلطان الدولة كما كان، بل أخذ في الاضطراب، إذ طمع الروم بثغور الشام فأسكتهم معاوية بدفع جزء من المال ريثما تنتهي أوضاع المسلمين، واضطربت ثغور المشرق على عمال علي وكان يكلفه العناء الكبير حتى يهدأ الوضع وتستقر الحال.
وربما كان بسبب أوضاعهم المادية الحسنة إذ كان علي رضي الله عنه يقسم لهم المال باستمرار، ويعطيهم أعطياتهم، ويحب بين المدة والمدة أن يكنس بيت المال ويصلي فيه ركعتين، فلربما وجدوا في ذلك راحة مغرية، ودعة مطمعة فأخلدتهم إلى الأرض، ورغبتهم في الاستقرار. وكل هذا يجعل أمر علي صعباً وحياته قاسية وفي الوقت نفسه يبعد التفكير عند معاوية عن البيعة والدخول فيما دخل فيه الناس، حيث يرى أن وضع الخليفة غير مستقر، وكلمته غير مسموعة، وعدداً من الصحابة لم يبايعوا ...
وظهر علي أنه قد انتهى من الخوارج في النهروان، إلا أنه قد تبين له بعد حين أنه ما انتهى إلا من عدد قليل منهم أو جزء منهم، وأن في معسكره في الكوفة عدداً منهم، وكانوا يجاهرون برأيهم، ويناقشونهم، وهذا ما زاده إلا غماً على غم، ولما رأى ما رأى، ونظر إلى أنه يدعو فلا يستجاب له، لذا كان هادئ الطبع يناقشهم ويستمع إليهم، ولا يمنع عنهم أعطياتهم، وكانوا يعايشونه ويعايشون عامله على البصرة، ويخرجون تحت جنح الظلام ليلتقي بعضهم مع بعض، وقد يعيشون الفساد، ويقتلون إن رأوا مسلماً، فكان علي لذلك يتمنى الموت، ويقول : ما يؤخر أشقاها؟ أي ما يمنع أشقى الناس أن يقتله، ويريحه مما يجد من أصحابه، وكان يعلم أنه سيموت شهيداً حسبما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه سيقتله أشقى الأمة.
وأصبح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الكوفة، وواليه عبدالله بن عباس في البصرة يأمران فلا يجابان، الأمر الذي جعل عبدالله بن عباس يفكر في الخلاص مما هو فيه كما يفكر الخليفة بالذات، ويقال إن ابن عباس قد ترك الولاية لزياد بن أبيه، وارتحل إلى مكة، ليعيش فيها بعد أن أعياه أصحابه، والحقيقة أنه لم يترك، بل بقي فيها حتى قتل الخليفة، بل وحتى بايع الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان، ثم سافر بعد ذلك إلى مكة، ولربما لو كان علي وزيراً لفعل ذلك لشدة ما وجد من رعاياه، ولكن الأمير لا يمكن أن يفعل ذلك.
ووجد جند الشام أن الخليفة لا يطاع، ولم يعد له إلا الرمز في السياسة الشامية، ولكنه يقوم بادارة البلاد بكل حزم، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فأمعنوا في المعارضة. فاستطاع عمرو بن العاص أن يدخل مصر، وأن يحكمها بعد مقتل محمد بن أبي بكر والي علي عليها، ولم يستطع الأشتر النخعي أن يصل إليها، إذ مات بالطريق وهو إليها وذلك عام 38 هـ، إذا أن الأشتر كان مع علي في صفين فلما عاد منها أعاده إلى عمله بالجزيرة أميراً على مدينة (نصيبين) ثم وجهه إلى مصر فمات مسموماً. أما قيس بن سعد بن عبادة فكان على شرطة علي.
أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى البصرة عبدالله بن عامر الحضرمي حيث يوجد في هذا المصر من يطالب بثأر سيدنا عثمان، ومن نكب في معركة الجمل، فحدثت اضطرابات، ولكن لم يصل إلى نتائج مرضية له.
وفي عام 39 هـ، فرق معاوية جيشه على أطراف أملاك علي، فأرسل النعمان بن بشير في ألفي رجل إلى عين التمر، وأرسل سفيان بن عوف في ستة آلاف إلى هيت، فلم يجد بها أحداً، فسار إلى الأنبار فأغار عليها ثم عاد. وأرسل الضحاك بن قيس إلى جهات تدمر، ولكنه هزم أمام حجر بن عدي الكندي قائد علي. وأرسل عبدالله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء، وكانت غارات أهل الشام هذه أن زادت أهل العراق خوفاً، ورغبة في السلم، وعدم نهوض إلى القتال.
وأرسل معاوية يزيد بن شجرة الرهاويأميراً علىالموسم ليقيم للناس حجهم، فلما دنا من مكة خافه قثم بن العباس عامل علي عليها فاعتزله، وتوسط الناس في الأمر، واختاروا عثمان بن أبي طلحة أميراً للحج في ذلك العام 39 هـ، وعرف علي مسير يزيد بن شجرة فندب الناس لرده فتثاقلوا، ثم أرسل معقل بن قيس في جند فوصلوا عندما كان الموسم قد انتهى، ولكنهم أدركوا مؤخرة يزيد، فأسروا نفراً منهم، وعادوا بهم إلى الكوفة.
ولما اختلف الناس على علي، طمع أهل فارس وأهل كرمان فحجبوا الخراج، وطردوا سهل بن حنيف عامل علي هناك، فبعث إليهم علي زياد بن أبيه فأعاد الأمن وضبط المنطقة.
وفي عام 40 هـ أرسل معاوية بن أبي سفيان بسر بن أبي أرطأة إلى الحجاز في ثلاثة آلاف رجل، فدخل المدينة، وخرج منها عامل علي أبو أيوب الانصاري خالد بن زيد، واتجه إلى الكوفة، وبايع أهل المدينة بسراً ومنهم بعض الصحابة أمثال جابر بن عبدالله، وعبدالله بن زمعة، وعمر بن أبي سلمة، وذلك برأي أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها إذ خافت عليهم، وخافوا على أنفسهم.
ثم انطلق بسر بن أبي أرطأة إلى مكة المكرمة فخافه أبو موسى الأشعري، إلا أنه عفى عنه، ومن مكة سار بسر إلى اليمن التي عليها عبيدالله بن عباس من قبل علي، وكان قد لقي من أهلها فظاظة فكتب إلى أمير المؤمنين بذلك، فأرسل إليهم يستصلحهم، ولكن لم تصلح معهم الرأفة والرحمة، فهددهم فخافوه، فكتبوا إلى معاوية يستنصرونه فسار إليهم من مكة بسر، وهو يريد الإيقاع بهم، وهمّ أن يقسو على أهل الطائف إلا أن المغيرة بن أبي شعبة نصحه فعدل عن رأيه، ولما وصل إلى اليمن كان عبيد الله بن عباس قد غادرها إلى الكوفة بعد أن استخلف عبدالله بن عبدالله المدان إلا أن بسراً قد دخلها، وأرسل علي إلى جزيرة العرب جارية بن قدامة، ومعه ألفان، ووهب بن مسعود ومعه ألفان، وسار جارية حتى أتى نجران، ففرّ بسر إلى مكة، فتبعه جارية فدخلها، وطلب من أهلها البيعة، فقالوا له : هلك أمير المؤمنين، فقال : بايعونا لمن بايع له أصحاب علي فبايعوه، ثم سار جارية إلى المدينة فدخلها وكان يصلي بالناس أبو هريرة رضي الله عنه، ثم بايع أهل المدينة الحسن بن علي.
كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه خلال هذه المدة كلها لا تشغله الأمور السياسية، ولا تحرفه عن طريق تصرفات أصحابه وتخاذلهم، ولا يمنعه ما لقي من بعض الولاة أن يتبع الصراط المستقيم وأن ينطلق من خلال فقهه وعلمه، فقد كان عمر بن الخطاب يقول : علي أقضانا، وقد سار علي في الناس سيرة عمر التي عرفت بالحزم، فقد منع الصحابة من مغادرة المدينة، وكان يحمل الدرة ويؤدب الناس بها، ثم الخيزرانة عندما لم تجد الدرة، ويمر بالأسواق، وينظر في الأسعار ويراقبها، ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويجلس للناس في المسجد يحل مشكلاتهم، ويقضي لهم، ويعظ الناس، ويخطبهم.
ــــــــــــــ
مقتل علي :
اجتمع عدد من الخوارج فتذاكروا فيما آل إليه أمر المسلمين، وتذكروا قتلاهم يوم النهروان، فثارت بهم الحمية، ورأوا أن علياً ومعاوية وعمراً من أسباب بلاء الأمة -حسب رأيهم وما توصلوا اليه- لذا قرروا التخلص منهم. فتعهد عبدالرحمن بن ملجم المرادي علياً، وأخذ البرك بن عبدالله على عاتقه قتل معاوية، ووعد عمرو بن بكر التميمي بالتخلص من عمرو بن العاص، وتواعدوا كتم أمرهم، وأن يسير كل حسب جهته الموكل بها، وأن يكون موعدهم لتنفيذ الخطة صلاة الفجر من يوم 17 رمضان سنة 40 هـ.
ومرّ عبدالرحمن بن ملجم على تيم الرباب فوجد بينهم فتاة رائعة الجمال تدعى قطام ابنة الشجنة وكانت ممن أصابها وأصاب قومها النكبات يوم النهروان : فخطبها ابن ملجم، فاشترطت عليه مهراً كبيراً مقداره ثلاث آلاف دينار وعبد وقينة ثم رأس علي، فوافقها وأسرّ لها مهمته بعد أن قال لها : هذا طلب من لا تريد العيش مع زوجها، فأجابته : إن نجوت عشنا خير حياة، وإلا فزت بالجنة -حسب زعمها- وهو في الواقع أشقى من عليها. وجاء اليوم الذي اتفقوا عليه، فضرب ابن ملجم علي بسيفه المسموم فقتله، وأما معاوية فأصابه يومها البرك بن عبدالله في إليته، فنجا بعد مداواة، فاتخذ بعدها المقصورة، وأما عمرو بن العاص فلم يخرج يومها للصلاة لمرض أصابه، وكلّف مكانه صاحب شرطته خارجة بن حذافة فقتل.
ودخل جندب بن عبدالله على علي بعد إصابته فقال له : يا أمير المؤمنين إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن، فقال : ما آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر. ونهى علي عن المثلة بقاتله وقال : إن مت فاقتلوه بي، وإن عشت رأيت رأيي فيه. ثم لم يلبث أن توفي، وغسله الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر، وكفن، وكثرت الروايات حول دفنه، الأمر الذي جعل قبره مجهول المكان.
واتجه الناس إلى الحسن فبايعوه وكان أول من بايعه قيس بن سعد، وبقي الحسن في الخلافة ستة أشهر رأى خلالها تخاذل أصحابه، وضرورة اتفاق الأمة، فآثر الصلح، ودعا معاوية إليه فوافق، وتنازل الحسن له في 25 ربيع الأول عام 41 هـ، ودخل معاوية الكوفة، وانتقل الحسن والحسين إلى المدينة. ويبدو أن الحسين لم يكن برأي أخيه وكذا قيس بن سعد.
وهكذا انتهت مدة الخلافة الراشدة التي سارت على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأت بعدها زاوية الانحراف تنفرج تدريجياً.
ــــــــــــــ


حروب الردة

لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اتسع نطاق الردة ونجم النفاق في كل مكان إلا ما كان من المدينة ومكة والطائف والبحرين، ثم إن المناطق التي تقع إلى الشمال من المدينة، قد خاف أهلها بإرسال جيش أسامة، وقالوا : لو لم يكن للمسلمين قوة لما أرسلوا مثل هذا الجيش، فلنترك الأمر إلى قتالهم مع الروم، فإن انتصر الروم فقد كفونا القتال، وإن انتصر أسامة فقد ثبت الإِسلام، وهذا ما جعل الردة والنفاق تنكفأ في تلك البقاع.
وكان المرتدون فريقين، أولهما قد سار وراء المتنبئين الكاذبين أمثال مسيلمة وطليحة والأسود، وآمنوا بما يقول الكذّابون، وثانيهما بقي على إيمانه بالله وشهادته بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإقام الصلاة، إلا أنه قد رفض تأدية الزكاة وعدّها ضريبة يدفعها مكرهاً، وقد أرسل هذا الفريق الثاني وفداً إلى المدينة لمفاوضة خليفة رسول الله، وقد نزل على وجهاء الناس في المدينة، عدا العباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه، وقد وافق عدد من كبار المسلمين على قبول ما جاءت به رسل الفريق الثاني، وناقشوا في ذلك الأمر، أبا بكر، ومنهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة، وغيرهم، إلا أن أبا بكر رضي الله عنه قد رفض منهم ذلك، وقال قولته المشهورة "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم عليه".
وقال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما : كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال : لا إله إلا الله، فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله. فقال أبو بكر : والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً(1) لقاتلتهم على منعهم. وهكذا رأى أبو بكر رضي الله عنه أن الإِسلام كل لا يتجزأ وليس هنالك من فرق بين فريضة وأخرى، والزكاة وإن كانت من النظام الاقتصادي، إلا أنها ركن من أركان الإِسلام، وعبادة بحد ذاتها، ولا يمكن تطبيق جزء من الإِسلام وإهمال آخر. ورأى الصحابة أن الأخذ باللين أفضل إذ زلزلت الأرض بالردة والنفاق.
وقال عمر رضي الله عنه : يا خليفة رسول الله ! تألف الناس وارفق بهم، فأجابه أبو بكر : رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك ؟ أجبار في الجاهلية وخوار في الإِسلام ؟ إنه قد انقطع الوحي، وتمَ الدين، أوَ ينقص وأنا حي؟ أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بحقها، ومن حقها الصلاة وإيتاء الزكاة، والله لو خذلني الناس كلهم لجاهدتهم بنفسي.
وردّ أبو بكر وفد المنافقين الذين امتنعوا عن دفع الزكاة، مسفهاً رأيهم، مستمسكاً بالحق في إجبارهم على الخضوع الصحيح للدين فعاد رجال الوفد إلى قبائلهم وأخبروهم بقلة عدد المسلمين - وكان جيش أسامة قد انطلق - وأطمعوهم بغزو المدينة.
__________________
(1) العناق : السخلة، الأنثى الصغيرة من الماعز.
وكان أبو بكر رضي الله عنه عندما عاد إلى المدينة بعد أن شيعَ جيش أسامة قد جعل كبار الصحابة على منافذ المدينة إلى البادية، ومنهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وطلب من أهل المدينة أن يكونوا في المسجد استعداداً لكل طارئ، وقال لهم : إن الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم قلة، وإنكم لا تدرون أليلاً تؤتون أما نهاراً وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم عهدهم، فاستعدوا وأعدّوا.
كان أبو بكر رضي الله عنه يريد أن يؤخر قتال المنافقين والمرتدين حتى يعود جيش أسامة، لذا كان يستقبل الرسل ويبعث بآخرين، إلا أنه في الوقت نفسه أراد بعض المنافقين أن يستغلوا الفرصة ويهاجموا المدينة قبل عودة الجيش الإِسلامي من بلاد الروم، وقبل استكمال المسلمين لقوتهم. فلم تمض أيام ثلاثة على عودة أبي بكر إلى المدينة من تشييع أسامة حتى داهمت المدينة غارة ليلاً، وقد اطمأن المغيرون إلى أن الجيش الإِسلامي قد ابتعد عن المدينة وأوغل في البعد.
وصلت الغارة إلى المدينة المنورة وقد خلفت وراءها قوةً ردءاً لها في (ذي حسى)(1)، وعندما طرقت الغارة الأنقاب وجدت عليها المقاتلة، ووراءهم أقوام أشبه بالمراسلين، فأوصلوا الخبر إلى أبي بكر في المسجد، فأرسل أبو بكر إلى المقاتلة عن الأنقاب أن اثبتوا، وسار بأهل المسجد إلى الأنقاب، فانهزم المغيرون وولوا الأدبار، ولحقهم المسلمون على إبلهم حتى (ذي حسى)، فوجدوا الردء هناك، وقد نفخوا الانحاء(2)، وربطوها بالجبال، ودهدهوها(3) بأرجلهم في وجه إبل المسلمين، فنفرت الإبل ورجعت بالمسلمين إلى المدينة، فأرسل المنافقون إلى إخوانهم في (ذي القصة)(4) بالخبر، فأسرعوا إليهم، وحضر أبو بكر ليلته، ثم خرج في آخر الليل ماشياً، وعلى الميمنة النعمان بن مُقَرّن(5)، وعلى الميسرة عبد الله بن مقرن(6)، وعلى الساقة سويد بن مقرن(7)، فلما أصبح الصباح لم يشعر المنافقون إلا والمسلمون يعجلون فيهم السيف. فلما كانت ضحوة ذلك النهار ولّى المنافقون الأدبار، ووصل المسلمون إلى (ذي القصة)، ترك أبو بكر النعمان بن مقرن في عدد من المسلمين، ورجع هو بالناس إلى المدينة.
__________________
(1) ذي الحُسى : موقع قرب المدينة.
(2) الانحاء : ضروف السمن.
(3) دهدهوها : دفعوها.
(4) ذي القصة : مكان يبعد 35 كيلو متراً عن المدينة.
(5) النعمان بن مقرن بن عائذ المزني : أبو عمرو، صحابي فاتح، من الأمراء القادة الشجعان، كان معه لواء مزينة يوم فتح مكة، استشهد يوم نهاوند عام 21 هـ . وله عشرة إخوة كلهم من الشجعان.
(6) عبدالله بن مقرن بن عائذ المزني : أخو النعمان.
(7) سويد بن مقرن بن عائذ المزني : أخو النعمان، أبو عائذ، أسلم مع أسرته، شهد فتح العراق، وحضر القادسية والمدائن، قاتل تحت لواء أخيه النعمان بنهاوند، وتحت لواء أخيه نعيم في الري وهمدان، ثم قاد فتح طبرستان وجرجان، سكن الكوفة ومات بها.
ارتفعت معنويات المسلمين في هذا النصر، وثبت مسلمو القبائل على دينهم، وجاء نصر آخر إذ وصلت إلى المسلمين أموال الصدقات من عدة جهات، فقد جاء صفوان بن صفوان(1) بصدقات بني عمرو وذلك في أول الليل من جهة النقب الذي عليه سعد بن أبي وقاص(2). وجاء الزبرقان بن بدر(3) في وسط الليل بصدقات بني عوف من جهة النقب الذي عليه عبد الرحمن ابن عوف(4) وجاء عدي بن حاتم الطائي(5) في آخر الليل بصدقات قومه من جهة النقب الذي عليه عبد الله بن مسعود(6)، وكان ذلك بعد مسير جيش أسامة ابن زيد بشهرين كاملين، ثم كان النصر الثالث إذ لم تمض عشرة أيام حتى رجع جيش أسامة غانماً ظافراً، فاستخلف أبو بكر أسامة بن زيد على المدينة، وقال له : أريحوا وأريحوا ظهركم، ثم خرج في الذين خرجوا إلى (ذي القصة) والذين كانوا على الأنقاب، فقال له المسلمون : ننشدك الله يا خليفة رسول الله، أن تعرض نفسك، فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامكم أشد على العدو، فابعث رجلاً فإن تصب أمرت آخر، وجاء علي بن أبي طالب بزمام راحلة وقال له : أقول لك ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد : شمّ(7) سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإِسلام بعدك نظام أبداً فقال : لا والله لا أفعل، ولأواسينكم بنفسي. فخرج إلى (ذي الحسى) و (ذي القصة)، والنعمان بن مقرن وأخواه كما كانوا في التشكيل السابق، ثم نزل أبو بكر بمن معه إلى الرَبَذة بالأبرق وقاتل المنافقين وغلبهم، فولّوا الأدبار، ورجع أبو بكر إلى المدينة، وجاءت صدقات كثيرة إلى المسلمين تزيد على حاجاتهم، وكان جند أسامة قد أخذوا الراحة المطلوبة، فعقد أبو بكر أحد عشر لواءً لقتال المُرْتدِّيْن في كل أنحاء الجزيرة العربية وهم :
____________________
(1) صفوان بن صفوان بن أسيد من بني تميم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاه على صدقات بني عمرو الذين هم فرع من بني تميم.
(2) سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب الزهري، أبو اسحاق: من المسلمين الأوائل، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، فاتح القادسية والمدائن، فارس الإِسلام، أحد رجال الشورى، اعتزل الفتنة، وتوفي قرب المدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان عام 55 هـ .
(3) الزبرقان بن بدر التميمي : صحابي، أحد وجهاء قومه، ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه، وبقي عليها حتى أيام عمر رضي الله عنه، كف بصره في آخر حياته، ومات عام 45هـ في أيام معاوية رضي الله عنه وكان شاعراً.
(4) عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، أبو محمد : صحابي جليل، من العشرة المبشرين بالجنة، وأحد رجال الشورى، من السابقين إلى الإِسلام، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان تاجراً مشهوراً، توفي عام 32هـ أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه.
(5) عدي بن حاتم الطائي، أبو طريف وأبو وهب : أمير : صحابي، أسلم في السنة التاسعة للهجرة، شهد فتح العراق، وحضر الجمل وصفين والنهروان مع علي رضي الله عنه، وفقئت عينه يوم صفين، مات بالكوفة عام 68 هـ أيام عبد الملك بن مروان.
(6) عبدالله بن مسعود الهذلي، أبو عبد الرحمن : صحابي، من السابقين للإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قصيراً، توفي في خلافة عثمان رضي الله عنه عام 32هـ، قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وعاء ملئ علماً.
(7) شم : اغمد.
1- خالد بن الوليد(1) : وأرسله إلى طليحة بن خويلد الأسدي(2)! فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نويرة اليربوعي التميمي(3) بالبطاح(4).
2- عكرمة بن أبي جهل(5) : وأرسله إلى مسيلمة الكذاب الحنفي(6) في اليمامة.
3- شرحبيل بن حَسَنة(7) : وأرسله دعماً إلى عكرمة بن أبي جهل في اليمامة.
4- المهاجر بن ابي أمية(8) : وبعثه لقتال أتباع الأسود العنسي(9) في اليمن، فإذا فرغ سار إلى حضرموت.
5- عمرو بن العاص(10) : وسيره إلى قبيلة قضاعة في الشمال.
6- خالد بن سعيد بن العاص(11) : ووجهه إلى مشارف الشام.
7- حذيفة بن محصن : وأمره بالحركة إلى أهل دَبا.
___________________
(1)خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، أبو سليمان، سيف الله : الصحابي الجليل، من أشراف قريش في الجاهلية، كان يلي أعنة الخيل، أسلم عام 7هـ، سر به رسول الله وولاه الخيل، اشتهر بحروبه ضد المرتدين، قاد الفتوح في العراق ثم الشام، توفي في المدينة عام 21 هـ، وقيل بحمص.
(2) طليحة بن خوليد الأسدي ارتد : ثم عاد إلى الإِسلام، وبايع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان قد استخلف، ورجع طليحة إلى دار قومه وبقي فيها حتى خرج مجاهداً إلى العراق، وقد أبلى بلاء حسناً في الفتوحات.
(3) مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد اليربوعي التميمي، أبو حنظلة : فارس شاعر، أسلم، وولاه رسول الله صدقات قومه، وعند وفاة رسول الله اضطرب أمره وفرق ما جمع من صدقات في قومه، وقيل ارتد، قتله ضرار بن الأزور بأمر خالد بن الوليد أثناء حروب المرتدين.
(4) البطاح : منزل لبني يربوع، وقيل ماء في ديار بني أسد بن خزيمة، وتقع جنوب وادي الرقة في بعض الأودية المتجهة إليه من الجنوب.
(5) عكرمة بن أبي جهل المخزومي، من صناديد قريش في الجاهلية والاسلام، أسلم بعد فتح مكة، وحسن إسلامه، كان على رأس كردوس في اليرموك واستشهد يومذاك عام 13 هـ
(6) مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي، أبو تمامة : متنبئ كذاب، ولد ونشأ باليمامة في بلدة الجبلية القائمة حتى الآن في وادي حنيفة شمال الرياض بأربعين كيلاً. عرف في الجاهلية برحمان اليمامة، وعندما ظهر الإِسلام في الحجاز جاء مع وفد بني حنيفة قوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ويقال أنه تخلف عن الوفد، وأسلم الوفد، ولما رجعوا كاتب رسول الله، وأراد أن يشاركه في الأمر، وأن يكون لهم نصف الأرض ولقريش النصف الآخر، وأظهر أن قريشاً قوم يعتدون، وانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقض على فتنة مسيلمة، وعندما استخلف أبو بكر أرسل له الجيوش فقضت عليه عام 11 هـ. واستشهد في قتاله عدد كبير من الصحابة.
(7) شرحبيل بن حسنة الكندي حليف بن زهرة : صحابي من القادة، أسلم بمكة، وهاجر إلى الحبشة، وأوفده رسول الله إلى مصر، قاد جيشاً لفتح الشام، عزله عمر وولى معاوية مكانه، وتوفي بطاعون عمواس عام 18 هـ، وحسنة أمه أما أبوه فقاسم بن عبد الله.
(8) المهاجر بن أبي أمية : صحابي، من القادة المشهورين، شهد بدراً مع المشركين،ثم أسلم، وأخته هي أم المؤمنين أم سلمة هند، تخلف عن تبوك، ولاه رسول الله على صدقات كندة، أرسله رسول الله إلى اليمن وقبل أن يسير توفي رسول الله، أرسله أبو بكر لقتال من بقي من المرتدين في اليمن، وتولى إمرة صنعاء.
(9) الأسود العنسي : عيهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي : متنبئ كذاب، أسلم لما أسلمت اليمن، وارتد أول من ارتد في الإِسلام وذلك أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادعى النبوة، اغتيل قبل وفات رسول الله بشهر واحد تقريباً.
(10) عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، أبو عبد الله : أحد قادة الشام، وفاتح مصر، من أهل الرأي والحزم، أسلم بعد الحديبية، ولاه رسول الله إمرة ذات السلاسل، ثم استعمله على عُمان، فتح قنسرين، وصالح أهل حلب ومبج وإنطاكية، تولى أمر فلسطين، ثم مصر، عزله عثمان بن عفان رضي الله عنه عن مصر، ثم عاد إليها عام 38 بأمر من معاوية رضي الله عنه، وتوفي بالفسطاط عام 43 هـ.
(11) خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس : صحابي، من الولاة المجاهدين، أسلم في بداية الدعوة، لقي العذاب الشديد في سبيل دينه، هاجر إلى الحبشة، شهد فتح مكة وتبوك، أرسله رسول الله إلى اليمن، وتوفي رسول الله، فاستدعاه أبو بكر، فجاءه، وخرج مجاهداً، شهد فتح أجنادين، واستشهد في مرج الصفر قرب دمشق عام 13 هـ .
8- عرفجة بن هرثمة(1) : وسيّره إلى مهرة، وأمره أن يلتقي مع حذيفة.
9- طريفة بن حاجز : ووجه إلى بني سَليم ومن معهم من هوازن.
10- سويد بن مُقَرن : بعثه إلى تهامة اليمن.
11- العلاء بن الحضرمي(2) : وقد اتجه إلى بلاد البحرين.
أُسس قتال المرتدين : كتاب الصديق إلى الناس كافة (انظر في التاريخ الإسلامي ص 223).
وبعد أن قاتل أبو بكر الصديق عبس وذبيان (بالأبرق) من أرض (الرَّبّذة) وهزمهم، اتجه قسم منهم إلى (البزاخة)، وهي ماء لبني أسد، وهناك طليحة بن خويلد الأسدي، فلما عقد أبو بكر الألوية، طلب من خالد أن يسير إلى أرض طيء لتنخذل طيء وعبس وذبيان، وأظهر أن أبا بكر سيتجه إلى خيبر ومن هناك سيرفد خالداً في بلاد طيء.
سار خالد بن الوليد إلى بلاد طيء ولكن عدي بن حاتم طلب من خالد أن يمهله ثلاثة أيام ليكسب إليه قومه ففعل، ومن بلاد طيء، نزل خالد إلى (بُزاخة)، وقتلت طليعته (عكاشة بن محصن)(3) (وثابت بن أقرم)، ولما التقى الجماعة هزم (عيينة بن حصن)(4) مع قومه فزارة، فانفصل عن القوم، وفرّ طليحة بعدها نحو بلاد الشام، وكان طليحة قد ارتد في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فارسل إليه ضرار بن الأزور(5)، فنزل المرتدون في (سميراء) وبدأ عددهم بالتناقص، وفي هذه الأثناء توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزاد عدد المرتدين وانضمت غطفان بإمرة عيينة بن حصن إلى بني أسد، وكانوا قد خالفوا طيئاً (عوف وجديلة وغوث)، فلما انضمت غطفان إلى أسد فرّ ضرار بن الأزور ببعض من معه إلى المدينة، وانفضت جموعه.
وعندما جاء خالد وهزم أعداءه في البزاخة أسلمت أسد وعامر وغطفان. وبعد انتهاء خالد من بني أسد وأحلافهم اتجه بأمر من الخليفة إلى بني يربوع في تميم في البطاح وعليهم مالك بن نويرة. وكان الخلاف في بني تميم على أشده وقد جاءتهم سجاح(6) من الجزيرة ببني تغلب فدخلت بلادهم
____________________________--
(1) عرفجة بن هرثمة الأزدي، من أهل البحرين، قاتل تحت إمرة العلاء بن الحضرمي فوجهه للعمل في البحر ففتح جزيرة، ثم سار مدداً إلى عتبة بن غزوان حين غزا (الأبلة) ثم صار إلى الموصل وتوفي في خلافة عمر في عام 20 هـ.
(2) العلاء بن الحضرمي : أصله من حضرموت، سكن أبوه مكة، فولد العلاء فيها، ونشأ في ربوعها، أسلم وهاجر، ولاه رسول الله البحرين، وجعله عاملاً على الصدقات فيها. وأقره أبو بكر وعمر عليها، ويعد أول مسلم ركب البحر للغزو، مات في طريقه إلى البصرة عام 21هـ.
(3) عكاشة بن محصن : من بني أسد، صحابي من أمراء السرايا، يعد من أهل المدينة إذ إنه حليف الأنصار مع أنه مع المهاجرين، شهد المشاهد مع رسول الله، قتل في حروب الردة، وكان طليعة للمسلمين.
(4) عيينة بن حصن : سيد فزارة، قاتل المسلمين أميراً لقومه، ثم أسلم وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم كان مع طليحة الأسدي مرتداً، فأسر وأرسل إلى المدينة موثوقاً.
(5) ضرار بن الأزور بن أوس، من بني أسد، أحد الأبطال في الجاهلية والإِسلام، صحابي قاتل يوم اليمامة، شهد اليرموك وفتح الشام، وقطعت ساقاه، وتوفي بعدها بأيام.
(6) سجاح بنت الحارث بن سويد بن غطفان من بني تميم، فرع بني يربوع، أم صادر: متنبئة كذابة، كانت في بني تغلب في الجزيرة، منتصرة، شاعرة، جاءت من الجزيرة فتبعها بنو تميم، وسارت بهم إلى بني حنيفة، فالتقت بمسيلمة وتزوجت به، ثم رجعت إلى الجزيرة، وأسلمت =
فوادعها من وادعها، وفرّ من وجهها من فر. وسارت بعد ذلك إلى اليمامة فكان أمر مسيلمة قد قوي، فخافها مسيلمة فاستأمنها، فأمنته، وتزوجها وبقيت عنده ثلاثة أيام ثم رجعت إلى أرض قومها، وكانت قد تنبأت مثل مسيلمة، وسار معها عدد من وجهاء بني تميم، وكانت قد صالحت مسيلمة على نصف غلات اليمامة ... وعندما عادت إلى الجزيرة وجاء المسلمون أسلمت وحسن إسلامها.
ولما عادت سجاح إلى الجزيرة، تحير بنو تميم الذين وادعوها، وندموا على ما كان منهم، ولم يلبثوا طويلاً حتى وصلت إليهم جيوش خالد بن الوليد، فعندما جيء برؤسائهم إلى خالد، جادلهم، وشهد جماعة على بني يربوع أنهم لم يؤذنوا فقتلهم، وقتل ضرار بن الأزور الذي كان على طليعة خالد مالك بن نويرة ... وحدثت خلافات في قتله، فتزوج خالد امرأته أم تميم ابنة المنهال بعد انقضاء عدتها.
وسار عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة الكذاب في اليمامة، وتبعه شرحبيل ابن حسنة، ولكنه لم يدركه، وكان عكرمة قد أسرع فهزمته جموع بني حنيفة فبقي شرحبيل ينتظر المدد، وجاء أمر أبي بكر لعكرمة بالانتظار أيضاً، وإذا فرغ سار إلى حذيفة بن محصن وعرفجة بن هرثمة لقتال المرتدين في عمان حتى يلتقوا مع المهاجر بن أبي أمية الذي يكون قد فرغ من اليمن وسار إلى حضرموت.
وكان خالد قد عاد إلى المدينة والتقى بأبي بكر وذلك بعد الانتهاء من البطاح، فاعتذر لأبي بكر فرضي عنه، وأرسله إلى مسيلمة الكذاب، فسار إلى البطاح والتقى بجنده هناك وانتظر حتى جاءه المدد، فقام إلى مسيلمة ... ولما وصل إليها كان شرحبيل بن حسنة قد سابقه في قتال القوم فهزم، وكان يساعده بعض بني حنيفة بإمرة ثمامة بن أثال(1) رضي الله عنه، فلام خالد شرحبيل في تسرعه : وعسكر مسيلمة في بني حنيفة في عقرباء في أعلى وادي حنيفة - وتسمى اليوم الجبيلة - وسلك خالد ثنية في جبل اليمامة (طويق) وعلى المجنبتين زيد بن الخطاب(2) أخو عمر، وأبو حذيفة بن عتبة(3)، وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، وراية الأنصار مع ثابت بن قيس بن =
___________________________
بعد مقتل مسليمة، وأقامت بالبصرة وتوفيت في خلافة معاوية رضي الله عنه عام 55 هـ، وصلى عليها والي البصرة سمرة بن جندب.
(1) ثمامة بن أثال بن النعمان اليمامي، من بني حنيفة، أبو أمامة : صحابي، من سادات اليمامة، اسر بيد المسلمين وهو في طريقه لزيارة البيت، أطلق سراحه بأمر رسول الله، أسلم بعد ان أدى العمرة، ولما ارتد بنو حنيفة ثبت على إسلامه، وقاتل المرتدين بجانب عكرمة وشرحبيل، ثم سيره أبو بكر إلى البحرين فقاتل المرتدين هناك تحت إمرة العلاء بن الحضرمي، واستشهد هناك.
(2) زيد بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي : أخو عمر بن الخطاب،وكان أسن من عمر، وأسلم قبله، صحابي، يعد من شجعان العرب في الجاهلية والإِسلام كانت راية المسلمين بيده يوم اليمامة، وثبت يومذاك حتى استشهد، وقبره هناك.
(3) أبو حذيفة بن عتبة بن عبد شمس : صحابي، هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، شهد بدراً مع المسلمين وفيها قتل أبوه وعمه وأخوه كفاراً، وحضر المشاهد كلها، واستشهد يوم اليمامة.
شماس(1)، وكان ضرار بن الأزور قد سار في قسم من الجند من ثنية من الشمال، ونزلوا من جهة(ملهم)(2) إلى عقرباء، وجرت معركة حامية الوطيس تراجع المسلمون في أولها حتى دخل بنو حنيفة على خالد في فسطاطه، ثم حمل المسلمون حملة رجل واحد أزالت المرتدين عن مواقعهم، وأجبرت مسيلمة الالتجاء إلى حديقة عرفت باسم حديقة الموت، وفيها صرع مسيلمة الكذاب وعدد كبير من جنده، واستشهد من المسلمين عدد من القراء ووجهاء الناس، منهم زيد بن الخطاب وثابت بن قيس وغيرهم كثير.
وفي عمان ظهر لقيط بن مالك الأزدي، وغلب عليها، واضطر جيفر وعباد الإلتجاء إلى الجبال وعلى سواحل البحر، وأرسل جيفر إلى أبي بكر الصديق يستنجده، فبعث أبو بكر حذيفة بن محصن إلى عمان وعرفجة بن هرثمة إلى مهرة، وأوصاهما إذا التقيا أن يبتدئا بعمان، وإذا اقتربا منها راسلا جيفرا وعبادا، ثم أتبعهما بعكرمة بن أبي جهل الذي كانت وجهته اليمامة، فلما هزم طلب من الخليفة أن يسير بمن معه إلى عمان.
اتجه عكرمة في أثر حذيفة وعرفجة فأدركهما قبل الوصول إلى عمان، وهناك راسلوا جيفرا وعبادا، وعسكر المسلمون في صحار(3)، وتجمعت جموع لقيط في دبا، وجرت معركة بين الطرفين كاد ينجح فيها لقيط لولا النجدات التي وصلت للمسلمين من البحرين وغيرها، فانتصر المؤمنون، وهزم لقيط، واستولى المسلمون على الغنائم، وارسلوا الخمس مع عرفجة إلى أبي بكر الصديق، وبقي حذيفة يدير شؤون عمان، وسار عكرمة إلى مهرة. وكان القوم فيها قد ارتدوا، إلا أنهم اختلفوا فقسم منهم في السواحل مع (شخريت) وهم أقل عدداً، وبدأ بهم عكرمة، فدعاهم للإِسلام، فوافقوا، الأمر الذي أضعف القسم الثاني الذين كانوا في المناطق المرتفعة مع (المصبح)، فهزموا أمام المسلمين الذين حازوا على الغنائم، فأرسل عكرمة الخمس مع (شخريت) إلى المدينة المنورة.
وأما اليمن فقد كان عليها عدد من الولاة كلٌ على جزء، وقد ادعى فيها النبوة الأسود العنسي، وأرسل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل والكتب، واستمر ذلك حتى مات وهدأت الأمور باليمن، فلما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقضت اليمن، فالتجأ عمال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام إلى المسلمين إلا عمرو بن حزم(4) وخالد بن سعيد بن العاص فإنهما عادا إلى المدينة، ووصل الخبر إلى أبي بكر فحارب المرتدين بأن أرسل إليهم الرسل والكتب كما كان
_______________________
(1) ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي الأنصاري : صحابي، خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد المشاهد التي بعد أحد كلها، وكانت راية الأنصار بيده يوم اليمامة، واستشهد يومها.
(2) ملهم : قرية من قرى اليمامة، ولا تزال معروفة حتى يومنا، تقع إلى الشمال من الرياض على بعد ستين كلم منها.
(3) صحار : قصبة عمان مما يلي الجبل، وهي طيبة الهواء والخيرات والفواكه، مبنية بالآجر والساج، كبيرة ليس في تلك النواحي مثلها. ولا تزال قائمة إلى الآن بين مسقط والفجيرة.
(4) عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري، أبو الضحاك : صحابي، شهد الخندق، وما بعدها، استعمله رسول الله على نجران وتوفي عام 53 هـ .. في أيام معاوية رضي الله عنه.
يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلما رجع جيش أسامة من غزوه، وعقد أبو بكر رضي الله عنه الألوية، بعث (عَتَّابُ بن أسيد)(1) عامل مكة أخاه خالد بن أسيد(2) إلى المرتدين في تهامة فغلبهم، وبعث عثمان بن أبي العاص على الطائف ابن ربيعة إلى شنوءة فقهرهم.
وتحرك كذلك بتهامة اليمن الأخباث من (عك) و (الأشعريين) فسار إليهم الطاهر بن أبي هالة، وأخبر بذلك أبا بكر، فانتصر الطاهر قبل أن يصل إليه كتاب وجواب أبي بكر.
وأرسل أبو بكر جرير بن عبد الله البجلي إلى (بجيلة) و (خثعم) فانتصر عليهم، وأقام بنجران حسب أوامر الخليفة.
وأرسل أبو بكر كتاباً إلى طاهر بن أبي هالة يأمره بأن يسير إلى صنعاء لمساعدة المسلمين، كما كتب إلى عبد الله بن ثور أن يجمع إليه من استجاب له من أهل تهامة، وينتظر التعليمات.
أرسل أبو بكر رضي الله عنه المهاجر بن أبي أمية إلى اليمن، فسار عن طريق مكة، فمشى معه خالد بن أسيد، ومرّ بالطائف، فمشى معه عبد الرحمن ابن أبي العاص، ثم انضم إليه جرير بن عبد الله البجلي ببالسراة، وعبد الله بن ثور بتهامة، كما انضم إليه من نجران فروة بن مسيك(4)، فأوثق المهاجر عمرو بن معد يكرب(5)، وقيس بن عبد يغوث المكشوح وهما من المرتدين، وأرسلهما إلى أبي بكر رضي الله عنه. ووصل المهاجر إلى صنعاء ودخلها، ولاحق شذاذ القبائل الذين هربوا.
وارتدت حضرموت، وكان عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها (عكاشة بن محصن) و (زياد بن لبيد البياضي) ثم ارسل اليها المهاجر بن أبي أمية، ولم ينطلق من المدينة بعد حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسيَّره أبو بكر إلى اليمن، وهو في طريقه إلى عمله الجديد، فوصل إلى صنعاء ودخلها، وكان عمال أبي بكر ينتظرون والي حضرموت الجديد. وسار المهاجر إلى حضرموت، كما سار إليها عكرمة بن أبي جهل، فالتقيا في مأرب، فاقتحما حضرموت، وأرسل
_________________
(1) عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري، أبو الضحاك : صحابي، شهد الخندق، وما بعدها، استعمله رسول الله على نجران وتوفي عام 53 هـ. في أيام معاوية رضي الله عنه.
(2) عتاب بن أسيد بن أبي العيض بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن، وأموي قرشي مكي، من الصحابة. كان شجاعاً عاقلاً، من أشراف العرب في صدر الإِسلام، أسلم يوم فتح مكة، واستعمله رسول الله عليها عند مخرجه إلى حنين، وكان عمره 21 عاماً، وبقي عليها، وأقره أبو بكر، واستمر فيها إلى أن مات.
(3) خالد بن أسيد : أخو عتاب بن أسيد، وهو من الفرسان المشهورين.
(4) فروة بن مسيك بن الحارث بن سلمة الغطيفي المرادي، أبو عمر : من الصحابة، وهو من اليمن، وفد على النبي وأسلم، فاستعمله على مراد ومذحج وزبيد، وقاتل المرتدين بعد وفاة رسول الله، توفي بالكوفة عام 30 هـ .
(5) عمرو بن معد يكرب بن ربيعة بن عبدالله الزبيدي : فارس اليمن، وفد على رسول الله في عشرة من زبيد فأسلموا جميعاً، ولما توفي رسول الله ارتد عمرو، ثم أسلم، وبعثه أبو بكر إلى الشام مجاهداً فشهد اليرموك وفقد إحدى عينيه. وسار إلى العراق فشهد القادسية، توفي عام 21 هـ.
خمس الغنائم إلى أبي بكر ومعها الأشعث بن قيس الكندي(1) أسيرا، وبقي في المدينة حتى خرج مجاهداً إلى العراق، واختار المهاجر بن أبي أمية العمل في اليمن فكان هو وفيروز، وبقي في حضرموت زياد بن لبيد البياضي وعبيدة بن سعد.
وأما البحرين فكان فيها بنو عبد القيس وبنو بكر، وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن ساوى(2)، وتوفي في المدة التي مات فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتدت البحرين، أما بنو عبد القيس فقد ثبتت على الإسلام بفضل (الجارود) وأما بكر فثبتت على ردتها. وأما الجارود فكان رجلا نصرانياً، وقد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم، وبقي بالمدينة حتى فقه في الدين، ثم رجع إلى قومه فلم يلبث إلا يسيراً حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتد قومه وقالت بنو عبد القيس : لو كان محمد نبياً لما مات، وبلغ ذلك الجارود فجمعهم وقال لهم : يا معشر عبد القيس، إني سائلكم عن أمر فأخبروني به إن علمتموه ولا تجيبوني إن لم تعلموا. قالوا : سل عمّا بدا لك، قال : تعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى ؟ قالوا : نعم، قال : تعملونه أو ترونه ؟ قالوا : لا بل نعلمه، قال : فما فعلوه ؟ قالوا : ماتوا، قال : فإن محمداً صلى الله عليه وسلم مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وَأن محمداً عبده ورسوله، قالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك سيدنا وأفضلنا، وثبتوا على إسلامهم، وحصرت جماعته في مكانين، وقاد المرتدين الحطم بن ضبيعة، وأرسل أبو بكر رضي الله عنه العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وكان من قبل أميراً عليها من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اقترب من البحرين التحق به ثمامة بن أثال رضي الله عنه من مسلمة بني حنيفة وذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الجارود ومن معه من عبد القيس يقاتلون الحطم بن ضبيعة، والعلاء ومن معه يقاتلون المرتدين في جهة هجر، ونصر الله المسلمين وأيدهم وخذل الكافرين وهزمهم.
ــــــــــــــ


الفتوحات الإسلامية في عهد الصديق :
-الجبهة الفارسية :
فتوح الشام :
لم تكن الدعوة لتقف في أرض معينة، فالأرض كلها ساحتها وميدانها، وإذا توقفت قليلاً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك بسبب الردة، فلما انتهت الردة كان لابد من أن تعاود نشاطها، وتسير بشكل طبيعي، ويقاتل كل من يقف في وجهها وذلك هو الجهاد.
__________________
(1) الأشعث بن قيس الكندي : أمير كندة في الجاهلية والإِسلام، وفد على رسول الله وأسلم، ولما ولي أبو بكر الخلافة امتنع الأشعث وبعض كندة من تأدية الزكاة، ولكنه هزم وسيق موثوقاً إلى أبي بكر في المدينة، فأطلقه أبو بكر وزوجه أخته أم فروة، وحسن إسلامه، وحضر اليرموك وفقد عينه، وحضر فتح العراق مع سعد، وكان مع علي في صفين والنهروان، وتوفي عام 41 هـ.
(2) المنذر بن ساوى بن الأخنس العبدي : أمير في الجاهلية والإِسلام، كان صاحب البحرين، أرسل له رسول الله رسالة مع العلاء بن الحضرمي يدعوه فيها إلى الإِسلام فأسلم، واستمر في عمله، وتوفي قبل ردة أهل البحرين أي قبل وفاة رسول الله بشهر واحد.
وانتهت حروب الردة، وكان لا بدّ من الجهاد، فالفرس يقفون في وجه الدعوة، ويحاولون دعم أعدائها، ومدّ المرتدين عليها، والروم يحاربون الدعوة، وينصرون خصومها، ويحرضون القبائل المتنصرة ضدها، وكان لا بدّ من قتال الطرفين، والاستعانة بالله عليهما وبالإيمان القوي بأن النصر من الله يؤتيه من يشاء ممن استقام على منهجه، وإذن كان على المسلمين أن يقاتلوا على جبهتين لم تكونا متفقتين وهذا ما ساعدهم على القتال وحرية الحركة دون الخوف من الطرف الآخر.
أ- الجبهة الفارسية :
كان الفرس يسيطرون على مناطق واسعة تبدأ من بادية الشام في الغرب، وشمال جزيرة العرب من الجنوب، وتتوسع منطقتهم في الغرب وتتناقص حسب انتصارهم على الروم، أو هزيمتهم أمامهم، فتارة يتوسعون وقد وصلوا إلى سواحل البوسفور ثم ارتدوا حتى حدود الفرات، وكان عدد من القبائل العربية تقيم في المناطق التي يسيطر عليها الفرس سواء في منطقة السواد أم على ضفاف الفرات والجزيرة، ومن هذه القبائل تغلب وبكر وشيبان وربيعة وطيء، وبعضها كانت مُتنصرّة في أغلبها كتغلب، وكانت طيء تعلو ويقيم رئيسها في بلدة الحيرة على مقربة من الفرات، ويعمل للفرس على توطيد سلطانهم في تلك الأنحاء، وكان من بني شيبان فارس مقدام قد دخل في الإِسلام هو المثنى بن حارثة الشيباني(1)، وقد طلب من أبي بكر بعد أن انتهى من حروب المرتدين في البحرين أن يؤمره على قومه وعلى من دان بالإِسلام في تلك الجهات ليجاهد الفرس، ويقاتل أعداء الله، فأمره أبو بكر فصار يناوش الفرس، وينتصر عليهم وقعة بعد وقعة إلا أنه في عدد قليل من المجاهدين، والفرس كثير، ومعهم عدد كبير من العرب المُتنصّرة، والقوة ستتناقص مع الأيام أمام الكثرة فكان لا بدّ من إرسال المدد للمثنى.
وانتهى خالد من حرب اليمامة، فجاءه الامر من أبي بكر بالتوجه إلى العراق ليدعم المثنى بن حارثة الشيباني وليكن دخوله من الجنوب على حين يدخلها عياض بن غنم(2) من جهة الشمال، وليكن لقاؤهما في الحيرة ومن سبق إليها كانت له الامرة على صاحبه. وكان ذلك في مطلع العام الثاني عشر للهجرة. وأمد خالداً بالقعقاع بن عمرو التميمي(3)، وأنجد عياض بن غنم بعبد ابن عوف الحميري.
___________________
(1) المثنى بن حارثة الشيباني : صحابي فاتح، من كبار القادة، أسلم عام 9 هـ، غزا بلاد فارس أيام أبي بكر، أمده أبو بكر بخالد بن الوليد، وأمده عمر بابي عبيد، وجرح في معركة الجسر، ثم أمده بسعد بن أبي وقاص، ولكنه توفي قبل وصول سعد إليه.
(2) عياض بن غنم بن زهير الفهري : قائد من شجعان الصحابة، شهد المشاهد مع رسول الله، وفتح الجزيرة الفراتية، وتوفي بالشام عام 20هـ.
(3) القعقاع بن عمرو التميمي : أحد فرسان العرب المشهورين وأبطالهم في الجاهلية والإِسلام، له صحبة، قال فيه أبو بكر : صوت القعقاع في الحرب خير من ألف فارس، شهد اليرموك وفتح دمشق، والقادسية وأكثر وقائع العراق، وسكن الكوفة، وشهد صفين بجانب سيدنا علي، وتوفي عام 40 هـ.
سار خالد بن الوليد مباشرة باتجاه الحيرة، والتقى في طريقه ببعض القريات (ألّيس) وما جاورها فصالح صاحبها (بَصْبَري بن صلوبا)، ثم اتجه نحو الحيرة، وكان عليها من قبل الفرس هانئ بن قبيصة الطائي(1)، فقال له خالد : إن أدعوكم إلى الله وإلى عبادته، وإلى الإِسلام، فإن قبلتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم شرب الخمر. فقالوا : لا حاجة لنا في حربك، فصالحهم على تسعين ومئة ألف درهم. وكان المثنى بن حارثة الشيباني يقاتل تارة في جهات كسكر وأخرى في جهات الفرات الأسفل، يقاتل الهرمزان في تلك البقاع، فاستدعى خالد المثنى ونزلوا إلى جهات الأُبُلّة لتجميع قوات المسلمين، وكانوا في ثمانية عشر ألفاً، وقد سار المثنى قبل خالد بيومين، وسار عدي بن حاتم وعاصم بن عمر التميمي(2) بعد المثنى بيوم، وأعطاهم خالد موعداً في الحفير. وقد التقوا بهرمز في أرض الأُبُلّة، وكانت المعركة وأراد هرمز أن يغدر بخالد إلا أن القعقاع بن عمرو قتل هرمز، والتحم مع حماته الذين أرادوا أن يغدروا بخالد، وركب المسلمون أكتاف أعدائهم حتى غشاهم الليل، وكان الفرس قد ربطوا أنفسهم بالسلاسل لذلك سميت هذه المعركة ذات السلاسل ... وأرسل خالد بن الوليد المثنى بن حارثة في أثر القوم، وبعث معقل بن مُقرّن(3) إلى الأَبلّة ليجمع المال والسبي، وسار المثنى حتى بلغ نهر المرأة، فحاصرها في الحصن الذي كانت فيه وكان على مقدمته أخوه المعنّى، فصالحت المرأة المثنى، وتزوجها المعنّى، أما المثنى فقد استنزل الرجال من الحصون، وقتل مقاتلتهم، وأقر الفلاحين الذين لم ينهضوا للقتال مع الفرس.
كان أردشير قد أمر بجيش كبير بقيادة (قارن بن قريانس) فلما وصل إلى (المذار)(4) وصل إليه خبر هزيمة هرمز ومقتله، فتجمع هناك، فسار إليه خالد، ونشبت معركة قتل فيها معقل بن الاعشى القائد الفارسي (قارن)، وقتل عاصم بن عمرو خصمه (الانوشجان) وقتل عدي بن حاتم عَوه (قُباذ) وقتل يومذاك من الفرس عدد كبير وصل إلى ثلاثين ألف مقاتل. وبعدها وزع خالد الغنائم وقسّم الفيء.
وتجمع الفرس ثانية في (الولجة) مع ما جاءهم من مدد قوامه جيشان الأول بقيادة (الأندرزعر) والثاني بإمرة (بهمن جاذويه) فسار إليهم خالد، وقد خلّف سويد بن مقرن في الحفير، وقد هزمت الفرس هزيمة منكرة أيضاً في هذه الجولة.
وتأثر نصارى العرب من هذه الانتصارات فكاتبوا الفرس وتجمّعوا في ألّيس، فأسرع إليهم .
__________
(1) هانئ بن قبيصة الطائي : وهو أخو إياس بن قبيصة الذي تولى أمر الحيرة بأمر كسرى بعد استدعاء النعمان بن المنذر إلى فارس، وجعل ودائعه عند هانئ بن مسعود الشيباني، وجرت معركة ذي قار بين جيوش كسرى بقيادة اياس وهانئ بن مسعود الشيباني الذي يقود بني بكر.
(2) عاصم بن عمرو التميمي : أخ القعقاع، شاعر، له صحبه، أبلى في القادسية البلاء الحسن توفي عام 16 هـ.
(3) معقل بن مقرن : أحد إخوة النعمان بن مقرن.
(4) المذار : على ضفة نهر دجلة اليسرى تقع شمال القربة ب 37 كلم، بين البصرة وواسط، وهي قصبة ميسان.
خالد وانتصر عليهم انتصاراً مبيناً وقتل منهم ما يقرب من سبعين ألفاً، ثم اتجه نحو الحيرة ثانية.
ولما انتهى خالد من الحيرة ولّى عليها القعقاع بن عمرو، وخرج يريد دعم عياض بن غنم الذي كلف بشمال العراق، فنزل خالد إلى الفلّوجة ومنها إلى كربلاء فولى عليها عاصم بن عمرو، وكان على مقدمته الأقرع بن حابس(1)، أما المثنى فكان يناوش الفرس على شواطئ دجلة. وسار خالد إلى الأنبار ففتحها ثم استخلف عليها الزبرقان بن بدر، وقصد عين التمر، فهزم جموع أهلها الذين هم من العرب المُتنصّرة والعجم، ثم حصرها فنزلوا على حكمه، فقتل من قتل منهم وأسر وسبى. واستخلف على عين التمر عويم بن الكاهل، وسار باتجاه عياض بن غنم الذي علم أنه لا يزال في دومة الجندل(2) وقد كتب إليه يستنجده، فكتب إليه خالد "من خالد إلى عياض إياك أريد".
ولما علم أهل دومة الجندل مسير خالد إليهم استنجدوا بالقبائل المُتنصّرة من العرب من كلب وغسان وتنوخ والضجاعم فأمدوهم. ولما اقترب خالد من دومة الجندل اختلف رئيساها وهما : أكيدر بن عبد الملك، والجودي بن ربيعة، فاعتزل الأكيدر، وهَزم الجودي ومن معه ومن جاءه من الدعم الذين لم يتسع لهم الحصن. وأقام خالد بدومة الجندل، وأرسل الأقرع بن حابس إلى الأنبار، وبعد مدة لحق خالد بالحيرة.
وخرج خالد من الحيرة وولّى عليها عياض بن غنم، وكان على مقدمة خالد الأقرع بن حابس... ثم بعث وهو بالعين أبا ليلى بن فركي إلى الخنافس والقعقاع إلى حُصيد. فانتصر القعقاع في حصيد، وفر من بالخنافس إلى المصَيّخ إذا لم يجد أبو ليلى، بالخنافس كيدا. وسار خالد وأبو ليلى والقعقاع إلى المصيخ وكان قد اجتمع فيه من هرب من الخنافس والحصيد، وهناك انتصر المسلمون انتصاراً مبيناً. ثم ساروا إلى (الثني)(4) و (الزُّمَيْل)(5) فانتصروا على أعدائهم، ثم ساروا إلى (الرضاب)(6)، وبها هلال بن عَقَة، وقد انفض عنه أصحابه عندما سمعوا بدنو خالد وجيشه، ثم ساروا إلى (الفراض)(7) وهي على تخوم الشام والعراق والجزيرة وذلك في شهر رمضان، وتعاون الفرس والروم ضد المسلمين، والتقت الجموع على نهر الفرات فقتل من الفرس والروم والعرب المُتنصّرة أكثر من مئة ألف...
أقام خالد بن الوليد عشرة أيام بالفرائض، ثم اذن بالرجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذي .
____________________
(1) الأقرع بن حابس بن عقال المجاشعي الدارمي التميمي : صحابي، من سادات العرب في الجاهلية، وفد على رسول الله مع وفد قومه وأسلم وشهد فتح مكة وحنين والطائف، وكان من المؤلفة قلوبهم، استشهد بخراسان بالجوزجان عام 31 هـ أيام سيدنا عثمان.
(2) دومة الجندل : وهي في شمال جزيرة العرب، ومكانها اليوم مدينة الجوف.
(3) أكيدر بن عبد الملك الكندي : ملك دومة الجندل في الجاهلية، بعث رسول الله خالد بن الوليد إليه، فاسره وقدم إلى المدينة فأسلم وأعيد إلى بلاده، فلما توفي رسول الله نقض العهد، ومات عام 12 هـ.
(4) الثني : مكان بالجزيرة الفراتية يقع إلى الشرق من الرصافة، تجمعت فيه بنو تغلب.
(5) الزميل : موقع إلى الشرق من الرصافة.
(6) الرضاب : موقع إلى الشرق من الرصافة، أو مكانها قبل أن يعمرها هشام بن عبد الملك.
(7) الفراض : موضع بين إلى الشرق من البو كمال على بعد 40 كيلاً منها، قريبة من الحدود بين العراق وسوريا اليوم.
القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بالناس، وأظهر خالد أنه في الساقة، وسار مع عدة من أصحابه إلى مكة يؤدي الحج، ورجع من الحج، فوصل إلى الحيرة ولم تدخل الساقة البلدة بعد، ولم يدر الخليفة أبو بكر رضي الله عنه بما فعل خالد إلا بعد مدة، فعتب عليه، وصرفه عن العراق إلى الشام.
وصل كتاب أبي بكر إلى خالد وهو بالحيرة وفيه : أن سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا وأشجوا، وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشْجِ الجموعَ من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجى من الناس نزعك، فليهنئك أبا سليمان النية والخطوة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن، وهو ولي الجزاء.
وجاء فيما كتب أبو بكر لخالد : أما بعد فدع العراق وخلّف فيه أهله الذين قدمت عليهم، وهم فيه، وامض مختفياً في أهل القوة من أصحابك الذين قدموا معك العراق من اليمامة وصحبوك في الطريق، وقدموا عليك من الحجاز، حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة ومن معه من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة والسلام.
سار خالد من الحيرة في العراق، وقد استخلف المثنى به حارثة الشيباني على جند العراق، وسار هو إلى الشام، وكتب إلى أبي عبيدة(1) : أما بعد فإني أسأل الله لنا ولك الأمن يوم الخوف والعصمة في دار الدنيا من كل سوء، وقد أتاني كتاب خليفة رسول الله يأمرني بالمسير إلى الشام وبالقيام على جندها والتولي لأمرها، والله ما طلبت ذلك قط ولا أردته إذ وليته فأنت على حالك التي كنت عليها لا نعصيك ولا نخالفك ولا نقطع دونك أمراً، فأنت سيد المسلمين، لا ننكر فضلك، ولا نستغني عن رأيك تمم الله بنا وبك من إحسان ورحمنا وإياك من صلي النار والسلام عليك ورحمة الله.
سار خالد من الحيرة إلى دومة الجندل، وخرج منها من جهة وادي السرحان إلى الشمال.
ب- فتوح الشام :
بعد أن رجع خالد بن سعيد بن العاص من اليمن أمره أبو بكر أن ينزل بتيماء وأمره ألا يبرحها، وأن يدعوا من حوله بالانضمام إليه، وألا يقبل إلا من لم يرتد، ولا يقاتل إلا من قاتله، حتى يأتيه أمره. فأقام فاجتمعت إليه جموع كثيرة، وبلغ الروم عظم ذلك العسكر، فاستنفروا العرب الذين بالشام على المسلمين، فاستنفرت كلب وتنوخ ولخم وجذام وغسان، فكتب خالد بن سعيد .
__________________
(1) أبو عبيدة الجراح : عامر بن عبدالله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي فاتح الديار الشامية وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أمين الأمة وهو من السابقين إلى الإِسلام شهد المشاهد كلها مع رسول الله وتوفي بطاعون عمواس سنة 18 هـ .
إلى أبي بكر بذلك، فكتب إليه أبو بكر : أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله، فسار إليهم خالد بن سعيد، فلما دنا منهم تفرقوا، فاتخذ موقعه مكانهم، وكتب إلى أبي بكر بذلك، فكتب إليه أبو بكر : أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك. وحدث قتال، وطلب خالد ابن سعيد من أبي بكر المدد، فأمده بالوليد بن عتبة وعكرمة بن أبي جهل، وانتصر على (ما هان) قرب القدس، وانتقل ماهان إلى دمشق فلحق به خالد بن سعيد، فلما كان بمرح الصفر جاءت جموع كبيرة من الروم لتنظم إلى قيادة (ماهان) الأمر الذي جعل خالد بن سعيد يتراجع إلى ذي المروة على حين وقف عكرمة ابن أبي جهل يحمي المتراجعين، ووصل المجاهدون من اليمن، وكانت قد دخلت السنة الثالثة عشرة، فطلب أبو بكر استبدال عمال الصدقات. ومنهم عمرو بن العاص الذي كان قد سيره في السنة الحادية عشرة إلى قضاعة، ثم استدعاه فولاه ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاه على صدقات عُمان ثانية، وكتب إليه أبو بكر رضي الله عنه : إني كنت قد رددتك على العمل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاكه مرة، وسماه لك أخرى، ومبعثك إلى عُمان إنجازاً لمواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وليته ثم وليته، وقد أحببت - أبا عبدالله - أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك. فكتب إليه عمرو : إني سهم من سهام الإِسلام، وأنت بعد الله الرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به شيئاً إن جاءك من ناحية من النواحي.
وصل خالد بن سعيد بن العاص إلى ذي المروة هرباً من جند (ماهان)، ووصل الخبر إلى أبي بكر فكتب إليه : أقم مكانك، فلعمري إنك مقدام محجام، نجّاء من الغمرات، لا تخوضها إلا إلى حق، ولا تصبر عليه. ولما كان بعد، وأذن له في دخول المدينة - كما سنرى - .
عبأ أبو بكر الصديق الجيوش إلى الشام في مطلع السنة الثالثة عشرة فسار :
1- يزيد بن أبي سفيان(1) في سبعة آلاف بعد عزل خالد بن سعيد، وكانت وجهته دمشق، وكان أول الأمراء الذين ساروا إلى الشام، وكان في جنده سهيل بن عمرو. ثم أمد أبو بكر يزيد بن أبي سفيان بأخيه معاوية بجند كثير، ولما مرّ معاوية بذي المروة أخذ من بقي من جند خالد بن سعيد، وسمح بعدها الصدِّيق لخالد بالعودة إلى المدينة.
2- عمرو بن العاص وكانت وجهته فلسطين.
3- شرحبيل بن حسنة وسار إلى الأردن، وقد استعمل على جند الوليد بن عقبة(2)، وأخذ عندما مر بذي المروة جمهور جند خالد بن سعيد.
_________
(1) يزيد بن أبي سفيان، أبو خالد، أسلم يوم فتح مكة، وبقي على صدقات بني فراس، وكان أحد قادة فتح الشام، ولاه عمر فلسطين، ثم دمشق، توفي في طاعون عمواس عام 18 هـ .
(2) الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أبو وهب : من فتيان قريش وشعرائهم، أخو عثمان بن عفان لأمه، أسلم يوم فتح مكة، وبعثه رسول الله على صدقات بني المصطلق، ولاه عمر صدقات بني تغلب، ولاه عثمان الكوفة ثم عزله، توفي عام 61 هـ.
4- أبو عبيدة بن الجراح، وكانت وجهته حمص.
وبقي عكرمة في ستة آلاف من الجند ردءاً لجيوش المسلمين.
وعلم الروم بما عبأه المسلمون، فانتقل هرقل إلى حمص، وجمع جموعاً غفيرة من جنده، وأرسل أخاه (تذارق) ليواجه عمرو بن العاص، وبعث (جرجة ابن توذرا) نحو يزيد بن أبي سفيان، ووجه (الدُّراقص) نحو شرحبيل بن حسنة، وأعطى أوامره لـ (الفيقار بن نسطوس) أن يسير نحو أبي عبيدة بن الجراح، وصل عدد الروم يومذاك إلى 240 ألف مقاتل على حين كان المسلمون واحداً وعشرين ألفاً و6 آلاف مع عكرمة بن أبي جهل في المؤخرة دعماً لجموع المسلمين.
هاب المسلمون الروم لما رأوا كثرتهم فكتب قادتهم إلى عمرو بن العاص يستشيرونه، فاقترح أن يجتمع المسلمون في مكان يلتقون فيه مع الروم، ولن يهزموا من قلة حينذاك، كما كتبوا إلى الخليفة أبي بكر وطلبوا منه المدد، فكان رأيه الاجتماع كما رأى عمرو، وأضاف أن يكون مكان المعركة في موقع يسهل الاتصال فيه مع المدينة قاعدة الحكم، ووافق على اللقاء باليرموك، وكتب إلى خالد بالعراق أن يقدم إلى اليرموك لدعم المسلمين هناك وأن يكون هو الأمير.
سار خالد بن الوليد من الحيرة إلى قراقر حيث شيعه إليها المثنى بن حارثة، ومنها إلى سوى، ثم تحرك إلى دومة الجندل، وأغار خالد على مصيخ بهراء ثم تحرك نحو الشمال مع وادي ا
ــــــــــــــ


الفتوحَات في عَهْدِ عمَر
معركة اليرموك :
-معركة فحل :
-فتح دمشق :
• في البقاع
• معركة مرج الروم وفتح حمص :
• فتح قنسرين :
• فتح أجنادين :
• فتح بيت المقدس :
• فتح حمص ثانية :
• فتح الجزيرة :
• فتح سواحل الشام :
• فتح مصر :
الجبهة الشرقية
-معركة النمارق :
- معركة الجسر :
- معركة البويب :
• فتح المدائن :
• فتح جلولاء :
• فتح حلوان
• -فتح تكريت والموصل :
• فتح ماسبذان :
• فتح الأهواز :
الفتوحَات في عَهْدِ عمَر
يبدو أن القيادة الإِسلامية في المدينة المنورة بعد أن انتهت من حروب الردة وقررت مواجهة الدولتين العظميين آنذاك، كانت الخطة الموضوعة أن تفتح المعركة بكل ثقلها على جبهة، وتقوم بدور الدفاع على الجبهة الثانية، وتعتمد على سرعة الحركة بالانتقال من جبهة إلى أخرى حيث تبقى الدولتان في ذعر شديد وضعف معنوي كبير يحول دون التفاهم بينهما، إذ تستمر المعركة قائمة على الجبهتين معاً حيث تخاف كل دولة على وجودها فلا تحرص أن تتفق الواحدة مع الأخرى وإزالة ما كان بينهما من آثار الحرب.
ومع انتهاء حروب الردة كانت الدولة الفارسية هي التي تشكل الخطر الأكبر بالنسبة إلى المسلمين إذ كان الفرس يدعمون المرتدين، ويحاولون القضاء على المسلمين، ويمدون كل متنبئ كذاب أو مرتد خارج على الحكم بكل ما يمكنهم من دعم، لذا كانت الخطة البدء بالقتال على الجبهة الفارسية، لذا وافقت قيادة المدينة المنورة على طلب المثنى بن حارثة الشيباني بالتحرش بالفرس ومنازلتهم. وعندما انتهى خالد بن الوليد من حروب الردة طلبت منه القيادة التوجه إلى العراق لدعم المثنى بن حارثة، كما طلبت ذلك من عياض بن غنم، وأعطته قوة يتحرك بها نحو شمالي العراق.
استطاع خالد بن الوليد أن ينتصر على الفرس، وأن يجول بأرض العراق، وأن تجوس خيله منطقة السواد وجزءاً من أرض الجزيرة، هذا بالإضافة إلى مناطق غربي الفرات، وهذا ما جعل الفرس يشعرون بقوة الجيش الإِسلامي وإمكاناته القتالية والتعبوية - على عكس ما كانوا يظنون - الأمر الذي جعلهم يستعدون الاستعداد الكبير للمعركة الحاسمة المقبلة، وحشد الجنود لذلك. وفي هذا الوقت كانت القوة الإِسلامية على الجبهة الرومية تقوم بالدفاع فقط حيث كان خالد بن سعيد بن العاص يرابط بقواته قرب مناطق سيطرة الروم والقبائل العربية المتنصّرة المتحالفة مع الروم. ثم جهز الخليفة الصديق الجيوش وأرسلها إلى الشام - كما رأينا - إلا أن الروم كانوا يستعدون لذلك، ويتوقعون حرباً عامة شاملة، لذا فقد جمعوا أعداداً كبيرة وبعثوها باتجاه الجيوش الإِسلامية الأربعة، كما نقل هرقل مقر قيادته إلى حمص لتكون على مقربة من ساحة المعركة، ولما رأى المسلمون ذلك طلبوا المدد من المدينة والدعم، وكان على القيادة الإِسلامية أن تنقل المعركة الرئيسية من العراق إلى الشام إذ كان الفرس في حالة من الضعف بعد الهزيمة التي منوا بها، وهم بحاجةٍ إلى مدة للاستعداد والتفاهم على الحكم بعد الخلاف الواقع بينهم، لذا طلب الخليفة من خالد بن الوليد أن ينتقل بمن معه من الجند الذين كانوا معه في نجد والذين جاءوه دعماً من المدينة واليمن إلى الشام لدعم المسلمين هناك.
انتقل خالد بن الوليد إلى الشام وجرت معركة اليرموك بين الروم والمسلمين، وكانت معركة حاسمة، ولم تبدأ حتى كانت الخلافة قد آلت إلى عمر بن الخطاب، وبعد انتهاء المعركة كان استعداد الفرس قد تم، واتفاقهم قد حصل بعد اختلاف، وقرروا تصعيد القتال ضد المسلمين، الأمر الذي جعل القيادة الإِسلامية في المدينة تطلب من القيادة العسكرية في الشام إعادة قسم من جند العراق بإمرة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى العراق، هذا بالإضافة إلى إعلان النفير في جزيرة العرب للسير إلى العراق ودعم قوة المسلمين هناك وبدأت الامدادات تصل، قوة إثر أخرى إلى العراق. أما في الشام فقد تمّ طرد الروم وإنهاء الوجود البيزنطي فيها بعد عددٍ من المعارك، وهذا ما نلاحظه في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وبدأت المعارك في العراق ثم انتقلت إلى فارس حتى قضي على الدولة الفارسية نهائياً، ولم ينته عهد الفاروق بعد. وبانتهاء المقاومة على الجبهة الشرقية عاد القتال إلى الجبهة الغربية، إذا انتقل القتال إلى مصر وشمالي إفريقية وجزر البحر المتوسط، واستمر ذلك في عهد الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه.
معركة اليرموك :
تولى عمر بن الخطاب الخلافة في بداية القتال العنيف على الجبهة الغربية، إذ كان المسلمون قد تجمعوا في اليرموك أمام تحشدات الروم الهائلة.
كان تجمع المسلمين في المنطقة الغربية من درعا اليوم، وقد أخطأ كثير من المؤرخين، فجعلوا نهر اليرموك المنطقة الفاصلة بين المسلمين والروم، ومن يجول في تلك البقعة يدرك مباشرة أنه لا يمكن لهذا الوادي السحيق أن يكون ميداناً لمعركة أو تكون جنباته ساحة لها، هذا بالإضافة إلى أن الخليفة الصديق كان قد طلب من القيادة العسكرية في بلاد الشام أن يكون تجمع جندها في مكان يسهل معه الاتصال مع المدينة لإمكانية وصول الإِمدادات وسهولة الاتصال، ولو قطع المسلمون الوادي قبل احتدام المعركة وانتقلوا منه إلى الجهة الثانية وبصعوبة كبيرة لما أمكن وصول الامدادات إليهم، ولما أمكن الاتصال مع المدينة بعد نشوب الحرب، فكيف بالانتقال والحركة السريعة أثناء القتال كما يحلوا لبعض المؤرخين أن يخططوا ذلك، لهذا كله فقد جعل المسلمون مؤخرة جندهم إلى الشمال الغربي من درعا، لتكون درعا طريقاً لوصول الدعم إليها والاتصال مع المدينة، حيث يمكن في هذا المكان قطع الوادي بسهولة. هذا مع العلم أن خالد بن الوليد قد انتقل إلى اليرموك من بصرى فيكون طريقه عن درعا أو إلى الشمال قليلاً منها. وتكون معركة اليرموك قد وقعت على جانبي أحد روافد اليرموك وهي إما (الرقاد) أو (العلق)، ويكون عمر بن العاص الذي كان على ميمنة المسلمين إلى الشمال، ويزيد بن أبي سفيان الذي كان على الميسرة في الجنوب، على مقربة من نهر اليرموك وأبو عبيدة بينهما.
وخرج المسلمون على راياتهم وعلى الميمنة معاذ بن جبل وعلى الميسرة نفاثة ابن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيالة خالد بن الوليد وهو المشير في الحرب الذي يصدر الناس كلهم عن رأيه، ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها كأنهم غمامة سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة، ورهبانهم يتلون الانجيل، ويحثونهم على القتال، وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش، فساق بفرسه إلى أبي عبيدة فقال له : إني مشير بأمر فقال : قل ما أمرك الله أسمع لك وأطيع. فقال له خالد : إن هؤلاء القوم لا بدّ لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني اخشى على الميمنة والميسرة، وقد رأيت أن افرق الخيل فرقتين وأجعلها وراء الميمنة والميسرة حتى إذا صدّوهم كانوا لهم ردءاً فنأتيهم من ورائهم. فقال له : نعم ما رأيت. فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة، وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى، وأمر أبا عبيدة أن يتأخر عن القلب إلى وراء الجيش كله حتى اذا رآه المنهزم استحى منه ورجع إلى القتال، فجعل أبو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنهم. وساق خالد إلى النساء أن يكنّ من وراء الجيش ومعهن عدد من السيوف وغيرها، فقال لهن : من رأيتموه مولياً فاقتلنه. ثم رجع إلى موقفه رضي الله عنه.
ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين فقال : عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدؤوهم بالقتال، واشرعوا الرماح، واستتروا، والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله وخرج معاذ بن جبل(1) على الناس فجعل يذكرهم ويقول : يا أهل القرآن والكتاب وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال، وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق، ألم تسمعوا لقول الله تعالى "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ..." الآية، فاستحيوا - رحمكم الله - من ربكم أن يراكم فراراً من عدوكم، وأنتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره.
______________________
(1) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الانصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن : كان عمره يوم هجرة المصطفى عشرين عاماً، أسلم وهو فتى، وآخى رسول الله بينه وبين جعفر بن أبي طالب، شهد العقبة الثانية، ثم حضر المشاهد كلها مع رسول الله، كان عالماً بالحلال والحرام، أرسله رسول الله إلى اليمن مرشداً، خرج مجاهداً إلى الشام، كان مع أبي عبيدة، واستخلفه عندما أصيب، وأقر ذلك عمر، ولكنه توفي في ذلك العام 18هـ، ولم ينجب.
وقال عمرو بن العاص : يا أيها المسلمون غضوا الأبصار، واجثوا على الركب، واشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب، ويجزي بالاحسان إحساناً - لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفراً كفراً(1) وقصراً وقصراً، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل.
_________________
(1) الكفر : المزرعة.
وقال أبو سفيان : يا معشر المسلمين أنتم العرب، وقد أحجمتم في دار العجم منقطعين عن الأهل، نائين عن أمير المؤمنين وامداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بازاء عدو كثير عدده، شديد عليكم حنقه، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غداً إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا وإنها سنة لازمة وأن الأرض وراءكم، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري، ليس لأحد فيها معقل ولا معدل إلا الصبر ورجاء ما وعد الله فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون. ثم ذهب إلى النساء فوصّاهن، ثم عاد فنادى : يا معشر أهل الإِسلام حضر ما ترون، فهذا رسول والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم. ثم سار إلى موقفه رحمه الله.
وقد وعظ الناس أبو هريرة أيضاً فجعل يقول : سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم عز وجل في جنات النعيم. ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، ألا وإن للصابرين فضلهم.
ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الأزور، والحارث بن هشام، وأبو جندل بن سهيل بن عمرو إلى معسكر الروم، ونادوا : إنما نريد أميركم لنجتمع له، فأذن لهم في الدخول، وإذا هو جالس في خيمة من حرير. فقال الصحابة : لا نستحل دخولها، فأمر لهم بفرش بسط من حرير، فقالوا : لا نجلس على هذه، فجلس معهم حيث أحبوا ... وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يقبلون الاستهانة بشيء من حرمات الله مهما قل، ومع أنه ليس فيه اللباس إلا أنهم رغبوا أن يأخذوا أنفسهم بالشدة، ورفض هذه الأمور وأمثالها، الأمر الذي جعلهم يعظمون في عين أعدائهم فيسايروهم، ويرتفعون في أنفسهم. وهذا ما وضعهم حيث وضعوا هم أنفسهم، وتميزوا بشخصيتهم فكان لهم ما تمنوا.
وعرض الصحابة على الاعداء : الإِسلام، أو الجزية، أو السيف، وكان من تعنت الروم ان كان لابدّ من القتال.
وطلب ماهان خالداً ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم، فقال له ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها، فقال خالد : إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب ماهان : هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب، وهكذا كلمة واحدة بعزة النفس تميت معنويات الخصم.
تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو - وهما على مجنبتي القلب -أشار لهما أن ينشبا القتال، وهكذا بدأت المعركة. وكان ذلك في أوائل شهر رجب من السنة الثالثة عشرة، وحملت ميسرة الروم على ميمنة المسلمين فمالوا إلى جهة القلب، وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول : اللهم زلزل أقدامهم، وأرعب قلوبهم، وأنزل السكينة علينا، وألزمنا حكمة التقوى، وحبب إلينا اللقاء، وأرضنا بالقضاء. وانكشفت زبيد، ثم تنادوا فتراجعوا، وحملوا على الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف، وردت النساء من فرّ، فرجع الناس إلى مواقعهم.
وقال عكرمة بن أبي جهل : قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم ؟ ثم نادى من يبايع على الموت ؟ فبايعه ضرار به الأزور، والحارث بن هشام عم عكرمة وعدد من المسلمين ووصل عددهم إلى أربعمائة رجل من أعيان الناس، وقاتلوا أمام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعاً جرحى، وقتل منهم عدد كبير منهم ضرار بن الأزور. ويذكر أنهم استسقوا ماء وهم جرحى فجيء إليهم بشربة ماء، فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر، فقال : ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر، فقال : ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعاً، ولم يشربها أحد منهم.
ثم حمل خالد بن الوليد بالخيل على ميسرة الروم التي حملت على ميمنة المسلمين، فأزالوهم إلى القلب، وقتل المسلمون في حملتهم هذه ستة آلاف من الروم، ثم حمل بمائة فارس على ما يقرب من مائة ألف من الروم فانهزموا أمامهم بإذن الله، وتبعهم ... ولما عاد المسلمون من حملتهم جاء البريد - الذي ذكرنا - يحمل وفاة الصديق وبيعة عمر وتولية أبي عبيدة إمرة القتال.
وخرج من بين الروم أحد أمرائهم الكبار وهو (جرجه) واستدعى خالد ابن الوليد إلى بين الصفوف حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجة : يا خالد أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمتهم ؟ قال : لا ‍‍‍ قال : فبم سميت سيف الله ؟ قال : إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعاً، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي : أنت سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين. ودعا لي النصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا أشد المسلمين على المشركين.
فقال جرجه : يا خالد إلى ما تدعون ؟ قال : إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله والإِقرار بما جاء به من عند الله عز وجل : قال : فمن لم يجبكم ؟ قال : فالجزية ونمنعهم. قال : فإن لم يعطها ؟ قال : نؤذنه بالحرب ثم نقاتله. قال : فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم ؟ قال : منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا. قال جرجه: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر قال : نعم وأفضل. قال : وكيف يساويكم وقد سبقتموه ؟ فقال خالد : إنا قبلنا هذا الأمر عنه وبايعنا نبينا وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء، ويخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقةٍ ونيةٍ كان أفضل منا، فقال جرجه : بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ؟ قال : تالله لقد صدقتك وأن الله ولي ما سألت عنه. فعند ذلك قلب جرجه الترس ومال مع خالد وقال : علمني الإِسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فسن عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين ... فحملت الروم عند ذلك على المسلمين حملة أزالوا بها المسلمين عن مواقعهم إلى المدافعين أمثال عكرمة بن أبي جهل وعمه الحارث بن هشام.
وحمل خالد وجرجه بالمسلمين على الروم حتى هزموهم بإذن الله ... وقتل جرجه رحمه الله ولم يصل سوى هاتين الركعتين مع خالد، وصلى المسلمون يومذاك صلاة الظهر والعصر إيماء، وأخّروا صلاة العشاءين. وفرّ الروم ليلاً إلى الواقوصة، وسقط الذين ربطوا أنفسهم بالسلاسل.
وكان ممن شهد اليرموك الزبير بن العوام رضي الله عنه، وهو أفضل من هناك من الصحابة، وكان من فرسان الناس وشجعانهم، فاجتمع إليه جماعة من الأبطال يومئذ فقالوا : ألا تحمل فنحمل معك ؟ فقال : إنكم لا تثبتون، فقالوا : بلى فحمل وحملوا، فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه. ثم جاءوا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى، جرح يومئذ جرحين في كتفه. وقتل عكرمة بن أبي جهل وعمه الحارث بن هشام، وابنه عمرو بن عكرمة، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وهشام بن العاص، وعمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسي. وانهزم يومذاك عمرو بن العاص في أربعة حتى وصلوا إلى النساء فزجرنهم فعادوا. وانكشف شرحبيل بن حسنة وأصحابه فتراجعوا فوعظهم الأمير فرجعوا. وثبت يزيد بن أبي سفيان وقاتل قتالاً شديداً، وذلك أن أباه مرّ به فقال له : يا بني عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رحل بهذا الوادي من المسلمين إلا محفوفاً بالقتال، فكيف بك وبأشباهك الذين ولّوا أمور المسلمين ؟ أولئك أحق الناس بالصبر والنصيحة، فاتق الله يا بني ولا يكونن أحد من أصحابك بأرغب في الأجر والصبر في الحرب ولا أجرأ على عدو الإِسلام منك. فقال : افعل إن شاء الله، فقاتل يومئذ قتالاً شديداً وكان من ناحية القلب رضي الله عنه.
وروى سعيد بن المسيب عن أبيه قال : هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتاً يكاد يملأ العسكر يقول : يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين، قال : فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد.
وروي أن الأشتر قد شهد اليرموك ولم يشهد القادسية، فخرج يومئذٍ رجل من الروم، فقال: من يبارز ؟ فخرج إليه الأشتر، فاختلفا ضربتين، فقال للرومي : خذها وأنا الغلام الايادي، فقال الرومي: أكثر الله في قومك مثلك ‍‍ أما والله لو أنك من قومي لآزرت الروم، فأما الآن فلا أعينهم.
وروي أن هرقل قال وهو على إنطاكية لما قدمت منهزمة الروم : ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم ؟ قالوا : بلى. قال : فأنتم أكثر أم هم ؟ قالوا : بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موطن. قال : فما بالكم تنهزمون ؟ قال شيخ من عظمائهم : من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض. فقال : أنت صدقتني.
وروي أن أحد أمراء الروم وهو (القُبُقلار) بعث رجلاً عربياً من قضاعة عيناً له بين المسلمين، وقال له : ادخل في هؤلاء القوم فأقم فيهم يوماً وليلة، ثم ائتني بخبرهم. قال : فدخل في الناس رجل عربي لا ينكر، فأقام فيهم يوماً وليلة، ثم أتاه فقال له : ما وراءك ؟ قال : بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجم، لإِقامة الحق فيهم. فقال له القبقلار : لئن صدقتني لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها، ولوددت أن حظي من الله أن يخلي بيني وبينهم، فلا ينصرني عليهم، ولا ينصرهم علي.
وفقد عدد من المسلمين عيونهم في يوم اليرموك منهم : أبو سفيان وكان قد فقده عينه الأولى يوم حنين والثانية في اليرموك، وعاش بعدها ضريراً، والمغيرة بن شعبة، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، والأشعث بن قيس، وعمرو ابن معد يكرب، وقيس بن المكشوح وغيرهم.
وبعد معركة اليرموك التي فر منها الروم، وتابعهم المسلمون صالح أهل دمشق وأهل حمص، إذ خلت أكثر هذه المناطق من الجنود الروم، كما أن هرقل قد انتقل من مقره في حمص إلى إنطاكية التي اتخذها قاعدة له يسير فيها الجند، وتصدر عنه الأوامر.
وانتقل أبو عبيدة بالجيش من اليرموك إلى مرج الصفر ببقية الجيش الذي لم يلاحق الروم، وفي المرج وصل إليه الخبر بأن الروم قد تجمعوا بفحل بغور الأردن، فتوقف لا يدري بأي الأمرين يبدأ، أبدمشق ويتركزّ المسلمون فيها أم يعود إلى فحل ؟ فكتب إلى أمير المؤمنين يصف له الموقف، ويستشيره بالأمر، وجاء الأمر من أمير المؤمنين أن ابدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، فانهد لها، وأشغلوا عنكم أهل فحل بخيول تكون تلقاءهم، فإن فتحها الله قبل دمشق فذلك الذي نحب، وإن فتحت دمشق قبلها فسر أنت ومن معك واستخلف على دمشق، فإذا فتح الله عليكم فحل فسر أنت وخالد إلى حمص واترك عمراً و شرحبيل على الأردن وفلسطين.
معركة فحل :
بعث أبو عبيدة عمارة بن مُخِشَ إلى فحل، فوجد أن الروم يقاربون ثمانين ألفاً، وقد طوفوا المياه في المنطقة إلا أن المسلمين استطاعوا بإذن الله إحراز النصر ودخول (فحل) و (بيسان)، وذلك قبل فتح دمشق.
فتح دمشق :
أرسل أبو عبيدة أبا الأعور السلمي إلى طبريا ليفتحها وليكون ردءاً للمسلمين المتجهين إلى دمشق، وحائلاً دون وصول إمدادات رومية إلى دمشق التي نقض أهلها الصلح بعد أن رأوا أن الروم لا تزال لهم قوة في المناطق الجنوبية، وكذلك أهل حمص، ويبدو أن المناطق الداخلية من بلاد الشام كان تقدم المسلمين فيها سهلاً وذلك لقلة السكان إذا استثنينا المدن، وسهولة حركة الجند، ووجود الحياة القبلية التي يمكن أن يكون لها أثر في الصلح أو الخوف ومغادرة الديار على حين كانت المناطق الساحلية في المنطقة الجنوبية كثيرة السكان لخصوبتها ومنها مدينة القدس ذات الطابع الديني، والدفاع عنها يكون كبيراً لذلك السبب، والمناطق الشمالية من الجهات الساحلية جبلية وعرة المسالك، إضافة إلى قسوة السكان لطبيعة بلادهم الجبلية، وكان فيها المردة والجراجمة، وهم من قدامى السكان، وبعضهم من بقايا العمالقة، ولهم ارتباطات كبيرة بالروم أيضاً.
سار أبو عبيدة باتجاه دمشق، وقد جعل خالد بن الوليد في القلب، وسار هو في الميسرة، وعمرو بن العاص في الميمنة، وكان عياض بن غنم على الخيل، وشرحبيل بن حسنة على الرجالة. وفي الوقت نفسه بعث ذا الكلاع في فرقة لترابط بين دمشق وحمص لتحول دون وصول الامدادات إلى دمشق من جهة الشمال، كما جعل أبا الدرداء في فرقة أخرى لتكون في برزة على مقربة من دمشق ردءاً للجيش الإِسلامي الذي يحاصر المدينة.
وبعث أبو عبيدة طليعة تتألف من ثلاثة عناصر أحدهم وأميرهم أبو أمامة الباهلي الذي يقول : فسرت فلما كنا ببعض الطريق، أمرت أحد من معي أن يكمن، وبعد مسافة أمرت الآخر فكمن هناك وسرت أنا وحدي حتى باب البلد، وهو مغلق في الليل وليس هناك أحد، فنزلت وغرزت رمحي بالأرض ونزعت لجام فرسي، وعلقت عليه مخلاته ونمت، فلما أصبح الصباح قمت فتوضأت وصليت الفجر، فإذا باب المدينة بقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته، ثم رجعت والطلب ورائي ، فلما انتهينا إلى الرجل الذي في الطريق من أصحابي ظنوا أنه كمين فرجعوا عني، ثم سرنا حتى أخذنا الآخر وجئت إلى أبي عبيدة فأخبرته بما رأيت، فأقام أبو عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من أمر دمشق، فجاءه الكتاب يأمره بالمسير إليها، فساروا إليها حتى أحاطوا بها، واستخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب في خيل هناك.
ولا شك فإن الإيمان وحده هو الذي كان سبب نصر المسلمين في معاركهم التي خاضوها ضد أعدائهم على الرغم من قلتهم وقلة إمكاناتهم، وبالإِيمان نفسه استطاع هذا الصحابي الجليل أبو أمامة أن ينطلق منفرداً إلى باب المدينة دمشق، وأن يبيت ليلة ونفسه مطمئنة وفكره مرتاحاً فيما سيكون وأن يصبح فيتوضأ ويصلي الفجر، ويقتل البواب وينطلق ... وهذا ما أرعب الروم، وأخاف السكان، وأضعف المعنويات إذ شعروا أن الغارات قد بدأت تصل إليهم، وأن الفرد من المسلمين وحده يمكن أن يكون غارة، يغير ويقتل وينصرف ولا يبالي.
انطلق الجيش الإسلامي نحو دمشق، فدخل الغوطة واحتلها كي لا يأمل أهل دمشق بمساعدات وتموينات منها، ووصل إلى دمشق من ناحية الشرق، فتوزع يحاصرها حسب التشكيل الذي يسير عليه، فتوقف خالد، وهو على قلب الجيش، على الباب الشرقي وحتى باب كيسان، وسارت الميسرة على جنوب دمشق، فنزل يزيد بن أبي سفيان على الباب الصغير وإلى باب كيسان، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية من جهة الغرب وحتى الباب الصغير. وسارت الميمنة على شمالي دمشق فنزل عمرو بن العاص على باب توما، ونزل شرحبيل ابن حسنة على باب الفراديس وباب السلام.
استمر حصار دمشق عدة أشهر، وشعر أهل دمشق أن الامدادات لا يمكن أن تصل إليهم، وجاء وقت البرد، وكان قاسياً، فصعب القتال، وفي إحدى الليالي ولد لبطريق المدينة مولود، فأقام وليمته للجند والناس، فباتوا ليلتهم تلك سكارى، وشعر خالد بن الوليد بذلك نتيجة ضعف قتال الذين فوق الأسوار وقلة حركة الناس عامة، ونتيجة المعلومات التي وصلت إليه من العيون، وهو على عين يقظة لا ينام إلا قليلاً ولا ينيم، وكانت عنده سلالم مهيأة. فلما أحس بذلك استدعى بعض صنايد القوم أمثال القعقاع بن عمرو، ومذعور بن عدي، وأحضر جنده عند الباب، وقال لهم : إذا سمعتم تكبيرنا فوق السور فارقوا إلينا. ثم إنه قطع الخندق وهو وأصحابه سباحة وقد وضعوا قرباً في أعناقهم تساعدهم على السباحة. إذ كانت الخنادق تحيط بدمشق وهي مليئة بالماء عدا الجهة الشمالية حيث كان نهر بردى هناك يعد بمثابة الخندق، وكان السور على ضفافه يتعرج حسب المجرى على حين كانت الأسوار في الجهات الأخرى تسير بشكل مستقيم، وأثبت خالد وصحبه السلالم على شرفات السور، وصعدوا عليها، فلما صاروا أعلى السور رفعوا أصواتهم بالتكبير لإرهاب العدو ونزلوا على حراس الباب فقتلوهم، وفتحوا الباب عنوة، وقد طعنوا مغاليقه، واندفع الجند من الباب إلى الداخل.
وانطلق خالد بن الوليد مع جنده داخل المدينة يعمل في من وقف في وجهه قتلاً، ويتجه نحو مركزها، وأسرع وجهاؤها نحو بقية الأبواب وخاصة نحو الغرب حيث باب الجابية خوفاً من أن ينالهم القتل، فيعلنون الاستسلام وفتح مدينتهم، وطلب الصلح، ودخل بقية قادة المسلمين وجيوشهم من الأبواب الأخرى صلحاً يتجهون نحو داخل المدينة والتقوا مع مركزها، خالد يعمل السيف، وهم في السلم، فقالوا له : يا أبا سليمان إن القوم قد استسلموا، وطلبوا الصلح، وفتحوا الباب لنا، ودخلنا سلماً، فقال لهم : وإنما دخلت أنا ومن معي المدينة عنوة، ولم يزل يعمل السيف حتى طلب منه أبو عبيدة الكف عن ذلك. والتقى الأمراء عند المقسلاط قرب سوق النحاسين اليوم (المناخلية). وكان فتح دمشق في رجب من السنة الرابعة عشر أي بعد معركة اليرموك بسنة كاملة. وقد استمر حصارها عدة أشهر.
وبعد فتح دمشق طلب أمير المؤمنين من أبي عبيدة أن يسير بعض جند العراق الذي جاءوا منها مع خالد بن الوليد إلى العراق مرة ثانية ليدعموا الفاتحين فيها، فسيرهم بإمرة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص.
وولى أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبي سفيان، وسيّر شرحبيل بن حسنة إلى الأردن، وعمرو بن العاص إلى فلسطين، أي سار كل من الأمراء إلى المنطقة التي كانت وجهته الأولى إليها.
بعث يزيد بن أبي سفيان أمير دمشق دحية بن خليفة إلى تدمر، كما بعث أبا الزهراء القشيري إلى حوران فصالح أهلها، إذ كان طريق المسلمين إلى دمشق عن طريق مرج الصفرّ ومن جهة الغرب من حوران لذا فقد بقيت حوران دون مصالحة.
في البقاع :
وأرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى البقاع، وعندما وصل إلى تلك الجهة جاءت حملة من الروم عن طريق ما يعرف اليوم باسم ظهر البيدر تحت إمرة سنان، واستطاع قتل عدد من المسلمين عند (عين ميسون) وعرفت تلك العين بعد ذلك باسم عين الشهداء. ثم تابع خالد سيره في البقاع نحو الشمال فصالحه أهل بعلبك.
معركة مرج الروم وفتح حمص :
وكان أبو عبيدة قد اتجه إلى الشمال أيضاً فنزل على ذي الطلاع الذي كان في آخر ثنية العقاب وشرف على (القطيفة) اليوم، وإذ وصل إليه خبر ارسال هرقل بطريقاً من قبله يدعى (توذرا) إلى مرج الروم (منطقة الصبورة اليوم) لينزل دمشق فسار إليه أبو عبيدة وخرج إلى( توذرا) وجاء خالد من الخلف، وبدأ القتال فلم ينج من الروم إلا من شرد، وقتل خالد (توذرا)، وكان أبو عبيدة قد التقى ببطريق آخر يدعى (شنس) نزل بجانبه فتنازلا وقتل أبو عبيدة شنس أيضاً، وفر أتباعه باتجاه حمص فلاحقهم أبو عبيدة، ولما انتهى خالد من (توذرا) تبع أبا عبيدة نحو حمص فحاصراها معاً، وطال الحصار، وجاء فصل الشتاء، وكان شديد البرد، وصبر الصحابة صبراً عظيماً، ولما انسلخ الفصل البارد اشتد الحصار، وأجبر الأهالي المسؤولين على الاستسلام، وطلبوا الصلح حسب الصلح الذي صالح عليه أهل دمشق على نصف المنازل، وضرب الخراج على الأرض، وأخذ الجزية على الرقاب حسب الغنى والفقر. وبعث أبو عبيدة بالأخماس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع عبد الله بن مسعود ... كما طلب منه الرأي بشأن هرقل ... فجاءه الجواب بالبقاء في حمص بالنسبة إلى أبي عبيدة.
فتح قنسرين :
وأرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قنسرين فقاتل أهلها بعد حصار واعتذار بعد هزيمة أولى، وإثر ذلك دخل المدينة عنوة، وذلك في السنة الخامسة عشرة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا التقدم السريع في المناطق الداخلية كان لا يوازيه تقدم آخر في المناطق الساحلية للأسباب التي سبق أن ذكرناها، الأمر الذي اقتضى أن يقوم عمرو بن العاص الذي ولي أمر فلسطين بحرب عنيفة في مناطقه الجنوبية حتى يستطيع المسلمون أن يتقدموا في الساحل والداخل بصورة متوازية، واقتضى الأمر من القيادة أن توجه حملات من الداخل إلى الساحل لتقطع المناطق الساحلية إلى وحدات، ولتقلل الضغط أمام الفاتحين المسلمين المتقدمين من الجنوب، وليضعف معنويات المتعنتين من الروم، وليقلل أملهم في إمكانية التشبث بالأرض والبقاء في تلك الجهات، لذا أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب معاوية بن أبي سفيان بالتحرك نحو قيسارية وتولي أمورها وكتب إليه : أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا فنعم المولى ونعم النصير. فسار إليها فحاصرها، وقاتل أهلها عدة مرات وفي النهاية انتصر عليهم وقتل منهم ما يقرب من ثمانين ألفاً، وبهذا الفتح انقطع رجاء الروم في النصر ... ثم كتب عمر إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى ايلياء (بيت المقدس).
فتح أجنادين :
سار عمرو بن العاص إلى أجنادين وهي موقع قريب من الفالوجة ومكان عبور فلسطين من الجنوب، إذا رابط فيها الأرطبون، كما كانت قوة للروم في الرملة، وأخرى في بيت المقدس، وكانت إذا جاءت قوات داعمة إلى عمرو أرسل بها تارة إلى الرملة وأخرى إلى بيت المقدس ليشاغلوا الروم في تلك الجهات خوفاً من دعمهم للأرطبون في أجنادين. وطال تأخر الفتح في أجنادين، وسارت الرسل بين الطرفين، ولم يشف أحدهما غليل عمرو، فسار بنفسه باسم رسول، ودخل على الأرطبون، وجرى الحديث بينهما، استنتج الأرطبون على أن هذا الرسول إنما هو عمرو بالذات أو أنه شخص ذو قيمة وأثر بين المسلمين، وقال في نفسه : ما كنت لأصيب القوم بأمر هو أعظم من قتله. فدعا حرساً فسارّه وأمره بالفتك به فقال : اذهب فقم في مكان كذا وكذا، فإذا مرَّ بك فاقتله، ففطن عمرو بن العاص فقال للأرطبون : أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره. وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت. فقال الأرطبون : نعم ‍ فاذهب فائتني بهم، ودعا رجلاً فسارّه فقال : اذهب إلى فلان فردّه. وقام عمرو ابن العاص فرجع إلى جيشه، ثم تحقق الأرطبون أنه عمرو بن العاص نفسه فقال : خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب. وبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال : لله در عمرو. وحدث قتال عظيم في أجنادين كقتال اليرموك .. ثم دخل المسلمون أجنادين، وتقدموا نحو بيت المقدس.
فتح بيت المقدس :
لقي المسلمون عناداً قوياً من الروم الأمر الذي جعل الجيوش الإِسلامية تجتمع مرة أخرى، وولى أبو عبيدة على دمشق سعيد بن زيد، وسارت الجيوش لتحاصر بيت المقدس وتضيق على من فيها حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. أرسل أبو عبيدة إلى عمر يخبره الخبر، واستشار عمر الصحابة فأشار علي بن أبي طالب عليه بالمسير ورأى عثمان بن عفان غير ذلك، فأخذ عمر برأي علي وولاّه على المدينة وسار إلى الشام وعلى مقدمته العباس بن عبد المطلب، واستقبله في الجابية أمراء المسلمين أبو عبيدة وخالد ويزيد، ومن الجابية سار عمر إلى بيت المقدس، ثم صالح النصارى، واشترط عليهم إخراج الروم خلال ثلاثة أيام، ثم دخل المسجد من حيث دخل رسول الله يوم الإسراء وصلى فيه مع المسلمين، ثم سار إلى الصخرة وجعل المسجد في قبلة بيت المقدس. وبعد فتح بيت المقدس رجع كل أمير إلى مكانه.
فتح حمص ثانية :
وما أن وصل أبو عبيدة إلى مركزه في حمص حتى حاصره الروم، وقد استنفروا معهم أهل الجزيرة، وكان أبو عبيدة قد استشار المسلمين في التحصن بالمدينة أو قتال الروم خارجها، فأشاروا عليه بالتحصن إلا خالد ابن الوليد الذي كان قد استقدمه من قنسرين لمساعدته ودعمه، فقد رأى قتال الأعداء خارج البناء، إلا أن أبا عبيدة رأى ما رآه بقية المسلمين، وكتب أبو عبيدة إلى أمير المؤمنين يعلمه الخبر. وكانت بقية مدن الشام كل منها مشغول بما فيه، ولو جاءته نجدة من أية مدينة فلربما اختل النظام في بلاد الشام كافة. وبخاصة أن هناك جيوب رومية كثيرة، ويختلط السكان، وكتب عمر ابن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص في العراق يطلب منه أن يسيّر مدداً بإمرة القعقاع بن عمرو إلى حمص، وأن يبعث بعثاً بإمرة عياض بن غنم إلى بلاد الجزيرة الذين مالؤوا الروم. خرج من الكوفة جيشان أولاهما اتجه نحو حمص وقوامه أربعة آلاف مقاتل بقيادة القعقاع بن عمرو، والآخر اتجه نحو الجزيرة بقيادة عياض بن غنم، وفي الوقت نفسه خرج عمر بن الخطاب نفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة. علم أهل الجزيرة أن الجيش الإِسلامي قد طرق بلادهم فتركوا حمص ورجعوا إلى أرضهم. وأخبر الروم أن أمير المؤمنين قد سار إلى الشام ليدعم حمص فانهارت معنوياتهم وضعف أمرهم، وأشار خالد على أبي عبيدة بأن يبرز لهم ليقاتلهم فوافق، فنصر الله عباده المؤمنين على اعدائهم ولم يصل بعد القعقاع إذ وصل إلى حمص بعد انتصار المؤمنين بثلاثة أيام، كما أن عمر بن الخطاب كان قد وصل إلى الجابية وجاءه خبر المعركة وهو فيها، وعدّ المدد بين المقاتلين ونال نصيبه من الغنائم. كما صالح أهل حلب ومنبج وإنطاكية.
فتح الجزيرة :
أما عياض بن غنم فقد وصل إلى الجزيرة وصالح أهل (حران) و (الرها) و (الرقة)، وبعث أبا موسى الأشعري إلى (نصيبين)، وعمر بن سعد بن أبي وقاص إلى (رأس العين) وسار هو إلى (دارا)(1) ففتحت هذه المدن، كما أرسل عثمان بن أبي العاص إلى أرمينيا فحدث قتال ثم صالح عثمان أهل البلاد على جزية مقدارها دينار على كل أهل بيت.
____________________
(1) دارا : مكان دير الزور اليوم، وهي قرب قرقيساء التي هي مكان البصيرة عند التقاء نهر الخابور بنهر الفرات.
فتح سواحل الشام :
وفتحت (قرقيساء) على يد عمر بن مالك، وصالح أهل (هيت)، وكان يزيد بن أبي سفيان قد أرسل أخاه معاوية على مقدمته ففتح بناء على أوامر أبي عبيدة المدن الساحلية صور وصيدا وبيروت وجبيل وعرقة(1) وطرابلس. وبهذا أصبحت بلاد الشام كلها بيد المسلمين. إلا أن خطأ قد وقع أثناء الفتح، وهو أن المسلمين لم يكونوا ليمشّطوا البلاد التي يفتحونها تمشيطاً كلياً حيث يخلونها من كل من يمكن أن يتمرد في المستقبل أو يكون عوناً للروم الذين يفكرون في استعادة بلاد الشام ويعتقدون أنه لا تزال لهم مراكز قوة فيها، إذ أن المسلمين كما رأينا قد بدؤوا بالمناطق الداخلية التي هي مجال حركتهم، وعلى صلة بالمدينة المنورة قاعدة الحكم الإِسلامي، بناءً على أوامر القيادة العامة، وحاولوا الابتعاد عن السواحل التي كانت للروم فيها قواعد بحرية، الأسطول الرومي يجوب تلك السواحل على حين لم يكن للمسلمين بعد أية قوة بحرية، فهم بالدرجة الأولى أبناء داخل وصحارى ولربما كان أكثرهم لم ير البحر بعد، ومنهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نفسه. وكذلك فقد تركوا الجزر الجبلية والتفوا حولها ظناً منهم أن أولئك السكان الذين كانوا على درجة من القلة لا تمكنهم من عمل شيء، لذا فإنهم ينزلون على حكم المسلمين راضين أو كارهين إضافة إلى فقر تلك الجهات هذا ويزيد ذلك وعورة تلك الأماكن وصعوبة مسالكها، وهذه الخطيئة نفسها تكررت في الأندلس، فكان من تلك الجزر الجبلية البلاء العظيم الذي أطاح بالمسلمين من الأندلس بعد مدة طويلة من الزمن، والذي لا نزال نذوق منه الويلات في بلاد الشام حتى الآن، إذ كان سكان الجبال عوناً للروم ودعماً لهم كلما ظهر الروم على الشواطئ الشامية، وهذا ما كان يستشعره الروم من أن لهم قوة تعتصم في المناطق الجبلية كما دعت الحاجة، كما أن قوة أخرى كانت لهم، وهي أن الروم عندما اجلوا عن تلك البلاد الشامية رحلت معهم بعض القبائل العربية المتنصِّرة الحليفة لهم والمنتصّرة من غسان وتنوخ واياد ولخم وجذام وعاملة وكندة وقيس وكنانة ظناً من هذه القبائل أن الروم لا يمكنهم أن يتركوا الفاتحين الجدد في البلاد الشامية، وكان لهذه القبائل مراكزها وأنصارها في المنطقة، كل هذا كان يشجع الروم على التفكير في محاولة استرجاع البلاد، وقد تمكن الروم فعلاً من استعادة بعض السواحل اللبنانية، ولكنهم لم يلبثوا أن طردوا منها. ولعل من الأخطاء التي وقعت آنذاك الاستعانة بالجراجمة، وهم سكان منطقة الجرجومة وهي مدينة تقع في جبل الأمانوس (اللكام) شمال إنطاكية، وقد كانت لهم دولة مركزها مرعش، ويعتقد أنهم من بقايا الحثيين. وعندما صالح أبو عبيدة بن الجراح أهل إنطاكية همّ الجراجمة بالانتقال إلى بلاد الروم خوفاً على أنفسهم، إلا أن المسلمين لم يأبهوا بهم آنذاك، ولكن إنطاكية لم تلبث أن نقضت العهد، واضطر المسلمون إلى فتحها ثانية، وعين أبو عبيدة عليها (حبيب بن مسلمة الفهري) الذي استعد لغزو جرجومة، فاضطر أهلها
______________________________
(1) عرقة : مدينة كانت تقع إلى القرب من طرابلس.
لطلب الصلح، وكانوا يساعدون المسلمين أحياناً عندما يرون فيهم القوة، ولكنهم إن وجدوا في الروم قوة كاتبوهم على أن ينقضّوا على المسلمين، وهذا ما كان يشجع الروم، ويُبقي عندهم الأمل في العودة إلى بلاد الشام، ولربما كان المسلمون بحاجة إلى الجند آنذاك، وقد وجدوا في الجراجمة عنصراً محارباً ودعماً عسكرياً فاستفادوا منهم، إلا أنه لا يؤمن لهم ولا لعهودهم ما دامو لا يدينون دين الحق، ولا ينظرون إلا إلى مصالحهم، وهذا ما كان يجعلهم يقفون بجانب الروم أحياناً وبجانب المسلمين مرة أخرى، ثم توزعوا في المناطق الجبلية الغربية عوناً للروم، وبقي لهم خطر على البلاد ولأحفادهم الذين اعتقدوا عقائد غريبة حتى الآن.
فتح مصر :
لما انتهى فتح المسلمين لبلاد الشام، وانتهى عمرو بن العاص من فتح فلسطين، استأذن عمرو بن العاص من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في السير إلى مصر للفتح، فوافق عمر وسيّره إليها، ثم أمده بالزبير بن العوام ومعه بسر ابن أرطأة وخارجة بن حذافة، وعمير بن وهب الجمحي، فالتقيا عند باب مصر، ولقيهم أبو مريم ومعه الأسقف أبو مريام وقد بعثه المقوقس من الإسكندرية، فدعاهم عمرو بن العاص إلى الإِسلام أو الجزية أو القتال، وأمهلهم ثلاثة أيام فطلبوا منه أن يزيد المدة فزادها لهم يوماً واحداً، ثم نشب القتال، فهزم أهل مصر، وقتل منهم عدد كبير، منهم الأرطبون الذي فر من بلاد الشام إلى مصر، والذي أجبر أهل مصر على المقاومة، وحاصر المسلمون عين شمس، وارتقى الزبير بن العوام السور، فلما أحس السكان بذلك انطلقوا باتجاه عمرو على الباب الآخر، إلا أن الزبير كان قد اخترق البلد عنوة ووصل إلى الباب الذي عليه عمرو، فصالحوا عمراً وأمضى الزبير الصلح، وقبل أهل مصر كلهم الصلح، إذ كان قد وجه عبد الله بن حذافة إلى عين شمس فغلب على أرضها وصالح أهل قراها على مثل صلح الفسطاط.
ثم أرسل عمرو جيشاً إلى الإسكندرية حيث يقيم المقوقس، وحاصر الجيش المدينة، واضطر المقوقس إلى أن يصالح المسلمين على أداء الجزية واستخلف عمرو بن العاص عليها عبد الله بن حذافة. وانشئت مدينة الفسطاط مكان خيمة عمرو حيث بني المسجد الذي ينسب إليه الآن. وأقيمت البيوت حوله.
وأرسل عمرو قوة إلى الصعيد بإمرة عبد الله سعد بن أبي سرح بناءً على أوامر الخليفة ففتحها، وكان الوالي عليها كما أرسل خارجة بن حذافة إلى الفيوم وما حولها ففتحها وصالح أهلها، وأرسل عمير بن وهب الجمحي إلى دمياط وتنيس وما حولهما فصالح أهل تلك الجهات.
ثم سار عمرو بن العاص إلى الغرب ففتح برقة وصالح أهلها، وأرسل عقبة ابن نافع ففتح (زويلة) واتجه نحو بلاد النوبة، ثم انطلق عمرو إلى طرابلس الغرب ففتحها بعد حصار دامشهر، كما فتح (صبراته) و (شروس) ومنعه عمر بن الخطاب أن يتقدم أكثر من ذلك إلى جهة الغرب.
2- الجبهة الشرقية :
كان الخلاف على الحكم قوياً في الدولة الفارسية الفرس كما كان الحكام على خلاف فيما بينهم، فلما غادر خالد بن الوليد العراق إلى الشام شعر الفرس بقلة من بقي من جند المسلمين هناك، فأرادوا النيل منهم وطردهم من أرض العراق، فأرسل شهريار ملك الفرس جيشاً قوامه عشرة آلاف مقاتل لمحاربة جيش المسلمين بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني، إلا أن الفرس قد هزموا هزيمة منكرة أيضاً.
طلب المثنى بن حارثة المدد من المدينة، إلا أن أخبار الصديق قد تأخرت عليه لانشغاله بقتال الشام الأمر الذي جعل المثنى يسير بنفسه إلى المدينة وقد خلّف وراءه على المسلمين بشير بن الخصاصية، فلما وصل إلى قاعدة الحكم وجد أبا بكر في آخر عهده وقد استخلف عمر من بعده. فلما رأى أبو بكر المثنى قال لعمر : إذا أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس لحرب أهل العراق مع المثنى، وإذا فتح الله على أمرائنا بالشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أعلم بحربه. فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين إلى الجهاد في أرض العراق، وأمر على المجاهدين أبا عبيد بن مسعود الثقفي حيث كان أول من لبى النداء ولم يكن من الصحابة، مع العلم أن عمر لم يكن ليولي إلا من كان صحابياً، وعندما سئل في هذا الأمر أجاب : إنما أؤمر أول من استجاب، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الذي استجاب قبلكم، ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً. وأمره أن يستشير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار المجاهدون إلى العراق.
وكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الوقت نفسه إلى أبي عبيدة في الشام أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد بن الوليد إلى العراق، فسيّرهم أبو عبيدة بعد فتح دمشق بإمرة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص.
وأرسل عمر أيضاً مدداً آخر بقيادة جرير بن عبد الله البجلي قوامه أربعة آلاف، فسار باتجاه الكوفة، والتقى بقائد فارس فهزمه شر هزيمة وسقط أكثر جند الفرس في النهر.
معركة النمارق :
بعث رستم جيشاً لقتال أبي عبيد فالتقى الطرفان في النمارق بين الحيرة والقادسية، وكان على خيل المسلمين المثنى بن حارثة، فهُزم الفرس، وولوا الأدبار، وساروا إلى (كسكر) فلحقهم أبو عبيد، ثم هزمهم ثانية بعد أن جاءتهم قوة داعمة لنصرتهم، وفرّ الفرس إلى المدائن.
معركة الجسر :
بعد أن هزم الفرس في النمارق وما بعدها اجتمعوا إلى رستم، فأرسل جيشاً كثيفاً ومعهم راية (كسرى) وراية (أفريدون) التي تسمى (الدرفس) وسار هذا الجيش نحو المسلمين فالتقوا، وبينهم جسر، فقال الفرس : إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم، فقال المسلمون لأبي عبيد : أمرهم أن يعبروا إلينا، فقال أبو عبيد : ما هم أجرأ منا على الموت بل نعبر إليكم، ثم اقتحم الجسر إليهم، وجرت معركة عنيفة بين الطرفين. وكانت فيلة الفرس تؤذي المسلمين حيث تخافها خيولهم الأمر الذي جعل أبا عبيد يأمر المسلمين بقتل الفيلة فقتلوها وكان بين الفيلة فيل عظيم هجم عليه أبو عبيد، فضرب خرطومه فاستدمى الفيل وصرخ وقتل أبا عبيد وبرك فوقه، وقتل القادة الذين تولوا أمر المسلمين بعد أبي عبيد، حتى جاء دور المثنى بن حارثة في الإمارة، وكان قد ضعف أمر المسلمين، وأرادوا التراجع، وعبر بعضهم الجسر، ولتزاحمهم عليه تحطم الأمر الذي جعل ظهور المسلمين للفرس وبدأ القتل فيهم حتى عظم، فقتل منهم من قتل، وغرق من غرق. فجاء المثنى ووقف عند مدخل الجسر يحمي المسلمين ليقطعوا الطريق ببطء فأصلحوا الجسر وعبروا خلاله، حتى انتهوا والمثنى وشجعان المسلمين يحمونهم. وقد وقعت هذه المعركة بعد معركة اليرموك بأربعين يوماً أي في شهر شعبان في السنة الثالثة عشرة للهجرة واختلف الفرس ثانية على الحكم إذ خلعوا رستم، ثم عادوا فولوه، وأضافوا إليه الفيرزان، وسار الفرس إلى المدائن فلحقهم المثنى، وهزم من اعترض سبيله منهم وأسر عدداً كبيراً ضرب أعناقهم، وطلب النجدة والمدد من أمراء المسلمين، فوافوه، كما كان قد وصل إليه جرير بن عبد الله البجلي ومن معه.
معركة البويب :
لما علمت الفرس باجتماع عدد من جيوش المسلمين بعثت جيشاً كثيفاً، والتقى الطرفان في مكان يقال له (البويب) قرب الكوفة، وطلبت الفرس أن يعبر المسلمون إليها، أو تعبر إليهم، فأجاب المثنى بأن يعبر الفرس فعبر وجرت معركة عنيفة هزمت فيها المجوس، وقتل منهم عدد كبير قتلاً وغرقاً في النهر، وكانت هذه المعركة عظيمة إذ اقتص فيها المسلمون من معركة الجسر ونالوا غنائم عظيمة، وقتل فيها قائد الفرس مهران، وكان ذلك في شهر رمضان من السنة الثالثة عشرة الهجرية.
وبعد معركة البويب التي اقضت مضاجع الفرس اجتمع أمراؤهم على تمليك يزدجرد بن شهريار بن كسرى، واتفقوا على ذلك فيما بينهم، وأرسلوا بالخبر إلى إتباعهم في الأمصار كافة، الأمر الذي جعل المجوس وأنصارهم الذين صالحوا المسلمين وأظهروا الطاعة ينقضون العهد. وأخبر المسلمون بذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
حث عمر بن الخطاب المسلمين على الجهاد وخرج بنفسه على رأس الجيش من المدينة بعد أن ولّى مكانه علي بن أبي طالب واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة حتى وصل إلى ماء يقال له ( الصرار ) فعقد مجلساً استشارياً في الذهاب، وقد أرسل إلى علي أن يأتي من المدينة، فكلهم وافقه على رأيه إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه قال له : إني أخشى إن كسرت أن تضعف أمر المسلمين في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلا وترجع إلى المدينة، فمال عمر إلى هذا الرأي، ووقع الاختيار على سعد بن أبي وقاص قائداً للجيش، فأوصاه، وكتب إلى المثنى بن حارثة وجرير بن عبد الله البجلي في إطاعة سعد، كما أصبح جميع أمراء العراق تبعاً له، ولكن المثنى قد توفي قبل وصول سعد إذ انتقض عليه جرحه الذي أصابه يوم الجسر.
اجتمع المسلمون في القادسية حسبما واعدهم سعد بن وقاص بناء على أوامر الخليفة عمر بن الخطاب، كما نصَّب الخليفة عبد الرحمن على القضاء ولما بلغ سعد ماء العذيب اعترضه جيش للفرس، فهزمه، وغنم منه غنائم كثيرة . ويبدو من هذه المعارك أن المسلمين كانوا يتوغلون في أعماق العدو دون تطهير كامل للمناطق الخلفية مما يجعل الفرس يستطيعون تحريك جيوشهم إلى قرب أماكن المعارك الأولى.
معركة القادسية : ثم سار سعد حتى نزل القادسية، فمكث فيها شهراً لم ير فيه أثر للفرس، وكان يبث سراياه في كل الجهات، فكانت تأتيه بالغنائم الأمر الذي جعل الفرس وحلفائهم يتضايقون جداً، وأخبروا ملكهم ( يزدجرد ) بأنه إن لم ينجدهم فإنهم سيضطرون إلى تسليم ما بأيديهم إلى المسلمين أو يصالحونهم، وهذا ما جعل ( يزدجرد ) يدعو رستم ويؤمره على الحرب بجيش كثيف، وقد حاول رستم أن يعفيه الملك من ذلك وأبدى الأعذار بأن إرسال جيش كثيف واحد إلى المسلمين فيه شيء من الخطأ، وإنما من الصواب أن يرسل جيشاً إثر آخر لإضعاف المسلمين، إلا أن الملك قد أصر على إرساله بهذا الجيش اللجب الذي يبلغ قوامه مائة وعشرين ألفاً، ويكون مثلها مدداً لها.
سار رستم وعسكر بساباط، وكان سعد يكتب في كل يوم إلى الخليفة حسب أوامره إليه، ولما اقترب رستم من المسلمين بعث إليه سعد جماعة من سادات المسلمين يدعونه إلى الله عز وجل وكان بينهم: النعمان بن مقرن، والمغيرة بن شعبة، والأشعث بن قيس، وفرات بن حبان، وعطارد بن حاجب، وحنظلة بن الربيع، وعمرو بن معد يكرب. فقال لهم رستم: ما أقدمكم ؟ فقالوا: جئنا لموعود الله إيانا، أخذ بلادكم وسبي نسائكم وأبنائكم وأخذ أموالكم، ونحن على يقين من ذلك. وقد تأخر رستم في الخروج من المدائن للقاء سعد في القادسية مدة أربعة أشهر عسى أن يضجر سعد ومن معه من المسلمين، كما أن رستم كان يعتقد أن النصر سكون حليف المسلمين لما يرى ويسمع عن معاركهم وأخلاقهم. وقد ضعفت معنويات رستم ومن معه بعد أن سمعوا كلام الوفد، وما فيه من ثقة بالله ويقين بالنصر.
ولما اقترب الجيشان طلب رستم من سعد أن يبعث له رجلاً عاقلاً عالماً يجيبه عن بعض أسئلته، فأرسل له سعد المغيرة بن شعبة. فقال له رستم : إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا. فقال له المغيرة : إن ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولاً قال له : إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم، واجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز. فقال له رستم : فما هو ؟ فقال : أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، فقال : ما أحسن هذا ! وأي شيء أيضاً، قال : وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله.قال : وحسن أيضاً وأي شيء أيضاً ؟ قال : والناس بنو آدم، فهم إخوة لأب وأم، قال : وحسن أيضاً : ثم قال رستم : أرأيتم إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا ؟ قال : إي والله ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة. قال : وحسن أيضاً. وإن هذا الحديث قد زاد إلى أضعاف معنويات رستم والفرس، وزاد يقينهم في انتصار المسلمين، وزادت قناعتهم بهذا الدين الجديد حتى إن رستم قد ذاكر وجهاء قومه في الدخول في الإِسلام فأنفوا وأبوا فأخزاهم الله.
وحاول رستم والفرس أن يلجؤوا إلى طريق الإغراء فزينوا مجلس رستم بالنمارق المذهبة والحرير، وأظهروا اللآلئ والياقوت والأحجار الكريمة الثمينة، والزينات العظيمة، وجلس رستم على سرير واسع من الذهب، وعليه تاج مرصع، ثم طلب رستم ثانية من سعد إرسال رجل آخر، فأرسل إليه ربعي بن عامر، فسار إليه بثياب صفيقة وأسلحة متواضعة وفرس صغيرة، ولم يزل راكبها حتى داست على الديباج والحرير، ثم نزل عنها وربطها في قطع من الحرير مزقها مما رأى أمامه، وأقبل على رستم وعليه سلاحه الكامل، فقالوا له : ضع سلاحك. فقال : إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، فنقلوا ذلك لرستم فقال : ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق أكثرها، فقالوا له : ما جاء بكم ؟ فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإِسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله. قالوا : وما موعود الله ؟ قال : الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال : نعم ! كم أحب إليكم ؟ يوماً أو يومين ؟ قال : لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال : ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، فقال : أسيدهم أنت ؟ قال : لا! ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال : هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل ؟ فقالوا : معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه ؟ فقال : ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب.
وبعث الفرس في اليوم الثاني يطلبون رجلا آخر يريدون أن يعرفوا نماذج من المسلمين، فهل كلهم على هذا اليقين وهذا الرأي ؟ علهم يجدون ثغرة يستطعون أن ينفذوا منها، فبعث إليهم سعد بن أبي وقاص رجلا آخر هو حذيفة بن محصن، فتكلم على النحو الذي تكلم فيه ربعي بن عامر.
وتكرر الطلب في اليوم الثالث فأرسل إليهم سعد ثالثاً هو المغيرة بن شعبة. فقال رستم للمغيرة : إنما مثلكم في دخول أرضنا مثل الذباب رأى العسل. فقال : من يوصلني إليه وله درهمان؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلم يجده، وجعل يقول : من يخلصني وله أربعة دراهم ؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل حجراً في كرم، فلما رآه صاحب الكرم ضعيفاً رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئاً كثيراً فجاء بجيشه، واستعان عليه بغلمانه فذهب ليخرجه فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا، ثم ازداد غضباً وحمقاً وأقسم بالشمس لأقتلنكم غداً.
فقال المغيرة : ستعلم. فقال رستم للمغيرة : قد أمرت لكم بكسوة ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا.
فقال المغيرة : أبعد أن أوهنا ملككم وضعفنا عزكم، ولنا مدة نحو بلادكم ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون وستصيرون لنا عبيداً على رغمكم ؟
كان سعد بن أبي وقاص مريضاً لا يستطيع الركوب، لذا فقد جلس في القصر متكئاً على صدره فوق وسادة ينظر إلى الجيش يدبر أمره ويصدر تعليماته، وقد أعطى القيادة إلى خالد بن عرفطة، وكان على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي وعلى الميسرة قيس بن مكشوح.
بدأت المعركة بعد الظهيرة وبعد أن صلى سعد الظهر بالناس وخطب فيهم وحثهم على القتال، واستمر القتال حتى الليل، ثم استؤنف في اليوم الثاني ولمدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع اشتد أثر الفيلة الفارسية على الجيش إذ كانت الخيول تنفر منها الأمر الذي جعل الصحابة يوجهون اهتمامهم اليها حتى قتلوها مع من عليها، وقد أبلى جرير بن عبد الله البجلي، والقعقاع بن عمرو، وطليحة الأسدي، وعمرو بن معد يكرب، وخالد بن عرفطة، وضرار بن الخطاب بلاء كبيراً، إذ كانوا يقلعون عيون الفيلة فتشرد بمن عليها ثم تقتل ويقتل أصحابها، فلما كان الزوال من ذلك الذي عرف بالقادسية وهو الاثنين الرابع عشر من شهر محرم من السنة الرابعة عشرة هبت ريح شديدة على الفرس فأزالت خيامهم وما كان منهم إلا الهرب. وقد قتل القعقاع بن عمرو التميمي وهلال بن علقمة التميمي رستم قائد الفرس، وفرّت جماعة منهم ولحقهم المسلمون حتى دخلوا وراءهم مدينة المدائن مركز الحكم ومقر يزدجرد بن شهريار. وقد قتل من الفرس في اليوم الرابع عشرة آلاف ومثلهم في الأيام السابقة، فكان مجموع القتلى عشرين ألفاً، وهو ما يقرب من ثلثي الجيش الفارسي، واستشهد من المسلمين في الأيام كلها ألفاً وخمسمائة شهيد، وغنم المسلمون غنائم كبيرة جداً، وأرسلت البشارة إلى أمير المؤمنين الذي كان في غاية الاهتمام بالمعركة حتى كان يخرج وحده أحياناً إلى خارج المدينة يسأل الركبان ويتقصى الأخبار حتى جاءه النبأ. وكانت المناطق التي فيها خالد بن الوليد من قبل قد نقضت العهد، فلما كانت معركة القادسية رجع أهلها إلى عهودهم وادعوا أن الفرس قد أجبروهم على ذلك النقض.
ثم تقدم المسلمون بإمرة زهرة بن حوية أميراً إثر أمير نحو المدائن فالتقوا بجيش فارسي فهزموه، واتجه المنهزمون نحو بابل، وانطلقت جماعة أخرى نحو نهاوند، فاقام سعد في بابل عدة أيام ثم سار نحو المدائن، فالتقى بجيش آخر من الفرس فهزمه، وفي ساباط التقى بكتائب أخرى ليزدجرد أصابها كلها ما أصاب سابقتها، وقَتَل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص أسد يزدجرد الذي وضع في الطريق لإخافة المسلمين، وكان ذلك في نهاية السنة الرابعة عشرة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتحصن الفرس (بهرسير) وهي قرية من المدائن لا يفصل بينها سوى نهر دجلة بعد أن هزموا أمامها، إلا أن حصارهم لم يهن من عزيمة المسلمين، وكان أن فرّ الفرس إلى المدائن، وسار المسلمون وراءهم، فلما اقتربوا منها لاح لهم القصر الأبيض قصر كسرى. وكان المسلمون قد قطعوا نهر دجلة وكان في حالة فيضان كبير الأمر الذي جعل الفرس يخافون لقاء المسلمين ويهابونهم.
فتح المدائن :
ودخل المسلمون المدائن فلم يجدوا بها أحداً بل فرّ أهلها كلهم مع الملك سوى بضعة من المقاتلة بقوا في القصر الأبيض، فدعاهم سلمان الفارسي رضي الله عنه ثلاثة أيام، نزلوا بعدها منه، وسكنه سعد، وجعل الايوان مصلى وتلا حين دخوله {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوماً آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} [الدخان : 25-29]، كما صلى الجمعة في الايوان وذلك في شهر صفر من السنة السادسة عشرة للهجرة. وأقامت أسر المسلمين في المدائن حتى فتح الله عليهم جلولاء وتكريت والموصل، وبعدها تحولت الأسر إلى الكوفة. وأرسل سعد السرايا تتعقب الفارين فحصلت هذه السرايا على غنائم كثيرة لم يستطع الفارون حملها فتركوها وأكثرها من ثياب كسرى ولباسه. وقد خمّس سعد الغنائم، وبعث بها إلى المدينة مع بشير بن الخصاصية، وفيها بساط كسرى وتاجه وسواريه، فلما رآها عمر رضي الله عنه قال : إن قوما أدوا هذا لأمناء، فقال له علي رضي الله عنه: إنك عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعت.
فتح جلولاء :
فر يزدجرد من المدائن، وسار باتجاه حلوان، والتف حوله أثناء سيره عدد كثير من الفرس، فأمر عليهم مهران، وأقاموا بجلولاء، وقد تحصنوا بها، وحفروا الخنادق حولها، فبعث سعد إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يخبره بذلك، فأمره أن يقيم هو بالمدائن وأن يرسل إليهم ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وأن يكون على المقدمة القعقاع بن عمرو التميمي، وعلى الميمنة سعد بن مالك، وعلى الميسرة عمر بن مالك، وعلى المؤخرة عمرو بن مرة الجهني، ففعل، فسار هاشم وحاصرهم، واشتد القتال، وكانت تصل النجدات إلى الطرفين، وأخيراً فتح الله على المسلمين جلولاء، وقد قتلوا من الفرس الكثير حتى تجلت بجثثهم الأرض، وبرز من الأبطال في هذه المعركة القعقاع بن عمرو، وعمرو بن معد يكرب، وحجر بن عدي، وقيس بن مكشوح، وطليحة الأسدي.
فتح حلوان :
وبعث هاشم في أثر الفرس المنهزمين القعقاع بن عمرو فكانوا يفرون من وجهه، وقد غنم الكثير أثناء تحركاته تلك. وقد كانت غنائم جلولاء لا تقل عن غنائم المدائن. وقد ادرك القعقاع مهران وقتله، ونجا الفيرزان فسار إلى حلوان وأخبر يزدجرد فترك المدينة بعد أن ترك عليها قائدا، وسار هو إلى الري (طهران اليوم)، وسار القعقاع إلى حلوان فانتصر على حاميتها ودخلها.
فتح تكريت والموصل :
في الوقت الذي سار فيه هاشم بن عتبة إلى جلولاء سار أيضاً إلى تكريت عبد الله بن المعتم على رأس جيش بأمر الخليفة أيضاً، فلما وصل إلى تكريت وجد فيها جماعة من الروم، ومن نصارى العرب، من إياد وتغلب، وعدد من أهل الموصل فحاصرهم أربعين يوماً نازلهم خلالها أربعاً وعشرين مرة، وانتصر فيها كلها، ثم دخل المدينة عنوة، وقد قتل جميع من فيها سوى من أسلم من الأعراب. وسار ربعي بن الافكل بعدها إلى الموصل واضطر أهلها إلى الصلح والتسليم، وفرضت عليهم الجزية.
فتح ماسبذان :
بلغ سعد أن جماعة من الفرس قد تجمعت في ماسبذان الواقعة على يمين حلوان على الطريق إلى همدان، فأخبر بذلك أمير المؤمنين فطلب منه أن يرسل لهم جيشاً بإمرة ضرار بن الخطاب الفهري، ففعل وانتصر عليهم، وهرب أهل ماسبذان إلى رؤوس الجبال، فدعاهم ضرار فاستجابوا له، ومنهم من أسلم، ومنهم من لم يسلم فوضع عليه الجزية.
فتح الأهواز :
تغلب الهرمزان على منطقة الأهواز، وهو من أحد بيوتات فارس المشهورة وكان من الذين فروا من القادسية، وأصبح يغير على المناطق التي دانت لحكم المسلمين، فسار إليه جيشان من المسلمين، انطلق أحدهما من الكوفة من قبل واليها عتبة بن غزوان، وسار الثاني من البصرة من قبل حاكمها أبي موسى الأشعري، وانتصر المسلمون عليه وهذا ما أجبره على طلب الصلح، فأعطوه ذلك. ثم نقض الهرمزان الصلح بعد أن استعان بجماعة من الكرد، فبرز إليه المسلمون فهزموه فتحصن في تستر (ششتر اليوم)، إلا أن أهل المنطقة قد صالحوا المسلمين عندما رأوا إصلاح بلادهم، ودفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وهذا ما جعل الهرمزان يطلب الصلح ثانية، ويصالح على عدد من المدن منها (تستر) و (جنديسابور)، وكان حرقوص بن زهير قد فتح سوق الأهواز. ثم نقض الهرمزان الصلح ثانية بناء على تحريض يزدجرد، وبلغ الخبر عمر، فأمر أن يسير إليه جيش من الكوفة بإمرة النعمان بن مقرن، وكانت الكوفة مقر سعد بن أبي وقاص، كما أمر أن يسير جيش آخر من البصرة بإمرة سهيل بن عدي، وأن يكون على الجميع أبو سيرة بن أبي رهم، فالتقى النعمان بالهرمزان فهزمه، ففر إلى تستر فسار إليه سهيل بن عدي، كما لحقه النعمان، فحاصروه هناك، وكان أمير الحرب أبو سبرة بن أبي رهم ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وجد أن مع الهرمزان عدداً كبيراً من المقاتلين، فكتبوا بذلك إلى أمير المؤمنين، فطلب من أبي موسى الأشعري أن يذهب إليهم مدداً، فسار نحوهم، وحاصروا الفرس، واضطرهم إلى الاستسلام بعد فتح البلد عنوة، ولجأ الهرمزان إلى القلعة، فحاصروه وأجبروه على الاستسلام، وأرسلوه إلى عمر بن الخطاب بالمدينة مع وفد فيه الأحنف بن قيس وأنس بن مالك.
ثم سار أبو سبرة بن أبي رهم في قسم من الجيش ومعه أبو موسى الأشعري والنعمان بن مقرن واستصحبوا معهم الهرمزان، وساروا حتى نزلوا (السوس) فحاصروها، وكتب إلى أمير المؤمنين بذلك، فأجابهم بأن يرجع أبو موسى الأشعري إلى البصرة، وأن يسير زر بن عبدالله بن كليب إلى جنديسابور، فسار، وبعث أبو سبرة بالخمس وبالهرمزان إلى المدينة، ولما وصل الوفد بالهرمزان إلى المدينة اتجه إلى بيت أمير المؤمنين، فقيل لهم : إنه بالمسجد للقاء وفد الكوفة، فانطلقوا إلى المسجد، فلم يروا فيه أحداً، ولما هموا بالعودة قال لهم غلمان يلعبون أمام المسجد : إنه نائم في زاوية المسجد، فانطلقوا فوجدوه نائماً، فقال الهرمزان : أين عمر ؟ فأشاروا إليه، وقد دهش لعدم وجود الحرس والحجاب كما اعتاد أن يرى في ملوك فارس وأكاسرتها.وفتحت السوس عنوة بعد حصار حتى طلب أهلها الصلح، وكذلك فقد فتح زر بن عبد الله جند يسابور.وتقدم المسلمون في بلاد فارس أيام عمر بن الخطاب من جهة ثانية، فقد كان العلاء بن الحضرمي والي البحرين يسابق سعد بن أبي وقاص في الفتح، فلما كتب الله النصر لسعد في القادسية، وكان له ذلك الصدى الواسع، أحب العلاء أن يكون له النصر على فارس من جهته، فندب الناس إلى الجهاد ضد فارس، فاجتمع الجيش وعبر العلاء بن الحضرمي البحر إلى فارس من جهته وذلك دون إذن أمير المؤمنين، اتجه العلاء نحو اصطخر، إلا أن الفرس قد حالوا بين المسلمين وسفنهم، فوجد المسلمون أنفسهم بين العدو والبحر، فعلموا جهدهم وقاتلوا بقوة فنصرهم على عدوهم، ثم خرجوا يريدون البصرة، فلم يجدوا سفنهم، كما رأوا أن الفرس قد قطعوا عنهم الطرق، فاضطروا إلى البقاء محاصرين، ووصل الخبر إلى عمر بن الخطاب، فتأثر جداً، وأمر بعزل العلاء، وطلب منه الالتحاق بسعد بن أبي وقاص، وطلب من عتبة بن غزوان أن ينجد العلاء، فأرسل قوة بإمرة أبي سبرة بن أبي رهم ومعه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعاصم بن عمرو، والأحنف بن قيس، وحذيفة بن محصن، وعرفجة ابن هرثمة، وكان عدد هذه القوة اثنا عشر ألفاً، وسارت هذه القوة حتى وصلت إلى مكان حصار المسلمين، وكاد القتال أن ينشب بين المحاصرين والفرس، فجاءت القوة في الوقت المناسب، وانتصر المسلمون انتصاراً رائعاً، ثم عاد الجميع إلى عتبة بن غزوان في البصرة.وتجمع الفرس في مدينة نهاوند، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لا يريد أن ينساح المسلمون في بلاد فارس الواسعة خوفاً عليهم من ضياعهم فيها، وخوفاً عليهم من الفرس، واستمر ذلك مدة حتى وصل إليه الأحنف بن قيس في الوفد الذي يسوق الهرمزان معه، فسأل عمر الأحنف بن قيس عن الأحوال، وكان عمر يخشى أن يكون المسلمون يحيفون على أهل الذمة الأمر الذي يجعلهم ينقضون العهد، فقال عمر : لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى وبأمور لها ما ينتقضون بكم، فأجاب : ما نعلم إلا وفاء وحسن ملكة، قال : فكيف هذا ؟ فقال له الأحنف : يا أمير المؤمنين، أخبرك أنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وإن ملك فارس حي بين أظهرهم، وإنهم لا يزالوا يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم ولم يجتمع ملكان يتفقان حتى يخرج أحدهما صاحبه : وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئاً بعد شيء إلا بانبعاثهم، وأن ملكهم هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسح في بلادهم حتى نزيله عن فارس ونخرجه عن مملتكه وعزّ أمته : فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس. فقال عمر : صدقتني والله وشرحت لي الأمر عن حقه.وجاءت الأخبار إلى عمر بن الخطاب أن الفرس قد تجمعوا في نهاوند، وهذا ما جعله يأمر بالانسياح في أرض فارس، وقد رغب أن يسير هو بنفسه على رأس جيش لقتال الفرس، إلا أنه عندما استشار الصحابة رأوا غير ذلك، فعدل عن رأيه، وكان الذي أقنعه بذلك علي بن أبي طالب، فكتب إلى حذيفة ابن اليمان أن يسير بجند الكوفة، وإلى أبي موسى الأشعري أن يسير بجند البصرة، وإلى النعمان بن مقرن أن يسير بجند فإذا التقوا فكل على جنده أميرا، وعلى الجميع النعمان بن مقرن فإن قتل فقيس بن مكشوح و... حتى سمى عدة أمراء.وسار المسلمون نحو نهاوند ولا يزيد عددهم على الثلاثين ألفاً إلا قليلاً، وكان قد تجمع فيها من الفرس ما يزيد على المائة والخمسين ألفاً، وكانت المعارك سجالا بين الطرفين مدة يومي الأربعاء والخميس، ثم انتصر المسلمون على أعدائهم الأمر الذي جعل الفرس يدخلون المدينة ويتحصنون فيها، فحاصرهم المسلمون، ولما طال الحصار استشار النعمان رجاله فأشاروا عليه بالتراجع أمامهم حتى إذا ابتعدوا من حصونهم انقضوا عليهم، فوافق النعمان على ذلك، وأمر القعقاع أن يبدأ القتال مع الفرس وأن يتراجع أولهم ففعل فلحقه الفرس. وعندما ابتعدوا من حصونهم بدأ النعمان بالقتال ونشبت معركة حامية قتل فيها من الفرس أكثر من مائة ألف رجل وتجلل وجه الثرى بالجثث، وسقط النعمان عن فرسه واستشهد، ولم يعلم بذلك سوى أخيه نعيم، فأخفى ذلك وأخذ الراية وسلمها لحذيفة بن اليمان فقاد المعركة إلى النهاية، وبانتهائها أعلم نعيم الجند عن مصرع قائدهم النعمان. أما قائد الفرس الفيرزان فقد فر، ولحقه القعقاع وقتله عند ثنية همدان، ودخل المسلمون نهاوند عنوة، ثم فتحوا أصبهان (جي). وفتح أبو موسى الأشعري (قم) وقاشان، وفتح سهيل بن عدي مدينة (كرمان). ولما وصلت أخبار نهاوند إلى عمر بن الخطاب بكى بكاء مريراً على شهدائها، وكلما ذكر له شهيد زاد بكاؤه، ولما وصلوا إلى ذكر أسماء لا يعرفها بكى وقال : وما ضرهم أن لا يعرفهم أمير المؤمنين ؟ لكن الله يعرفهم وقد أكرمهم بالشهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر. ولعل المرء يستطيع هنا أن يقف وقفة على اختيار عمر للأمراء وقادة الجند، وصحيح أنه كان لا يختار إلا الصحابة، إلا أنه في الوقت نفسه كان يعين الجندي أميراً ثم لا يلبث أن يضع أميراً عليه ويعيده جندياً يقاتل تحت راية من كان بالأمس يقاتل تحت رايته، وذلك حتى لا ترتفع بإنسان نفس وكي يشعر دائماً بالتواضع ويعرف مكانه الحقيقي، وأن قتاله إنما هو لله، وكذلك يشعر كل جندي في الجيش.
ولما فتحت نهاوند أمر عمر بن الخطاب المسلمين بالانسياح في أرض فارس، وأعطيت الأوامر لسبعة أمراء بالتوغل في أعماق فارس بغض النظر عن عدد الجيش المنطلق وبغض النظر عن عتاده وتجهيزاته وبغض النظر عن القوة التي يمكن أن يلاقيها وعددها إذ أن المسلمين لم يكونوا ليقاتلوا بعدد أو بقوة تجهيزات وإنما بقوة الإِيمان الذي يحملونه بين جوانحهم.
1- سار نعيم بن مقرن إلى همدان ففتحها، واستخلف عليها يزيد بن قيس، وتابع سيره إلى الري (موقع طهران اليوم) ففتحها، ثم بعث بأخيه سويد بن مقرن بناء على أوامر الخليفة إلى قومس فأخذها سلماً، وصالح أهلها، وجاء إليه أهل (جرجان) و (طبرستان) وصالحوه. وكان نعيم قد بعث وهو بهمدان (بكير بن عبد الله) إلى أذربيجان ثم أمده بسماك بن خرشة ففتح بعض بلاد أذربيجان على حين كان عتبة بن فرقد يفتح البلدان من الجهة الثانية.
2- سار سراقة بن عمرو نحو باب الأبواب على سواحل بحر الخزر الغربية، وكان على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة فصالح عبد الرحمن ملكها بعد أن أرسله إلى سراقة بن عمرو، ثم بعث سراقة إلى الجبال في تلك المناطق بكير ابن عبد الله، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة بن أسيد، وسلمان بن ربيعة، ومات هناك سراقة بن عمرو واستخلف مكانه عبد الرحمن بن ربيعة، وأقر الخليفة ذلك.
3- سار الأحنف بن قيس على رأس جيش حتى دخل خراسان من الطبسين ففتح هراة عنوة، واستخلف عليها (صحار بن فلان العبدي)، وسار نحو (مرو الشاهجان) عن طريق نهر هراة، فامتلكها واستخلف عليها (حارثة بن النعمان)، ومنها سار إلى (مرو الروذ) مع وادي (مورغاب) ليلاحق يزدجرد حيث فر إليها، ووصلت الامدادات من الكوفة إلى الأحنف بن قيس، وسار المدد نحو (بلخ) حيث انتقل يزدجرد إليها، واستطاع أهل الكوفة دخول بلخ، ففر بزدجرد إلى بلاد ما وراء النهر، ولحق الأحنف بأهل الكوفة في بلخ وقد نصرهم الله على عدوهم، وأصبح الأحنف سيد خراسان إذ تتابع أهلها الذين كانوا قد شذوا أو تحصنوا إلى الصلح. وكان الأحنف وهو في طريقه إلى مرو قد بعث (مطرف بن عبد الله) إلى نيسابور، كما أرسل الحارث بن حسان إلى سرخس.
عاد الأحنف إلى مرو الروذ بعد أن استخلف على (طخارستان) (ربعي بن عامر التميمي)، وكتب الأحنف إلى الخليفة عمربن الخطاب بفتح خراسان، فكتب عمر بن الخطاب إلى الأحنف "أما بعد : فلا تجوزن النهر واقتصر على ما دونه، وقد عرفتم بأي شيء دخلتم على خراسان، فداوموا على الذي دخلتم به يدم لكم النصر، وإياكم أن تعبروا فتنفضوا".
4- واتجه عثمان بن أبي العاص على رأس جيشٍ إلى اصطخر، وقد اجتاز مياه الخليج العربي من البحرين ففتح جزيرة (بركاوان) ونزل أرض فارس، ففتح جور واصطخر وشيراز وكان قد انضم إليه أبو موسى الأشعري بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب. وكان الحكم بن أبي العاص عون أخيه في فتوحاته.
5- واتجه سارية بن زنيم الكناني نحو تحشد للفرس فحاصرهم فاستنجدوا بالأكراد فأمدوهم، فتكاثر العدو على المسلمين وأصبحوا في خطر عظيم، عندئذ التجأ سارية إلى سفح جبل واتخذ ذروته درءاً له يحمي مؤخرته، وواجه الفرس من جهة واحدة، واستطاع الانتصار عليهم. وفي هذا التحرك من قبل سارية نحو الجبل يذكر أن عمر بن الخطاب كان يخطب على المنبر يوم الجمعة، فعرض له في خطبته أن قال (يا سارية الجبل ... الجبل ... من استرعى فقد ظلم"، ويذكر أن سارية قد سمع كما سمع المسلمون الذين يسمعون خطبة عمر ذلك الكلام في ذلك اليوم وتلك السرعة، وأن الصوت الذي سمعه يشبه صوت عمر فعدل بالمسلمين إلى الجبل، ففتح الله عليهم.
6- وسار عاصم بن عمرو التميمي على رأس قوة من أهل البصرة إلى إقليم سجستان، ففتح المنطقة، ودخل عاصمتها (زرنج) بعد حصار طويل اضطر أهلها إلى طلب الصلح، وتولى عاصم ادارة المنطقة، وعمل على توطيد الأمن فيها.
7- وسار سهيل بن عدي الخزرجي بجيش إلى كرمان ففتحها.
8- وانطلق الحكم بن عمير التغلبي بقوة إلى (مكران)، وتبعه مدد، والتقى المسلمون بأعدائهم على شاطئ نهر هناك، وعبر الفرس إلى المسلمين، ولكنهم لم يصمدوا طويلاً أمامهم، فدخل المسلمون معسكر الفرس، وقتلوا منهم عدداً كبيراً، وفتحوا المنطقة كاملة.
9- واتجه عتبة بن فرقد إلى جهة شمال غربي فارس ففتحها - كما مر معنا - .
ــــــــــــــ


الفتوحَات في عَهدِ عثمان
الجبهة الغربية :
معركة ذات الصواري :
الجبهة الشرقية :
• لقد كان عهد عثمان رضي الله عنه مليئاً بالفتوحات، وهي تتمة لما كان أيام الخليفة السابق له وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولقد استمرت هذه الفتوحات في البر والبحر مدة عشرة أعوام إلا ان ما حدث في العامين التاليين لها من فتنة، قد جعلها تنسى فطغت الفتنة حتى حسب الناس في عهد عثمان لم يكن سوى فتنة واختلاف نشأت من بيعته ودامت بقية حياته التي انتهت باستشهاده.
كان أمير الشام معاوية بن أبي سفيان قد قام بغزو الروم ووصل إلى عمورية قريباً من انقرة اليوم، وكان معه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت، وأبو أيواب الأنصاري خالد بن زيد، وأبو ذر الأنصاري، وشداد بن أوس.
لقد فتح المسلمون مناطق واسعة، وكان عدد جندهم قليلاً بالنسبة إلى تلك الأراضي الشاسعة، وبالنسبة إلى أعداد أعدائهم الكبيرة، وهذا ما جعلهم لا يتركون في المناطق التي يصالحونها إلا الجند القليل، ولا يبقون في البقاع التي يفتحونها إلا العدد الضئيل، وبخاصةٍ أنه كانت هناك جبهات مفتوحة، وثغور يجب حمايتها، ومراكز يجب الدفاع عنها والتجمع فيها للإمدادات في الأوقات اللازمة، كل هذا جعل عدد المسلمين قليلاً في البلاد المفتوحة حديثاً، وجعل أهلها يشحون في دفع الجزية، ويظنون أن بمقدورهم هزيمة المسلمين وقتالهم، وأن ما حدث معهم في المرة الأولى لم يكن سوى أخطاء ارتكبوها وقد عرفوها فيما بعد، ثم يتحسرون على عزهم الزائل وأيام مجدهم الخالية، لذا كانوا يتحينون الفرص للانقضاض على المسلمين ونقض عهودهم معهم - هكذا النفس البشرية - ومن هنا كان نقض العهد كثيراً. وقد انتهز الفرس والروم في المناطق التي دخلها المسلمون وفاة خليفتهم عمر بن الخطاب، ونقضوا العهد، وظنوا أن أمر المسلمين قد ضعف، ولكنهم فوجئوا بأن قوة المسلمين على ما هي عليه لم تختلف أيام عمر عن أيام عثمان الخليفة الجديد، وقد أدب المسلمون خصومهم مرة ثانية.
الجبهة الغربية :
نقضت الإسكندرية عهدها عام 25 هـ، فسار إليها أمير مصر عمرو بن العاص، وقاتل أهلها وأجبرهم على الخضوع، والعودة إلى عهدهم.
وكان عمر بن الخطاب قد منع عمرو بن العاص من الانسياح في إفريقية بعدما فتح طرابلس، إلا أن عثمان بن عفان قد سمح بذلك، وأرسل عبدالله ابن سعد بن أبي سرح على رأس قوة، فاجتاز طرابلس، واستولى على سفن للروم كانت راسية هناك على الشاطىء ثم واصل سيره في أفريقيه والتقى بجيوشٍ للبيزنطيين عام 27 هـ في موقع يقال له (سبيطلة) في جنوب غربي القيروان التي لم تكن قد أسست بعد، وقد قَتَل عبدالله بن الزبير، وكان مع الغزاة في تلك الموقعة القائد البيزنطي (جرجير)، وكان ذا أثر فعّال في الانتصار الذي أحرزه المسلمون على الروم، إلا أن عبدالله بن سعد بن أبي سرح قد اضطر إلى عقد معاهدة للصلح مع البيزنطيين مقابل جزية سنوية يدفعونها على أن يخلي إفريقية، وكان ذلك الاضطرار بسبب سيره إلى مصر لمواجهة النوبة الذين هددوا مصر من ناحية الجنوب.
وفي أيام عمر بن الخطاب ألح أمير الشام معاوية بن أبي سفيان على الخليفة عمر في غزو البحر وقرى الروم من حمص وقال : إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم، حتى كاد ذلك يأخذ بقلب عمر، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص : صف لي البحر وراكبه، فإن نفسي تنازعني إليه، فكتب إليه عمر : إني رأيت خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير، إن ركن خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلةً، والشك كثرةً، هم فيه كدودٍ على عودٍ، إن مال غرق، وإن نجا برق. فلما قرأه عمر كتب إلى معاوية : (لا والذي بعث محمداً بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً). فلما ولى عثمان لم يزل به معاوية، حتى عزم على ذلك بأخرة، وقال : لا تنتخب الناس، ولا تُقرع بينهم، خيّرهم، فمن اختار الغزو طائعاً فاحمله وأعنه، ففعل، واستعمل على البحر عبدالله بن قيس الجاسي(1) حليف بني فزارة.
غزا معاوية قبرص وصالح أهلها على سبعة آلاف دينار يؤدونها إلى المسلمين كل سنة وذلك عام 28 هـ، وساعد أهل مصر في تلك الغزوة بإمرة عبدالله ابن سعد بن أبي سرح، فلما وصل إلى قبرص، كان معاوية على الناس جميعاً، وكان بين الغزاة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت، والمقداد بن عمرو، وشداد بن أوس، وأبو ذر الغفاري، وكانت مع عبادة بن الصامت زوجه أم حرام. وغزا حبيب بن مسلمة بعض أرض سورية التي كانت لا تزال بيد الروم وذلك عام 28هـ.
___________________
(1) غزا عبدالله بن قيس خمسين غزاة من بين شاتية وصائفةفي البحر، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب، وكان يدعو الله أن يرزقه العافية في جنده، وألا يبتليه بمصاب أحد منهم، حتى إذا أراد الله أن يصيبه وحده، خرج في قارب طليعة، فانتهى إلى المرقى من أرض الروم، وكان هناك ناس يسألون فتصدق عليهم، فرجعت امرأة من الذين كانوا يسألون إلى القرية، وقالت : هل لكم في عبدالله بن قيس ؟ قالوا : وأين هو ؟ قالت : في المرقى، قالوا : ومن أين تعرفين عبدالله بن قيس ؟ قالت : كان كالتاجر، فلما سألته أعطاني كالملك، فعرفت أنه عبدالله بن قيس. فثاروا إليه، فتجمعوا عليه، وقاتلوه حتى أصيب وحده، وأفلت الملاّح حتى رجع إلى أصحابه، فتسلم الإمرة بعده سفيان بن عوف الأزدي.
معركة ذات الصواري :
وفي عام 31 هـ جرت معركة بحرية حاسمة بين المسلمين والروم بالقرب من شواطئ كيليكيا، وهي التي تعرف بذات الصواري، وعرفت بذلك لأن صواري السفن ربطت بعضها مع بعض المسلمة والرومية، وذلك بعد أن أمن بعضهم بعضاً واختار الروم قتال البحر، وكان قائد المسلمين أمير مصر عبد الله ابن أبي سرح، وقائد الروم الإمبراطور نفسه قسطنطين الثاني الذي كان يقود أكثر من خمسمائة سفينة، ومع ذلك فقد فرّ من المعركة، وهزم الروم شرّ هزيمة. وكانت صواري السفن من أشجار السرو والصنوبر وهذا ما يدل على أهمية الأشجار والغابات لكلا الطرفين، وجبال تلك الشواطئ كانت مليئة بهذه الأنواع من الأشجار.
وفي عام 33 هـ غزا أمير الشام معاوية بن أبي سفيان حصن المرأة من أرض الروم قرب ثغر ملاطية.
ونقضت إفريقية العهد عام 33 هـ فسار إليها أمير مصر عبدالله بن سعد ابن أبي سرح ففتحها ثانية، وأجبر أهلها على الخضوع والعودة إلى دفع الجزية بعدما منعوها.
الجبهة الشرقية :
غزا الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينيا، وكان أهلهما قد منعوا ما صالحوا عليه حذيفة بن اليمان أيام عمر بن الخطاب، وكان على مقدمة الوليد سلمان بن ربيعة الباهلي، واضطر سكان المنطقتين إلى المصالحة من جديد.
وأمد أهل الكوفة أهل الشام بثمانية آلاف رجل بإمرة سلمان بن ربيعة الباهلي، وذلك عندما كان حبيب بن مسلمة بن خالد الفهري يغزو أرمينيا من الغرب، فاجتمع له عدد كبير من جند الروم الأمر الذي أخافه وطلب المدد فأنجده الوليد بن عقبة بسلمان بن ربيعة الباهلي.
وسار أمير خراسان عمير بن عثمان بن سعد غازياً حتى وصل إلى فرغانة وذلك عام 29هـ، كما سار في العام نفسه أمير سجستان عبد الله بن عمير الليثي فوصل إلى كابل، وانطلق أمير كرمان عبيدالله بن معمر التميمي فوصل إلى نهر السند. وانتفض أهل اصطخر فسار إليهم عبدالله عامر بن كريز أمير البصرة، وعلى مقدمته عثمان بن أبي العاص.
وسار أمير الكوفة سعيد بن العاص يريد خراسان ومعه الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير، إلا أن أمير البصرة عبدالله بن عامر قد سبقه نحو خراسان الأمر الذي جعل سعيداً يسير إلى قومس وهي لا تزال على الصلح الذي أعطته لحذيفة بن اليمان بعد معركة نهاوند، ومن قومس سار إلى جرجان فصالحه أهلها على مائتي ألف، وسار نحو الشمال حتى وصل إلى الصحراء، ولكن أهل جرجان لم يلبثوا أن كفروا واستمروا في قطع الطريق حتى تولى أمر خراسان قتيبة بن مسلم الباهلي.
وسار عبدالله بن عامر إلى فارس بعد أن انتفضت، فافتتحها وهرب يزدجرد إلى كرمان، فأرسل في أثره مجاشع بن مسعود السلمي ففر يزدجرد إلى خراسان، وطلب المال من مور فمنعه، ثم التجأ إلى رجل على شاطئ نهر مورغاب يعمل في نقر أحجار الرحى فقتله.
ووصل عبد الله بن عامر إلى خراسان، وكانت قد انتفضت، وكان الأحنف بن قيس على مقدمته، ففتح طوس، وأبيورد، ونسا، وبلغ سرخس، وصالح أهل مرو، وأعاد فتح خراسان.
وفي عام 32 هـ كتب عثمان إلى أمير الكوفة سعيد بن العاص أن أرسل سلمان بن ربيعة الباهلي للغزو في منطقة الباب، فسار سلمان إليها، وكان عبدالرحمن بن ربيعة الباهلي يخوض معركة ضد خصومه، فاستشهد فيها وتفرق المسلمون هناك، فمنهم من سار إلى جيلان وجرجان ومنهم أبو هريرة وسلمان الفارسي، ومنهم من سار نحو سلمان بن ربيعة الباهلي فحماه، وكان على الحرب مع سلمان حذيفة بن اليمان، وطلب عثمان من أهل الشام في أرمينيا بإمرة حبيب ابن مسلمة أن ينجدوا سلمان بن ربيعة الباهلي في منطقة الباب ففعلوا.
وعادت خراسان فانتفضت من جديد فبعث عبدالله بن عامر الأحنف بن قيس إلى مرو الروذ فصالح أهلها، واجتمع عليه أهل (الطالقان) و (فارياب) و (الجوزجان) و (طخارستان) فانتصر عليهم بإذن الله، وصالح أهل (بلخ)، وأرسل الأقرع بن حابس إلى (الجوزجان) ففتحها. ثم عاد الأحنف إلى خراسان مرة ثالثة في عام 33 هـ . وهكذا فقد كانت الفتوحات أيام سيدنا عثمان بن عفان واسعة إذ أضافت بلاداً جديدة في أفريقية وأرمينيا وأجبرت من نقض العهد إلى الصلح من جديد في فارس وخراسان وباب الأبواب وضمت إلى ذلك فتوحات جديدة من بلاد السند وكابل وفرغانة .
ــــــــــــــ


فضل الخلفاء الراشدين

ونعتقد أن خير هذه الأمة وأفضلها بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صاحبه الأخص، وأخوه في الإسلام ورفيقه في الهجرة والغار، أبو بكر الصديق، وزيره في حياته، وخليفته بعد وفاته، عبد الله بن عثمان عتيق بن أبي قحافة، ثم بعده الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب، الذي أعز الله به الإسلام وأظهر الدين، ثم بعده ذو النورين أبو عبد الله عثمان بن عفان، الذي جمع القرآن وأظهر العدل والإحسان، ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخَتَنُه علي بن أبي طالب -رضوان الله عليهم- فهؤلاء الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.
نعم، انتقل المؤلف -رحمه الله- من بيان فضائل النبي -صلى الله عليه وسلم- وخصائصه إلى فضائل الخلفاء، فضائل الصحابة، وبدأ بالخلفاء الراشدين الأربعة، قال: "ونعتقد" -يعني معشر أهل السنة والجماعة - أن خير هذه الأمة وأفضلها بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، يعتقدون أن خير الصحابة وأفضل الناس بعد الأنبياء أبو بكر، ثم يليه في الفضيلة عمر، ثم يليه عثمان، ثم يليه علي، وترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة.
ومن أنكر فضلهم فهو من أهل الزيغ والضلال، أو تكلم فيهم أو تنقصهم أو سبهم فهو من أهل الزيغ والانحراف والضلال، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم في ترتيب الخلفاء، الخليفتين أبو بكر وعمر، وأما عثمان وعلي ففيهما خلاف في الفضل، أما الخلافة فقد اتفق العلماء، اتفق أهل السنة والجماعة على تقديم عثمان على علي في الخلافة، ومن قدم عليا على عثمان في الخلافة فهو أضل من حمار أهله، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في ( العقيدة الواسطية )، وهو من أهل الزيغ.
أما من قدم عليا على عثمان في الفضيلة دون الخلافة فهذا قول في مذهب الإمام أبي حنيفة، والجمهور على تقديم عثمان أيضا على علي في الفضيلة كالخلافة، وروي عن أبي حنيفة أنه رجع وأنه وافق الجمهور، فعلى هذا يكون إجماع تقديم عثمان على علي في الفضيلة هذا هو قول الجماهير، وفي رواية عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان في الفضيلة دون الخلافة، وروي عنه أنه رجع، أما الخلافة فهو إجماع، من قدم عليا على عثمان في الخلافة فهو أضل من حمار أهله.
ولهذا قال المؤلف -رحمه الله-: "نعتقد أن خير هذه الأمة وأفضلها بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صاحبه الأخص"؛ لأن له صحبة خاصة وأخوة في الإسلام، ورفيقة في الهجرة والغار، له خصوصية وله صحبة خاصة؛ حيث إنه ملازم للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وحيث إنه أول من آمن به، وحيث إنه أول من صدقه، وكل أحد دعاه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام يكون عنده توقف إلا أبا بكر فإنه لم يتوقف، آمن في الحال، فهذه صحبة خاصة؛ ولذا قال: "صاحبه الأخص وأخوه في الإسلام ورفيقه في الهجرة" هو الذي رافقه في الهجرة من مكة إلى المدينة والغار، أنزل الله -تعالى- فيهما: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا صاحبه أبو بكر.
ولما خاف أبو بكر على النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان المشركون يبحثون عنهم قال: لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ "؛ ولهذا قال المؤلف: "ورفيقه في الهجرة والغار أبو بكر الصديق" هذا أبو بكر، هذه كنية، والصديق لقب، والصديق فعيل صيغة مبالغة من قوة تصديقه، وهو الصديق الأكبر.
"ووزيره في حياته" يعني: ملازمته له ومشاورته له، "وخليفته بعد وفاته" هو عبد الله بن عثمان، اسمه عبد الله بن عثمان عتيق بن أبي قحافة، "ثم بعده -في الفضيلة والخلافة- الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب" الفاروق لقب له، وأبو حفص كنية، واسمه عمر بن الخطاب، اسمه عمر، ولقبه الفاروق، وكنيته أبو حفص، "الذي أعز الله به الإسلام، وأظهر به الدين"، "أعز الله به الإسلام" لما أسلم قوي المسلمون، صار لهم قوة بإسلامه، أعز الله به الإسلام وأظهر به الدين، وفتحت في أيامه الفتوح ومصرت الأمصار.
"ثم بعده -الثالث- ذو النورين، أبو عبد الله عثمان بن عفان، الذي جمع القرآن" ذو النورين عثمان؛ لأنه تزوج ابنتين من بنات النبي -صلى الله عليه وسلم-، تزوج واحدة ثم توفيت، ثم تزوج الأخرى، فيقال له ذو النورين، تزوج رقية وأم كلثوم -رضي الله عنهم-.
عثمان بن عفان الذي جمع القرآن، وأظهر العدل والإحسان، هذه من خصائصه من فضائله أنه جمع القرآن، الله أنزل القرآن على سبعة أحرف رحمة بالأمة وتسهيلا عليهم، ثم بعد ذلك حصل اختلاف في بعض الغزوات، وكان حذيفة في مغازي أرمينية وأذربيجان ورأى اختلاف الناس في القراءة، وسمع بعضهم يقول: قراءتي أحسن من قراءتك. فجاء إلى عثمان -رضي الله عنه- وقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فجمع الصحابة وشاورهم فأجمعوا على جمع الناس على حرف واحد هو حرف قريش.
وهذا الحرف تدخل فيه القراءات السبع كلها، بل العشر داخلة في حرف واحد، وهو الحرف الذي درس فيه جبرائيل النبي -صلى الله عليه وسلم- في السنة الأخيرة التي توفي فيها، فهذا من فضائله -رضي الله عنه- فجمع الناس على مصحف، على هذا الحرف، وكتب في ذلك سبعة مصاحف، تسمى هذه المصاحف الأئمة، أرسل لكل مِصْرٍ مصحفا: أرسل لأهل مكة مصحفا، وإلى أهل الكوفة مصحفا، ولأهل الشام مصحفا، ولأهل مصر مصحفا، وأحرق بقية المصاحف.
ذكر الحافظ ابن كثير هذه الفضيلة في ( البداية والنهاية ) وقال: إن من مناقبه الكبار وحسناته العظيمة -رضي الله عنه- أن جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في آخر سِنِي حياته، وذكر أن سبب ذلك ما وقع من خلاف بين القراء في بعض الغزوات، وكان معهم حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-، فركب إلى عثمان وأخبره بما كان وقال: أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم.
عند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون سواه، فاستدعى بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها وأمر زيد بن ثابت أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، بحضرة عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن حارث المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتب سبعة مصاحف بعث بها عثمان إلى الأمصار، ويقال لهذه المصاحف الأئمة، ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس فحرقها لئلا يقع بسببها اختلاف.
ثم الخليفة الرابع ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خَتَنُه، "خَتَنُه" يعني: زوج ابنته فاطمة، خَتَنُه علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، "فهؤلاء الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون" من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بأن الخلافة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر ثم لعمر ثم لعثمان ثم لعلي، وأن الطعن في خلافة واحد من هؤلاء ضلال وزيغ، من عقيدة أهل السنة والجماعة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، نعم.
ولم يزل أهل السنة والجماعة يترضون على الصحابة ويوالونهم وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف لا بالهوى والتعصب، والله -تعالى- أثنى عليهم وعدلهم وزكاهم ووعدهم بالجنة ولهذا قال: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى قال: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
أثنى على المهاجرين وأثنى على الأنصار، وأما من سبهم أو تنقصهم أو طعن فيهم فهذا لمرض في قلبه ولنفاق، إنما يصدر من أهل النفاق والزيغ والانحراف كالرافضة وأشباههم، وقد نزلوا إلى هوة سحيقة فزادوا بها على اليهود والنصارى، الرافضة، فإن اليهود والنصارى..، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب موسى. وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى. وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد. نسأل الله السلامة والعافية، فزادوا في هذه الخصلة على اليهود والنصارى، صاروا أسوأ حالا منهم، نعوذ بالله، نعم.
ــــــــــــــ
العشرة المبشرون بالجنة

ثم الستة الباقون من العشرة: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح -رضوان الله عليهم-؛ فهؤلاء العشرة الكرام البررة الذين شهد لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، فنشهد لهم بها كما شهد لهم بها؛ اتباعا لقوله وامتثالا لأمره، وقد شهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة لثابت بن قيس، وعبد الله بن سلام، ولبلال بن رباح، ولجماعة من الرجال والنساء من الصحابة، وبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب، وأخبر أنه رأى الرميصاء بنت ملحان في الجنة.
نعم، يقول المؤلف -رحمه الله-: "ثم الستة الباقون من العشرة" يعني: نشهد لهم بالجنة، وهم: طلحة بن عبيد الله، وهو من قريب لعثمان -رضي الله عنه- ابن عمه، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة -رضي الله عنهم؛ فهؤلاء الستة مع الأربعة، الخلفاء الراشدين هم العشرة المشهود لهم بالجنة، وورد ذكر هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة في حديث سعيد بن زيد الذي رواه أبو داود في سننه والترمذي، وكذلك رواه الإمام أحمد في المسند.
ووردت أحاديث فيها الشهادة لهؤلاء العشرة بالجنة؛ ولهذا قال: فهؤلاء العشرة الكرام البررة الذين شهد لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، فنشهد لهم بها كما شهد لهم بها؛ اتباعا لقوله لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-، وامتثالًا لأمره.
فقد شهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة لغير هؤلاء، شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة لغير هؤلاء، هؤلاء العشرة نشهد لهم بالجنة، وهناك غيرهم مشهود لهم بالجنة، والقاعدة عن أهل السنة والجماعة: أنه يشهد بالجنة لمن شهدت له النصوص.
وأما من لم يشهد له بالنصوص فلا، وقال بعض العلماء ... العلماء في الإشهاد بالجنة لهم ثلاثة أقوال:
قول أول: أنه لا يشهد بالجنة إلا للأنبياء فقط. والقول الثاني: أنه يشهد بالجنة للأنبياء ولمن شهدت له النصوص، وهذا هو قول الجمهور. والقول الثالث: أنه يشهد لهؤلاء بالجنة، ويشهد لمن شهد له اثنان عدلان بالجنة.
ومن ذلك أن أبا ثور كان يشهد بالجنة للإمام أحمد بن حنبل، ويستدلون بحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان جالسًا فمر بجنازة، فأثنى عليه خيرًا، فقال: وجبت. ثم مر بجنازة أخرى، فأثنى عليه شرًا، فقال: وجبت. فسئل النبي -صلى الله عليه وسلم- ما وجبت؟ قال: هذا شهدتم عليه بالجنة، وجبت عليه الجنة، وهذا شهدتم عليه بالنار، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض والحديث الآخر -والحديث صحيح-: يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ أخذ بعض العلماء من هذا أنه يشهد بالجنة لمن شهد له عدلان.
والصواب من هذه الأقوال أنه يشهد بالجنة للأنبياء، ولمن شهدت له النصوص خاصة، وأما هؤلاء الذين شهد لهم، فهذا له أدلته الخاصة، ويقتصر على ما جاء وعلى ما ورد في النصوص، ولأنه لو فتح الباب، قل أحد إلا تجد له اثنين يشهدان له بالجنة، فصار يشهد لكل أحد، والصواب أنه لا يشهد بالجنة إلا لمن شهدت له النصوص: كالعشرة المبشرين بالجنة.
ومن ذلك ثابت بن قيس ( ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه)، كان خطيب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذلك لأنه كان يخطب بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان يرفع صوته؛ لأن الخطيب مضطر أن يرفع صوته، فلما نزل قوله –تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ تأخر وخاف، جعل يبكي في بيته. وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ خاف أن يكون حبط عمله؛ لأنه يرفع صوته بالخطبة أمام النبي -صلى الله عليه وسلم-، ففقده النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأرسل إليه، فقال: إنه كان يرفع صوته عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد حبط عمله فهو من أهل النار، فأرسل إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: قولوا له إنه من أهل الجنة وليس من أهل النار فهذا شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم.
وعبد الله بن سلام الإسرائيلي -رضي الله عنه- أيضا هذا مشهود له بالجنة، هذا جاء في البخاري -رضي الله عنه- أنه قال: حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثني أزهر السمان، عن ابن عون، عن محمد، عن قيس بن عباد قال: كنت جالسًا في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة. فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج وتبعته، فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة. قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك بما ذاك: رأيت رؤيا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقصصت عليه، ورأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها وسطها عمود من حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارق. قلت: لا أستطيع. فأتاني منصف فرفع ثيابي من خلفي، فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك. فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة العروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت وذلك الرجل هو عبد الله بن سلام.
وقال لخليفة: حدثنا ابن عون، عن محمد قال: حدثنا قيس بن عباد، عن ابن سلام قال: وصيف مكان منصف. هذا رواه البخاري في صحيحه، وأخرجه مسلم أيضا في الفضائل، وفيه الشهادة لعبد الله بن سلام بالجنة، وهو عبد الله بن سلام الإسرائيلي من بني إسرائيل.
ولبلال بن رباح المؤذن أيضا، شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، وكذلك لجماعة من الرجال والنساء شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، من ذلك خديجة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأم المؤمنين، بشرها النبي -صلى الله عليه وسلم-، بشر خديجة ببيت من قصب لا صخب ولا نصب، قصب يعني: من اللؤلؤ (قصب اللؤلؤ ) مجوف. وهذه منقبة لخديجة -رضي الله عنها-، شهد لها بالجنة.
وأخبر أنه رأى الرميصاء بنت ملحان في الجنة، والرميصاء جاءت في مسند الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان قال: حدثنا أحمد قال: أخبرنا ثابت، عن أنس -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقلت: ما هذه الخشفة؟ فقيل: الرميصاء بنت ملحان هذا شهادة لها بالجنة.
والرميصاء قال بعضهم: يقال لها الغميصى، وهي أم سليم بنت ملحان، وقيل: إنها أختها، وهي أم حرام بنت ملحان، شهد لها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة كما في صحيح البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن إسحاق عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، أنه سمعه يقول: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأطعمته، وجعلت تفلي رأسه، فنام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم استيقظ -وكان بينه وبينها محرمية عليه الصلاة والسلام-، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: قلت وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة -شك إسحاق -، قال: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فدعا لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم وضع رأسه ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: وما يضحك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله -كما قال في الأول-، قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأولين .
فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت، وهذا دليل على أن من غزا في سبيل الله، ثم مات في الطريق ذاهبا أو راجعا، أن هذه شهادة تعتبر شهادة، النبي -صلى الله عليه وسلم- شهد لها بالجنة، فهؤلاء شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، وهناك غيرهم، منهم عكاشة بن محصن شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وكذلك ابن عمر -رضي الله عنه- مشهود له بالجنة في الرؤيا التي رآها، بأنه رأى النار وأن لها قرنين، وأنه جاءه ملكان فقالا: لن تراع. قال: أعوذ بالله من النار. وغيره، هناك عدد شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة من الرجال والنساء، من شهدت لهم النصوص نشهد لهم، كذلك أهل البدر، قال النبي فيهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وكذلك أهل بيعة الرضوان كانوا ألفا وخمسمائة، أو ألفا وأربعمائة وكسر -رضي الله عنهم-، قال: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ .
وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن حفصة -رضي الله عنها-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة لا يدخل النار، هذه شهادة لأهل بيعة الرضوان ولأهل بدر، فنشهد بالجنة لمن شهدت لهم النصوص.
وأما من لم يشهد لهم (لم تشهد له النصوص) نتوقف، ولا نشهد لأحد بعينه، لكن نشهد بالعموم، كل مؤمن في الجنة وكل كافر في النار، لكن فلان بن فلان بعينه تشهد أنه في الجنة، نقول: ما نشهد إلا ما شهدت له النصوص. فلان بن فلان تشهد عليه بأنه في النار، لا نشهد إلا بما شهدت له النصوص، مثل: أبي لهب نشهد له بالنار، أبي جهل نشهد له بالنار. وكذلك من علمت خاتمته، مات على الكفر، قامت عليه الحجة، هذا كافر، يكفر ويشهد عليه بالنار. نعم.
الشهادة بالجنة لمن شهد الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بها فكل من شهد له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة شهدنا له، ولا نشهد لأحد غيرهم، بل نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ونكل علم الخلق إلى خالقهم، فالزم -رحمك الله- ما ذكرت لك من كتاب ربك العزيز، وكلام نبيك الكريم، ولا تحد عنه، ولا تبتغي الهدى في غيره، ولا تغتر بزخارف المبطلين وآراء المتكلفين، فإن الرشد والهدى والفوز والرضا فيما جاء من عند الله ورسوله، لا فيما أحدثه المحدثون، وأتى به المتنطعون من آرائهم المضمحلة، ونتائج عقولهم الفاسدة، وارض بكتاب الله وسنة رسوله عوضًا من قول كل قائل، وزخرف وباطل.
نعم كما قال المؤلف -رحمه الله- قال: وكل من شهد له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة شهدنا له، ولا نشهد لأحد غيرهم، هذا عقيدة أهل السنة والجماعة، بل نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، عقيدة أهل السنة والجماعة يشهدون بالجنة لمن شهدت له النصوص، ولا يشهد لأحد غيرهم، لكن يرجون للمحسن ويخافون على المسيء، إذا رأينا إنسانا محسنا مستقيما على طاعة، نرجو له الخير، ونرجو أن يدخله الله الجنة، ولا يشهد له بعينه، وإذا رأينا إنسانا مسرفا يعمل المعاصي والكبائر ولا يبالي، نخاف عليه من النار ولا نشهد عليه بالنار، نخاف على المسيء ونرجو للمحسن، ونشهد بالعموم كل مؤمن في الجنة وكل كافر في النار، أما المعين بعينه ما نشهد بالجنة إلا من شهدت له النصوص، ولا نشهد بالنار إلا لمن شهدت له النصوص، إلا من عرف أنه مات على الكفر وقامت عليه الحجة، هذا كافر.
ولهذا قال المؤلف: بل نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، ونكل علم الخلق إلى خالقهم. نكل علم الخلق إلى الله، لسنا مكلفين بأن نقول: فلان كذا وفلان كذا. ثم قال المؤلف: "فالزم رحمك الله". هذا من نصحه، قال: رحمك الله. يدعو لك بالرحمة، الزم -رحمك الله- ما ذكرت لك من كتاب ربك العزيز، وكلام نبيك الكريم، الزم النصوص وما دلت عليه (نصوص الكتاب ونصوص السنة)، ولا تحد عنه، يعني: لا تبعد عنه، لا يمنة ولا يسره، ولا تبتغي الهدى في غيره، لا تبتغي الهدى في غير النصوص، الهدى إنما هو في كتاب الله وسنة رسوله، قال الله –تعالى- في كتابه العزيز: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ولو ذكر المؤلف هذه الآية لكان حسنا: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ .
يقول المؤلف -هذه نصيحة، يقول-: "ولا تغتر بزخارف المبطلين وآراء المتكلفين". لا تغتر بهم بالكلام الذي يزخرفه أهل الباطل، وما يتكلفه أهل الباطل وأهل البدع، كالخوارج مثلا الذين يكفرون أهل المعاصي، يكفرون المسلمين بالمعاصي، والمعتزلة الذين خرج من الإيمان ودخل في الكفر، والمرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا يضر مع الكفر طاعة. هذه كلها باطلة، مذاهب باطلة، الزم الكتاب والسنة ولا تحد عنه يمينا ولا شمالا، ابتعد عن مذاهب الخوارج والمعتزلة والمرجئة، وغيرهم من أهل الضلال والجهمية والمعتزلة؛ فإن الرشد والهدى والفوز والرضا فيما جاء عن الله ورسوله، لا فيما أحدثه المحدثون، ابتعد عن الحدث وعن البدع في الدين، وأتى به المتنطعون، فالرشد والهدى والفوز والرضا في الكتاب والسنة، فيما جاء عن الله وفيما جاء عن رسول الله، لا فيما أحدثه المحدثون من البدع، ولا فيما أتى به المتنطعون من التنطع من آرائهم المضمحلة، ونتائج عقولهم الفاسدة، من زبالة الأذهان ومن حطة الأفكار، وارض بكتاب الله وسنة رسوله، نعم الرضا، ارض بالكتاب والسنة، اكتف بهما، من لم يكتف بالكتاب والسنة لا كفاه الله، من لم يرض بالكتاب والسنة لا أرضاه الله، وارض بكتاب الله وسنة رسوله عوضًا من قول كل قائل، وزخرف وباطل، يكفيك يعني ... يكفيك، ارض بكتاب الله وسنة رسوله، واترك أقوال القائلين، واترك زخارف المبطلين، هذه نصيحة من المؤلف رحمه الله. نعم.
-----------
فضل الاتباع اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما فصل في فضل الاتباع. روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في خطبته: نحمد الله تعالى ونثني عليه بما هو أهله. ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، إن اصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه وعلا صوته، واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صحبكم مساكم. ثم قال: من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإلي وعلي، وأنا ولي المؤمنين رواه مسلم والنسائي. ولم يذكر مسلم: وكل ضلالة في النار
نعم، وهذا الفصل عقده المؤلف -رحمه الله- لفضل الاتباع (اتباع الكتاب والسنة)، فضل اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما، فهذا الفصل يسرد فيه المؤلف -رحمه الله- آثارا وأخبارا في فضل اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما، وأنه يجب على الإنسان أن يعمل بالكتاب والسنة، وأن من اتبعهما فهو على الجادة المستقيمة.
روى جابر بن عبد الله –رضي الله عنه- وقال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله هذا هو السنة: أن يبدأ الخطيب بخطبته -سواء كانت خطبة جمعة أو غيرها-، بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، ثم يثني بالصلاة على نبيه، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وهذا مأخوذ من الكتاب العزيز، قال الله –تعالى-: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا .
من يهد الله فلا مضل له، من هداه الله ووفقه وقذف في قلبه الحق، فقبل الحق ورضي بما اختاره، فلا أحد يضله أبدا، لو اجتمع كلهم على أن يضلوه ما استطاعوا، ومن يضلل الله فلا هادي له، من يضلل الله ويخذله ويتخلى عنه، من خذله الله وأضله فلا يستطيع أحد أن يهديه، ولو اجتمع الخلق كلهم على أن يهدوه ما استطاعوا، قال الله –تعالى- لنبيه الكريم لما عجز عن فداء عمه أبي طالب، وكان يحميه ويزود عنه أنزل الله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .
إن أصدق الحديث كتاب الله، أصدق الحديث كتاب الله هو كلام الله -عز وجل-، وأفضل الكلام وأصدق الكلام، وأحسن الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- يهدي، يعني: يرشد وينصح ويبين، فهو على بينة من ربه، وهو على نور من ربه، فهديه أحسن الهدي -عليه الصلاة والسلام-؛ ولهذا قال الله -عز وجل-: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: تدل وترشد.
فالهدى نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهذه يملكها الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وهداية توفيق وتسديد، هذه لا يملكها إلا الله. فقوله في العبارة: ومن يضلل الله فلا هادي له هذه هداية التوفيق والتسديد، وقوله هنا: وأحسن الهدي هدي محمد هذه الهداية دلالة وإرشاد. الهداية هدايتان: هداية توفيق وتسديد، هذه لا يقدر عليها إلا الله، خلق الهداية في القلوب: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وهداية دلالة وإرشاد ونصح، هذه يملكها الرسول وأحسن الهدي هدي رسول الله يعني: دلالته وإرشاده.
وشر الأمور محدثاتها شر الأمور المحدث، المحدث في الدين، والمحدث في الدين هو ما أحدث في دين الله مخالفا لشرع الله. وكل محدثة بدعة كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار كل ضلالة في النار هذه لم يذكرها مسلم كما ذكر المؤلف، وإنما جاءت عند النسائي: كل ضلالة في النار .
هكذا يحكي النبي في خطبته يوم الجمعة: ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين و يفرق بين السبابة والوسطى، وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم هكذا ينبغي أن يكون الخطيب، كان إذا خطب هكذا.
بعض الخطباء إذا خطب، تجده متماوتا، خطبة ضعيفة، خطبته تأتي بالنوم؛ لأنه متماوت (ميت)، لا الخطبة ينبغي أن تكون خطبة في شجاعة حماس قوة، يهز المنبر، يحمر وجهه، ويعلو صوته؛ حتى يؤثر في السامعين، هكذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم-: كان إذا خطب احمرت وجنتاه وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم هذا الخطيب، الخطيب الذي يكون خاطبا عن حماسة وقوة، يعالج المشاكل التي وقع فيها الناس، ما يكون الخطيب متماوتا ميتا، يقرأ كأنه يقرأ في كتاب، لا، فالخطبة تحتاج إلى حماسة وشجاعة.
ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعا فإلي وعلي من ترك مالا فلأهله يعني: لورثته. ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي يعني: يقضيه. فكان في أول الأمر كان لا يصلي على من عليه دين، ثم لما وسع الله عليه صار يقضي الدين -عليه الصلاة والسلام- ويقول: من ترك مالا فلأهله –للورثة-، ومن ترك دينا ... يقضيه -عليه الصلاة والسلام-، أو ضياعًا يعني: الصغار، أطفال وعيال تسمى ضياعا، فيكون لهم من بيت المال.
ولهذا قال العلماء: إنه إذا كان بيت المال فيه سعة، فإنه ينبغي أن تقضى فيه دون الأموات، وتكفل فيه الأيتام؛ اقتضاء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعًا فإلي وعلي، وأنا ولي المؤمنين رواه مسلم نعم.
---------------
حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على التمسك بالكتاب والسنة روى زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد: أيها الناس، فإنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي -عز وجل- فأجيبه، وأنا تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به، كان على الهدى، ومن تركه وأخطأه كان على الضلالة، وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. "ثلاث مرات" رواه مسلم .
نعم، وهذا الحديث حديث زيد بن الأرقم -رحمه الله ورضي الله عنه- رواه الإمام مسلم في "كتاب فضائل الصحابة"، والإمام أحمد في مسنده، والدارمي في سننه، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب الناس قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه فيه أنه يستحب الخطيب أن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد فالسنة أن يقول: أما بعد. فهذا هو الأفضل، أفضل من قول بعض الناس: وبعد. أما بعد أولى.
أما بعد: أيها الناس، فإنما أنا بشر مثلكم فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بشر، ليس ربًا ولا إلها، فيه الرد على من يعبد النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقول: إنه إله. وبعض الناس يقول: إنه نور، وإنه جزء من الله. نعوذ بالله، هذا كفر وضلال، فالرسول بشر لحم ودم، مخلوق من أم وأب: من عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب، خلق منهما (من مائهما) كما يخلق سائر الناس، أيضا هو بشر ليس ... وليس جزءا من الله -والعياذ بالله- كما يقولون، كالملاحدة والضالون، بل هو بشر -عليه الصلاة والسلام-، ولكنه أفضل الناس -عليه الصلاة والسلام-، فإنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي -عز وجل- فأجيبه يعني: الموت. يعني: فأجيبه، يعني: يموت. قال الله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ .
وأنا تارك فيكم الثقلين سماهم الثقلين لعظمهما وكبر شأنهما، وقيل: لثقل العمل بهما، وهما الكتاب والسنة، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى لا شك أن من استمسك بالقرآن كان على الهدى، ومن تركه وأخطأ كان على الضلالة، وأهل بيتي وفي لفظه: وسنتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي "ثلاث مرات" أهل بيته يعني: المؤمنون: زوجاته -عليه الصلاة والسلام-، وعمه العباس وحمزة، وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وزوجاته. هؤلاء هم أهل بيته، فيجب على المؤمن محبتهم وموالاتهم لله، ولقربهم من النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالنبي أوصى بهم وصية خاصة: أذكركم الله في أهل بيتي "ثلاث مرات" يعني: موالاتهم ومحبتهم وإعطائهم حقوقهم، وكف الأذى عنهم، وإنزالهم منازلهم، والترضي عنهم. نعم.
===============
وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لولاة الأمور وروى العرباض بن سارية السلمي -رضي الله عنه- قال: وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغة، ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب، وقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله تعالى، والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا؛ فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا كثيرا، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا علينا بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح. ورواه ابن ماجه، وفيه قال: وقد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك .
وهذا حديث العرباض بن سارية السلمي -رضي الله عنه-، فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالاتباع، كل هذه النصوص ساقها المؤلف لبيان فضل الاتباع، وأنه يجب على الإنسان أن يتبع الكتاب والسنة، وأن يعمل بهما، وأن العاملين بالكتاب والسنة هم خير الناس وأفضل الناس.
يقول العرباض -رضي الله عنه-: وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغة يعني مؤثرة. ذرفت منها العيون هنا الأعين، وفي لفظة: "العيون". ووجلت منها القلوب يعني لأنها حارة، ولأنها خرجت من القلب مؤثرة، خرجت من القلب فنفذت إلى القلوب، هي موعظة بليغة مؤثرة، ذرفت منها العيون من البكاء، ووجلت منها القلوب خافت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع؟ كأنك يعني ودعتنا، كأنها آخر نصيحة (آخر وصية آخر نصيحة)؛ لأنها حارة ومؤثرة، فماذا تعهد إلينا؟ ماذا توصينا؟ بأي شيء؟ قال: أوصيكم بتقوى الله تقوى الله وصية الله للأولين والآخرين، ووصية لنبيه، قال الله –تعالى-: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ .
هذه وصية الله للأولين والآخرين، وهي وصية نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة يعني: السمع والطاعة لولاة الأمور، لمن ولاه الله أمركم، اسمعوا لهم وأطيعوا، لا تخرجوا عليهم ولا تقاتلوهم، يعني ولا تأخذون يدًا من طاعتهم، وهذا مقيد بما إذا أمروا بطاعة الله ورسوله، أما إذا أمروا بالمعصية فلا يطاعون.
ولهذا جاء في الحديث الآخر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنما الطاعة في المعروف وقال -عليه الصلاة والسلام-: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إنما الطاعة في المعروف، فإذا أمر ولي الأمر بالمعصية لا يطاع، أو أمر الأمير بالمعصية لا يطاع، أو الزوج إذا أمر زوجته بالمعصية لا يطاع، أو الأب إذا أمر ابنه بالمعصية لا يطيعه، ولكن لا يتمرد عليه في غيرها، بس ما يطيعه في المعصية، لكن نسمع إذا أمروا بالمعصية الناس يتمردون ويخرجون على ولاة الأمور، نقول: لا، بس المعصية، إذا قال: اشرب الخمر. لا تطعه، إذا قال لك: اشرب الدخان. لا تطعه، إذا أمرك والدك تأتي له بالدخان، لا ما تطيعه، لكن لا تتمرد عليه، فانصحه فقل: يا أبي، ما يجوز ولا يسوغ لي أن أطيعك في المعصية. وهكذا.
إنما السمع والطاعة في طاعة الله، وفي الأمور المباحة، والسمع والطاعة هذه وصية النبي -صلى الله عليه وسلم-: تقوى الله، والسمع والطاعة. وإن كان عبدًا حبشيًا لو كان الأمير عبدًا حبشيًا، وفي اللفظ: وإن كان على الآخر وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف وفي لفظ: كأن رأسه زبيبة لو قطع الأنف والأذن وصار أميرا وتولى على الناس، يجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا، وإن كان عبدًا حبشيًا؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا يحصل اختلاف والأمور تنكرونها، لكن الزموا كتاب الله وسنة رسوله، وأطيعوا ولاة الأمور في طاعة الله، ثم قال: فعليكم بسنتي الزموا سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .
فواجب لزوم الكتاب والسنة، وسنة الخلفاء الراشدين إذا لم يكن هناك سنة، فيما لم يكن فيه سنة، فإذا لم تتبين السنة يؤخذ من سنة الخلفاء الراشدين، أما إذا ظهرت السنة فإنه يؤخذ بالسنة، وقد يجتهد بعض الخلفاء الراشدين اجتهادا يخالف السنة فيؤخذ بالسنة، لكن إذا لم يكن في المسألة سنة يؤخذ بسنة الخلفاء الراشدين.
ثم قال النبي: عضوا عليها بالنواجذ يعني: تمسكوا بها. والنواجذ هي الأسنان التي في الأضراس، وهذا هو آخر الأضراس. يعني إنما أراد بذلك الجد في لزوم السنة؛ لأن الذي يمسك بالشيء بين أضراسه ويعض عليه، يمتنع من أن ينتزعه أحد منه، وهذا أشد ما يكون في التمسك.
وإياكم ومحدثات الأمور يعني تحذير، يعني: احذروا محدثات الأمور، محدثات الأمور هي البدع التي تخالف الكتاب والسنة. ثم قال: فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وعند النسائي -كما سبق-: وكل ضلالة في النار رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح ورواه ابن ماجه وقال-: وقد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك هذه رواية ابن ماجه، وفي سنة أبي داود أيضا قال: تركتكم على البيضاء يعني: الشريعة البيضاء. ليلها كنهارها يعني واضحة وضوحها ليس فيه لبس، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك نعم.
==============
التحذير من فتنة الدنيا وروى أبو الدرداء قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نذكر الفقر ونتخوفه فقال: الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده، لتصبن الدنيا عليكم حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي، وايم الله، قد تركتكم ... –"وايم الله" أحسن بالهمز أفصح، "وايم الله" بالهمز (همزة وصل) أحسن- وايم الله، قد تركتكم على البيضاء، ليلها ونهارها سواء. قال أبو الدرداء: صدق رسول الله ... –"سواءَ" هذه عند الوقف "سواء"-، وايم الله، قد تركتكم على البيضاء، ليلها ونهارها سواءَ. قال أبو الدرداء: صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، تركنا على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواءَ رواه ابن ماجه .
قول المؤلف -رحمه الله-: وروى أبو الدرداء قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده، لتصبن الدنيا عليكم، حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي، وايم الله، قد تركتكم على البيضاء، ليلها ونهارها سواء. قال أبو الدرداء: صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، تركنا على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء رواه ابن ماجه .
وهذا الحديث رواه ابن ماجه في سننه في المقدمة باب "اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ولا بأس بسنده، وهو حسن، وفيه تحذير من فتنة الدنيا، وأن الدنيا لها فتنة، وأنه يخشى على الإنسان من الدنيا أكثر مما يخشى عليه من الفقر، وهذا واقع، فإن الفقر يتحمله بعض الناس ويصبرون، لكن الدنيا إذا جاءت الدنيا لا يستطيع كثير من الناس لا يصبر عليها، ولهذا قال بعض السلف: "ابتلينا بالفقر فصبرنا، وابتلينا بالدنيا فلم نصبر". جاءت الدنيا والأموال وكذا، تكون فتن الشهوات والشبهات.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده قسم حلف وهو الصادق وإن لم يقسم، لكن للتأكيد: لتصبن الدنيا عليكم حتى يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي وهذا هو الواقع، كما هو الواقع الآن في عصرنا، صبت الدنيا علينا صبًا، نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه وألا يزيغ قلوبنا. حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي، وايم الله قسم أيضا مرة ثانية، يقسم مرتين: وايم الله (وايمن الله)، قسم "وايمن الله" حذف النون "وايم الله". قد تركتكم على البيضاء الشريعة، ليلها ونهارها سواء يعني: الشريعة واضحة الآن، الحلال واضح والحرام واضح، الحلال بين والحرام بين قال أبو الدرداء: صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، تركنا على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء وهذا فيه حث المؤلف على الاتباع. نعم.
=============
العمل بالكتاب والسنة وعدم التفريق بينهما وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني قد خلفت فيكم ما لم تضلوا بعده ما أخذتم بهما، أو عملتم بهما: كتاب الله، وسنتي. ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض رواه أبو القاسم الطبري الحافظ في السنن .
وهذا الحديث حديث أبي هريرة -كما ذكر المؤلف- رواه أبو القاسم الطبري في السنن، في شرح أصول الفقه لأهل السنة، وفي مسند الإمام أحمد، يقول: حدثنا الزبير قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني قد تركت فيكم ما إن أخذت به لن تضلوا بعدي (الثقلين)، أحدهما أكثر من الآخر: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنها لن يفترقا حتى يردا علي الحوض الحديث هذا ضعيف، فيه عطية العوفي، وهو ضعيف شيعي مدلس، وهنا قال: كتاب الله وسنتي في الحديث الآخر: كتاب الله وعترتي .
وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- هذا الحديث في رده على الأحناف الذين يقولون: إن الزيادة على الكتاب نسخ، مثل الوضوء (آية الوضوء) ليس فيها النية، فالنية جاءت في السنة. يقول: هذا نسخ. رد عليهم ابن القيم -رحمه الله- ويقول: إنما حرم رسول الله كما حرم الله. وذكر أيضا قال صالح بن موسى، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي. ولن يفترقا حتى ردا علي الحوض .
يقول الشيخ ابن القيم: فلا يجوز التفريق بين ما جمع الله بينهما، ويرد أحدهما بالآخر. يعني: لا يجوز التفريق بين الكتاب والسنة، بل يجب العمل بهما، بل سكوته عما نطق به، ولا يمكن أحدًا أن يفترض ذلك، يعني مقصده أنه يجب على الإنسان أن يعمل بالكتاب والسنة ولا يفرق بينهما، وكذلك أيضا ذكر بعض الشراح هذا الحديث، وهو دليل على الاتباع، وأنه ينبغي الإنسان أن يتبع الكتاب والسنة وألا يفرق بينهما.
لن يفترقا حتى يردا علي الحوض يعني إلى يوم القيامة، حتى يموت الإنسان، يجب عليه أن يعمل بالكتاب والسنة ولا يفرق بينهما، بأن يعمل بأحدهما دون الآخر، كالذين يردون السنة، أو الذين يقولون: نعمل بالقرآن ولا نعمل بالسنة. أو يقولون: إن السنة إذا جاءت بنص زائد عن القرآن هذا نسخ. ثم يردونه، فهذا الحديث فيه رد عليهم، وهو فيه الحث على الاتباع، والمؤلف ساقه من أجل الحث على اتباع الكتاب والسنة. نعم.
============
قول أبي بكر إنما أنا متبع ولست بمبتدع وقال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في خطبته: "إنما أنا متبع ولست بمبتدع".
نعم، قال هذا من خطبته -رضي الله عنه- بعد توليه الخلافة، رواه ابن سعد في الطبقات، والطبري في تاريخه، وابن كثير في "البداية والنهاية". يقول -رضي الله عنه-: "إنما أنا متبع ولست بمبتدع". يعني: متبع بكتاب الله وسنة رسوله، ما آتي بالبدع المخالفة للدين، وهكذا ينبغي للمسلم. نعم.
=============
قول عمر قد فرضت لكم الفرائض وسنت لكم السنن وتركتم على الواضحة وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "قد فرضت لكم الفرائض وسنت لكم السنن، وتركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا".
نعم، وهذا رواه مالك في الموطأ، يقول عمر -رضي الله عنه-: "قد فرضت لكم الفرائض، وسنت لكم السنن، وتركتم على الواضحة -يعني الشريعة الواضحة-، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا". يعني: لا تميلوا يمينا ولا شمالًا، بل اعملوا بالكتاب والسنة. نعم.
=================
قول ابن مسعود إنا نقتدي ولا نبتدي ونتبع ولا نبتدع وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر".
نعم، وهذا رواه اللالكائي في "شرح أصول الفقه لأهل السنة" عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قال: "إنا نقتدي (يعني نقتدي بالرسول -عليه الصلاة والسلام-، ونعمل بكتاب الله)، ولا نبتدي من عند أنفسنا شيئا، ونتبع (الكتاب والسنة)، ولا نبتدع (ما نأتي ببدعه)، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر". لن يضل الإنسان ما تمسك بالكتاب والسنة والآثار الصحيحة. نعم.
ــــــــــــــ


معالم من تاريخ الخلفاء الراشدين

محمد بن صامل السلمي
الخلفاء الراشدون هـم الأئـمـة الأربـعـة ، أبـو بـكـر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم أجمعين- ، وهم الذين خلفوا رسول الله -صلى الله عـلـيـه وسلم- فـي قيادة الأمة ، ومدة خـلافـتهم من انتقاله -صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى في 12 ربـيـع الأول سـنـة 11هـ إلى مقتل علي بن أي طالب في 17 رمضان سنة 40 هـ(1): تسع وعشرون سنة وستة أشهر وخمسة أيام.
وإذا أضـيـفـت لهـا خلافة الحسن بن علي (من مقتل أبيه عن تنازله لمعاوية بن أبي سفيان 25 ربيع الأول سـنة41هـ) (2) تكون ثلاثين سنة بالتمام ، وقد اختصوا بوصف الراشدين لصفات تميزوا بها في سلوكهم الذاتي وفي إدارتهم لشؤون الأمة ورعايتهم لدينها وعقيدتها وحفـاظهم على النـهـج الـذي جـاء بـه رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- مـن الـدعـوة، والجهاد ، وإقامة العدل ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر.
والرشـد ضـد الـغـي والهوى وهو الاستقامة الكاملة على المنهاج النبوي ، وقد جاء وصفهم بهذه الصفة فـي حـديـث العرباض بن سارية -رضي الله عنه-: "... عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور" (3).
كما جاء وصف خلافتهم في بعض الأحاديث النبوية: أخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن حذيفة- رضي الله عنه- قال: قال رسول -صلى الله عليه وسلم-:"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها..." الحديث(4).
وفي حديث سفينة -رضي الله عنه- تحديد لزمن الخلافة الراشدة ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء"(5)، قال سفينة: أَمست خلافة أبي بكر -رضي الله عنه-سنتين، وخلافة عمر -رضي الله عنه-عشر سنين ، وخلافة عثمان -رضي الله عنه-اثني عشر سنة ، وخلافة علي -رضي الله عنه-ست سنين(6).
وقد تميز عصرهم من بين سائر عصور الدول الإسلامية بجملة من المميزات التي تميزه عن غيره، وصار العصر الراشدي مع عصر النبوة معلماً بارزاً ونموذجاً مكتملاً ، تسعى الأمة الإسلامية وكل مصلح إلى محاولة الوصول إلى ذلك المستوى السامق الرفيع ، ويجعله كل داعية نصب عينيه فيحاول في دعوته رفع الأمة إلى مستوى ذلك العصر أو قريباً منه ، ويجعله معلماً من معالم التأسي والقدوة للأجيال الإسلامية ، ومن ثم صار كل مصلح وكل حاكم عادل وكل إمام مجتهد يقاس بهذا العصر ويوزن بميزانه ، حتى لقب كثير من العلماء الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (خامس الخلفاء الراشدين)(7)، ونسبوه إليهم، وذلك لأنه سار بسيرتهم ، وسلك طريقهم ، وأعاد في خلافته رغم قصرها (99-101هـ) معالم نهجهم ، وأحيا طريقتهم في الحكم والإدارة وسياسة الرعية.
وفي هذه المقالة نتعرف على بعض معالم عصر الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم-؛ لتكون مثالاً يحتذى وصدىً يهتدى بها في طريق الدعوة إلى الله.
1- توحيد مصدر التلقي:
ومــصــدر الـتـلـقــي هو الكتاب والسنة المطهرة، وهذه قضية مهمة جداً، فما وقع التفرق والاختلاف إلا عـنـدما قصَّرَ المسلمون في فهم الكتاب والسنة وزاحموهما بمصادر ومقررات خارجية من فلسفات الأمم وأهواء النفوس ، والبشرية لا يمكن لها أن تتقارب وتتوحد إلا إذا وحدت مصادر فـهـمـهــا وتلقيها ، فإن الناظر في الفلسفات البشرية والمذاهب الفكرية والسياسات العملية يجد بينها بوناً شاسعاً واختلافاً كبيراً يصل إلى التضاد والتناقض ، ولذلك فإنه لا سبيل لوحدتها وإزالة ما بينها من اختلاف وتناقض ، ويبرأ من النقص والهوى ويخضع له الجميع سوى وحي الله المنزل في كتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، لأنه من تشريع الله الخالق لكل شيء ، الحكيم الخبير الذي أحاط علمه بكل شيء ، قال تعالى: ((ومَا كَانَ رَبُّكَ نَسِياً)) [مريم:64]، وقال تعالى: ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ)) [البقرة:255 ] ، وقال: ((وكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)) [النساء:26 ] ، وقال تعالى: ((الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَداً ولَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)) [الفرقان:2 ] ، وقال تعالى: ((ولَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [الأعراف:52 ] ، وقال تعالى: ((واللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [الحجرات:16].
فما كان الخلفاء الراشدون يتلقون أو يأخذون نظمهم ولا سياستهم ولا مناهج علمهم وكافة أمورهم إلا من الكتاب المــنــزل من الله والسنة الموحى بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ولم يكن الاقتصار منهم على الوحي الرباني عن فقر في العلوم والثقافة في عصرهم ولكنه عن علم وقصد واتباع لأمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، قال تعالى: ((ثُـــمَّ جَــعَــلْــنَــاكَ عَـلَـى شَـرِيـعَــــةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [الجاثية:18].
فكل ما خالف الوحي فهو هوى وجهل وعمى ، وقال تعالى: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [الروم:30 ].
ولقد غضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما رأى في يد عمر بن الخطاب صحيفة من التوراة وقال:"لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني"(7) ، وأقوال الخلفاء الراشدين بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومواقفهم توضح ذلك وتبينه.
قال الخليفة الأول صديق هذه الأمة بعد أن بويع بالخلافة في خطبة عامة: "إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني ، وإن زغت فقوموني"(8).
وقال عمر الخطاب -رضي الله عنه-:" قد كنت أرى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيدبر أمرنا-أي: يكون آخرنا - ، وإن الله قد أبقى فيكم الذي به هدى رسوله ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله ، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم (9) (يعني: أبا بكر).
وقال أيضاً:" إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام ،فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله"(10). فالاعتصام بالكتاب والسنة والتلقي منهما قضية مسلمة لا تقبل النقاش ، ولقد استمرت الأمة على هذا الفهم قروناً ، ولكنها أصيبت في الأعْصُر المتأخرة بالانحرافات حتى جهلت المسلمات ووجد من أبنائها من يجادل في هذا ، بل وربما وجد فيمن ينتسبون إلى الدعوة ، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
2- حماية جانب العقيدة:
لقد جاءت الشريعة بسد باب الذرائع المؤدية إلى الشرك ومحاربة البدع والمحدثات في الدين، ولهذا لم يكن الخلفاء الراشدون وظيفتهم تقف عند حفظ الأمن والحكم بين الناس، بل إنها تتعدى ذلك لتشمل كافة مصالح الأمة الدنيوية والأخروية ، ومن ثم قاموا على نشر العقيدة الصحيحة وسدوا كافة المنافذ المؤدية إلى الابتداع في الدين أو النقص منه أو الانحراف في فهمه، وقاوموا كل مبتدع أو مشكك في الدين ، وطبقوا قوله -صلى الله عليه وسلم-:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"(11).
والوقائع التاريخية والمواقف المنقولة عنهم في هذا المعنى ، كثيرة نذكر نماذج منها:
- موقف الصديق -رضي الله عنه-في الردة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقد واجه المرتدين بكل قوة وصلابة وحزم وشجاعة ، ورفض مهادنة مانعي الزكاة رغم قلة الجند الإسلامي ومشورة كثير من الصحابة له بذلك منهم عمر بن الخطاب ، فقال -رضي الله عنه- قولته الشهيرة: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه" (12).
وقال لعمر بن الخطاب: "أجبار في الجاهلية ، خوار في الإسلام؟ إنه قد انقطع الوحي وتم الدين، أوَ ينقص وأنا حي؟ (13).. فهو يعلم -رضي الله عنه-أن واجب الخليفة حراسة الدين من الزيادة والنقصان ، لذلك قال مستفهماً هذا الاستفهام: "أو ينقص وأنا حي؟ "أي:إن ذلك غير ممكن ولا أقبل به أبداً مادمت حياً، ولذلك قال أيضاً: "والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف في يدي ، ولو لم يبق في الق